الاثنين، 14 يونيو، 2010

نحن والتاريخ الهجري 2



تواجه موريتانيا اليوم تحديا حقيقيا باستلاب هويتها وطمس وجهها العربي المسلم، واقتلاع ثوابتها الحضارية من لغة وتاريخ وثقافة وفن، بفعل الهجمة المتواصلة لقوى الهيمنة الاستعمارية بفرض ثقافتها وحضارتها، دون مقاومة ولا حتى شعور بالخطر، بينما نندفع كلنا ـ إلا ما رحم ربك ـ نحو هاوية المسخ.
ومن الثوابت التي في طريقها إلى الاقتلاع من التدوين وحتى من الذاكرة تاريخنا الهجري الإسلامي، الذي ظل مرجع الشعب والقيادات التقليدية من قضاة وأمراء في تعاملهم اليومي ومرجعيتهم، واستمر ذلك أيام الاحتلال ـ مع إضافة التاريخ المسيحي المفروض. أما اليوم ونحن نعيش الذكرى الخمسين لنيل الاستقلال، فلم تعد لنا صلة بهذا التاريخ إلا ببدء سنته، أو بمناسبة صوم رمضان والحج وعيدي الفطر والأضحى، وهي حالة ترسخت في المدن ، وتنتقل كالنار في الهشيم إلى البقية الباقية من السكان في الريف.
وقد بلغ الأمر حد أن الكتب المنشورة ـ حتى من قبل من هم معروفون بتوجهاتهم الدينية ـ لا تحمل سوى التاريخ المسيحي، مثلها عناوين الندوات، كتلك التي أشرف عليها الشيخ يوسف القرضاوي أخيرا في قصر المؤتمرات، وهو ما لم يسترع أي انتباه.
أما في المكتبات التجارية فلا توجد رزنامة (تقويم) واحدة تحمل تاريخنا الهجري، كما لا تجده في الرزنامات المطبوعة بأناقة وباللغة الأجنبية دون حرف واحد باللغة العربية، التي توزعها الوزارات والبنوك والشركات الوطنية بمناسبة رأس السنة المسيحية، وكأنها صنعت من أجل الدعاية للتاريخ المسيحي، ولفرنسا والدول الغربية، حيث تزخر بمعلومات وافرة عنها كالجغرافية الطبيعية والأنهار والمدن، وشبكات الطرق والقطارات، وشركات التأمين والبنوك، بينما لا تحمل إلا النزر القليل عن الجهات التي طبعتها، ولا عن موريتانيا والعالم العربي وإفريقيا.
أما الدوائر الرسمية بما فيها القضاء وكذا القطاعات الخاصة فهي بعيدة عن التاريخ الهجري بعد السماء عن الأرض.
إننا لا ننكر ضرورة استعمال التاريخ المسيحي اليوم، لأنه أصبح ضرورة وجزءا من ثقافتنا، لكن علينا أن نضع معه التاريخ الهجري كما تفعل الدول العربية والإسلامية في الدواوين العامة والخاصة والمراسلات والكتب والمطبوعات، في حين ما يزال الهجري وحده المعتمد في بعض الدول كالسعودية. وقد سهّل عملية الازدواجية في التاريخ انتشار البرامج المعلوماتية التي لا تخلو أبدا من التاريخ الهجري.
إن وضعنا اليوم يتطلب وقفة جادة من الحكومة، المسؤولة عن مصير هذه البلاد، فعليها أن تنهي هذا الوضع الشاذ في معاملاتها الرسمية بإعادة إدخال التاريخ الهجري، وأن تقود الوزارات ـ وخاصة العدل والخارجية والداخلية والتعليم والثقافة والشؤون الإسلامية والإعلام والتلفزيون والإذاعة والجامعات والمعاهد ـ حملة توعية لموظفيها بهذا الشأن؛ وعلى الأحزاب والهيئات الوطنية والفاعلين الآخرين والنخب كافة، أن تتحمل مسؤوليتها، لتعود الأمور إلى نصابها.
والأمل معقود بصورة خاصة ـ للإسهام في عملية التوعية باستعمال التاريخ الهجري ـ على صحافتنا الوطنية العامة والخاصة، ضمن الرسالة التي تتحملها بكثير من الجد والمسؤولية، في توجيه الشعب والدفاع عن ثوابته الوطنية والدينية والحضارية. يتواصل


هناك تعليق واحد: