الأحد، 30 سبتمبر، 2012

أوراق / التاسعة/ الانتصار العسكري والتركة الثقيلة


من نتائج سقوط النظام الليبي - التي فاجأت الجيران ودول حلف شمال الأطلسي - خروج تشكيلات أژوادية مدججة بالسلاح من رحم القوات الليبية، وقطع آلاف الكيلومترات عبر النيجر وربما الجزائر، لتأخذ مواقعها نهارا جهارا في أرض أژواد، وتباشر استعداداتها الحربية أمام أعين القوات المالية المرابطة في قواعدها المختلفة، وتحتل بسرعة البرق كامل إقليم أژواد، وتنهي وجود الحكم المالي جيشا وإدارة.
ومن الواضح في هذه الملحمة إحكام الخطة التي وضعت لتحقيق أهدافها المصيرية، دون خسائر تذكر، بفضل الكفاءة العسكرية، وانضمام غالبية المقاتلين الأژواديين العاملين والمسرّحين والمنخرطين في الجيش المالي، واختيار الوقت الأنسب، حيث كان الجميع منشغلا بما يجري داخل دول الربيع العربي، دون أن يرفعوا البصر صوب حزامه الجنوبي، حتى يروا حراكا ربيعيا آخر على يد فصيل من هذا النسيج الاجتماعي والبيئي العربي الإفريقي الإسلامي، الذي عانى منذ القرن الثامن عشر الغزو الاستعماري الصليبي والذي استعبد السكان ونهب الخيرات، وحارب الدين واللغة، ومسخ الهوية وحطم أسس المجتمع الأهلي، قبل أن يضطر كارها - في أحيان كثيرة- إلى الانسحاب تحت ضربات المقاومة التي لم تتوقف وإن تعددت أشكالها، ويغادر - في أحيان أخرى - بترتيب مرتب، يضمن استمرار النهج على يد أنظمة حارسة لمخلفاته.
لقد كان من الجلي أن الحركات الأژوادية قد استوعبت دروس نضالها الطويل الذي شاب فيه الولدان، والنكسات التي تعرضوا لها، خاصة ثورة 1990 التي قادتها حركة تحرير أژواد بزعامة إياد آڴ غالي، قبل أن تتفرق إلى خمسة فصائل موزعة الولاء - الكلي أو الجزئي - بين الدول المجاورة (الجزائر، ليبيا، المغرب، بوركنا فاصو، موريتانيا) لتكون ثمرةُ التضحيات الجسيمة التي قدمها المقاتلون والشعب الأژوادي في الداخل وفي المهجر، رزم من الاتفاقيات والالتزامات، التي صدرت عن مؤتمرات جُند لها عشرات الدبلوماسيين، وأظلتها منظمة الأمم المتحدة، بمشاركة المنظمات الإقليمية، والدول المجاورة والمانحة. وكل ما تحقق تظاهرات دعائية فولكلورية، أهم مشاهدها حرق السلاح، ووعد بماكو بإقامة حكم أقل مركزية، والتزام  المانحين بتقديم مساعدات اقتصادية لتنمية الإقليم وفك عزلته وربطه بمسيرة التنمية في مالي، غير أن كل ما نُفذ إنشاء ولاية جديدة على الورق في كيدال، بدون موارد ولا تجهيز، وضمِّ مجموعة من المقاتلين إلى الجيش المالي، واكتتاب بعض صغار وكلاء الإدارة، بينما استحوذت الحكومة المركزية على المساعدات المقدمة من المانحين، واكتتاب الأمم المتحدة بعض زعماء الجبهات المقاتلة. لذلك لم يكن أمام زعماء الحركات الأژوادية بعد عقدين من اتفاقيات تمنغاست ومماطلة الحكومة سوى الدخول في هذه المغامرة الكبيرة ورفع سقف مطالبهم هذه المرة إلى أقصاه، وهو الاستقلال (حركة تحرير أژواد) أو تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي كلها (أنصار الدين).
وكان من المنطقي – لو في مالي حكومة مسؤولة – أن تُقر بالأمر الواقع وتتعامل مع الوضع الجديد بحكمة وصدق في النيات، وتبدأ مفاوضات فورية بعد أن أعلن الطرف الثاني استعداده لها، لكن عادة السلطة المالية التعنت والاعتماد على العنف، وهو ما تغلب هذه المرة أيضا. في هذا الوقت دخلت على الخط فرنسا، الوصي المعتمد على مستعمراتها السابقة، فشجعت انقلابا عسكريا على الرئيس المنتهية ولايته، ودخلت في اتصالات علنية مع حركة تحرير أژواد، موحية بأنها خاضعة لها، عندما تدخلت بقوة لمنع تنفيذ اتفاق بين الحركة وأنصار الدين ينص على أن الدولة الجديدة ستطبق الشريعة الإسلامية.  وبذلك دقت إسفينا بين الحركتين، مما عجل بإبعاد حركة تحرير أژواد عن الساحة، وتوزيع النفوذ بين أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، وخلق حالة من الفوضى في بماكو بعد أن تبين أن قائد الانقلاب عاجز عن تحقيق ما كانت تعلق عليه من آمال، فتحملت بذلك مسؤولية في ما يجري اليوم في بماكو من فوضى سياسية وانفلات أمني، وإفلاس أخلاقي كان آخر تجلياته قتل الدعاة.
لقد كانت تصرفات فرنسا خلال سنوات ساركوزي في الإقليم عودة فجة لممارسات خلية "فرنسا - إفريقيا" التي حمت الأنظمة الفاسدة وضمنت لفرنسا الاستيلاء بأقل ثمن على خيرات تلك الدول، وخططت ونفذت معظم  الانقلابات التي أطاحت بكل من شب عن الطوق، وحاول الإصلاح في بلاده.
العلاقة بين السلطة والجريمة المنظمة
كان آخر رئيس لمالي هو الجنرال أمدو توماني توري، الذي قضى مأموريتين رئاسيتين، وهو قائد انقلاب 1991 على الجنرال موسى تراورى، حيث تفاهم مع زعماء الحراك المدني على أن يعود إلى السلطة بعد الرئيس المدني عمر كونارى، وظل مدلل الغرب لقبوله الانتظار حتى حلول فرصته، وارتبط بدوائر صنع القرار، ومنظماته المشرفة على ترسيخ أنموذج النظام الغربي للحكم في القارة، وترميم ما تهرأ منه، مثل مركز كارتر والمعهد الأمريكي للديمقراطية، وغيرهما من المراكز والمنظمات الممولة من مؤسسات الغرب، وأصبحت البلاد أحد أكبر متلقٍ للمساعدات الخارجية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بصورة فردية، لتكون واجهة في غرب إفريقيا، ومضرب مثل في الحكم الرشيد المسالم، الزاهد في السلطة! حيث لا يملك الرئيس حزبا وبالمقابل لا يواجه معارضة، وإنما الجميع في أغلبيته، مما خلق فراغا سياسيا: لا نقاش ولا جدل ولا حوارا، الكل حر في الانهماك في شأنه الخاص، على حساب قضايا الوطن. وفي هذا الجو انتشرت الجريمة المنظمة: التهريب والاتجار بالمخدرات والسلاح واختطاف الرهائن والهجرة السرية، وكلها شكلت أنشطة مربحة للمتنفذين في الحكم.
كان التهريب قد انطلق ابتداء من تسعينات القرن الفائت من الدول المجاورة ذات المنافذ البحرية: موريتانيا وسنغال وغينيا وساحل العاج وغانة وتوغو وبنين ونيجيريا والجزائر، أو البعيدة كليبيا والمغرب، وشمل في مراحله الأولى السلع المختلفة من مواد غذائية مدعومة (في ليبيا والجزائر) ومحروقات (جزائرية) وأدوية، وملابس وسيارات ... وخاصة السڴائر التي ساهم تهريبها إلى حد كبير في ظهور شبكات المخدرات. وقد ازدهر في أسواق شمال أفريقيا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بسيطرة قلّة من اللاعبين الكبار. وزوّدت تلك المستوردة منها عبر موريتانيا جزءاً كبيراً من الأسواق الجزائرية والمغربية، في حين تم توجيه تلك المستوردة عبر كوتونو في بنين ولومي في توغو، عبر النيجر وبوركينا فاسو، إلى ليبيا والجزائر. وأطراف هذه التجارة الفاعلون هم موزّعوها القانونيون، الذين يستوردونها من مناطق التجارة الحرّة مثل دبي، بدل الدول المصنعة لها مباشرة .
إن دوافع تهريب السلع وتجارتها فروق الأسعار بين الدول وتجنّب الرسوم والضرائب، وجرت بتواطؤ من فاعلين في المؤسسات الجمركية، قبل أن تنتشر في مختلف الإدارات المعنية، وتتغلغل في أجهزة الأمن والرقابة وفي قوات الجيش، وتصعد إلى الصفوف العليا في المؤسسات الحاكمة لبعض هذه الدول.
و ما أن حلت الألفية الجديدة حتى حلت المخدرات محل البضائع القانونية، وتدفقت بسرعة من مصدريْن رئيسييْن: جنوب أمريكا عبر موانئ دول غرب إفريقيا: الكوكايين، وصمغ الحشيش من المغرب عبر موريتانيا أساسا، وأصبحت مالي أكثر الدول المتلقية لهذه السموم، وفي منطقتها الحدودية مع الجنوب الشرقي الموريتاني أقيم أشهر مركز لهذه الأنشطة هو أمگدي.
ومع قيام تمرد ضباط طوارق في الجيش المالي في كيدال سنة 2006 ضد الحكومة المتهمة بعدم الوفاء بالتزاماتها المتكررة، ظهرت على السطح الصراعات بين شبكات تهريب المخدرات، وبينهم والمجموعات المهيمنة على المنطقة التي تسعى لفرض إتاوات على المهربين، الذين تفاحش غناهم ومعه بطرهم. وهكذا أصبح الإقليم وما جاوره بؤرة بؤرة لتجارة المخدرات وتوزيعها الذي يغطي المشرق حتى السودان ومصر والسعودية ودول الخليج، وأنحاء من أوروبا.
وقد دخلت حكومة بماكو على الخط بعد تمرد 2006 "فحرضت قادة بعض الجماعات ضد جماعات أخرى، واعتمدت على قبائل محددة للإبقاء على منطقة الشمال تحت السيطرة. ولمواجهة قبيلتي إيفوقاس وإيدنان اللتين ينتمي إليهما المتمردون تحالفت القيادة المحيطة بالرئيس أمادو توماني توري، مع المتمردين المنافسين، وخاصة منهم القيادات المنتمية إلى قبائل البرابيش والامهار العربيتين، وكذلك إلى قبائل إيمغاد الطارقية.
في بعض الأحيان كان المسؤولون في الدولة يتدخلون بشكل مباشر، كما فعل المقدم لمانه ولد ابوه (ولد محمد يحيى) - وهو ضابط في جيش مالي له علاقات وثيقة مع رئيس جهاز أمن الدولة - خلال اشتباك وقع في أغشت 2007 بسبب شحنة كوكايين، حيث رتّب عملية إعادتها مقابل مبلغ مالي كبير، كما شجعت الحكومة شخصيات عربية بارزة من مناطق تنبكتو وگاوو على تشكيل مليشيات لحماية مصالحها التجارية، وذلك ضمن تعبئة الزعماء العرب لمحاربة المتمرّدين؛ وترأس هذه القوات مؤقتا ضباط من الجيش المالي، هو العقيد محمد ولد ميدو.
ويمكن ملاحظة العلاقة بين الوجهاء المحليين والدولة ورجال الأعمال، وتجارة المخدرات في شحنة الكوكايين الضخمة المفترضة، التي تم نقلها في نومبر 2009 إلى شمال مالي على متن إحدى الطائرات، التي هبطت في منطقة تاركنت، شمال گاوو. ويعتقد أن وجهاء الأمهار على الأرجح – كما يقول صحفي جزائري على صلة بدوائر الأمن - هم الذين تعاملوا معها، وعلى رأسهم عمدة البلدة.
وقد وصلت التوتّرات إلى ذروتها في يناير 2010، عندما استولت مجموعة مسلحة مكونة من أفراد من قبيلتي إيفوقاس وكنته على شحنة كوكايين كبيرة كان ينقلها مهربون متحالفون مع الحكومة من قبيلتي إيمغاد والأمهار، الذين ردوا بخطف زعيم كنتي في منطقة گاوو.
كان لمثل هذه الصراعات المرتبطة بالتهريب بُعد سياسي أوسع أيضاً. فشقّة الخلاف التي كشفها الحادث الأخير ترتبط بالانقسام بين حلفاء القيادة في مالي وأعدائها. وعلاوة على ذلك، كانت قبيلتا الأمهار وإيمغاد تابعتين تاريخياً لقبيلتي كنته وإيفوقاس، على التوالي. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تندلع فيها صراعات تنطوي على تنافس بشأن علاقة التبعية. فقد اندلعت اشتباكات خلال التسعينات، حتى بعد انتهاء تمرّد الطوارق.
وقد وقعت عملية مشابهة في منطقة تنبكتو، ونجحت الشخصيات المرتبطة بتهريب المخدرات في الضغط على قيادة مالي لإنشاء منطقة إدارية منفصلة (تاودني) وعدة مناطق جديدة في سياق عملية إصلاح إداري تم اعتمادها قبل اندلاع التمرّد الأخير مباشرة. وبالإضافة إلى ذلك، تم في كثير من الأحيان استثمار الأرباح المتحققّة من التهريب في الماشية والبنية الأساسية المرتبطة بها، مثل الآبار، ما أفضى إلى تأجيج التوتّرات بين المجتمعات على الموارد" .
وكان المراقبون الخارجيون وخاصة المسؤولين في الدول المانحة يغضون الطرف عن علاقات المسؤولين في الدولة والقادة السياسيين بالشبكات الإجرامية حتى لا يضعوا النظام في ورطة، وهم يعولون عليه في مواجهة الحركات المسلحة، التي يوليها صنّاع القرار في الغرب كل اهتمام بوصفها منظمات إرهابية. يتواصل

هناك تعليق واحد: