الخميس، 27 مايو، 2010

حلقة نقاشية عن كتاب الوزير


نظم المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية يوم الجمعة 28 جمادى الأولى 1431 الموافق 7 ميه 2010 حلقة نقاشية حول كتاب الوزير تجربة وزير مدني في حكم عسكري، لمحمد محمود ودادي.
وقد ترأس الحلقة د. ديدي بن السالك، يعاضده كل من الأستاذ سيد أحمد بن الدي وزير سابق وسفير سابق، د. محمد محمود بن محمد المختار، والأستاذ عبد الله بن محمدُّو، الذين قدموا عروضا عن الكتاب، تناولت القضايا التي طرحها، محللين المرحلة التي صدر عنها الكتاب.
وقد كانت فرصة للفيف من الأساتذة الجامعيين والسياسيين والصحفيين، والدبلوماسيين والكوادر من رجال ونساء، بإبداء رأيهم في الكتاب، وفي  الأنظمة المتعاقبة التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال.
ونذكر من المتحدثين على التوالي: الأساتذة آنفي الذكر الذين أداروا الجلسة، وكلا من: د. محمد بن بوعليبة، صدّافة بن الشيخ الحسن قيادي في حزب التكتل، حمّه بن آدبه أستاذ، محمد فال بن عُمير مدير صحيفة "لاتريبين" محمد عبد الله بن بليل كاتب صحفي، جميل بن منصور رئيس حزب تواصل، محمذن بابا بن أشفغه مدير مكتب الجزيرة، سيدي بن الأمجاد كاتب صحفي، أ.محمدن بن إشدو محام، د. عبد السلام بن حرمة قائد سياسي، أحمد بن أحمد عبد وزير سابق، الإمام بن محمدّو قيادي في التكتل، أ.محمد بن سيد أحمد رئيس منتدى بن خلدون، الددّه بن سيدي عالي رجل أعمال، إسلمو بن محمد وزير سابق، أ.محمد عالي بن البشير أستاذ، أحمد بن سيدي بابا وزير سابق.
وكان من بين الحاضرين أيضا العديد من الشخصيات الثقافية والسياسية والإعلامية منهم: دحان بن أحمد محمود وزير سابق ومرشح سابق للرئاسة، صالح بن حننه مرشح سابق للرئاسة ورئيس حزب حاتم، محمد بن شيخنا مرشح سابق للرئاسة، أعمر بن رابح رئيس حزب الديمقراطية المباشرة، أ. محمذن بن باباه نائب رئيس التكتل وزير سابق، الشيخ سيد أحمد بن بابا أمين وزير سابق وسفير سابق، د.المحجوب بن بيه وزير سابق وسفير سابق، خدي بنت شيخنا وزيرة سابقة، محمد فال بن الشيخ وزير سابق، محمد سعيد بن همدي سفير سابق، محمد محمود بن المجتبى سفير سابق، أحمد بابا بن أحمد مسكه سفير سابق، سيدي بونا بن سيدي سفير سابق، منينه بنت عبد الله سفيرة سابقة، ، بله بن الشيباني قنصل عام سابق، أحمدو بن بوعليبه رجل أعمال، د. مصطفى سيدات ممثل منظمة الصحة العالمية السابق في مالي ولتوغو، أحمد بن الوافي محام، حماه الله بن الرﮔـاد محام، إبراهيم بن أبتي محام، محمد سالم بن الصوفي مراسل الجزيرة، باباه بن عبده رجل
أعمال.
ونقدم لكم نص مداخلتي أستاذين ممن أداروا الجلسة وهما سيد أحمد بن الدّي وعبد الله بن محمدو. 

***

مداخلة سيد أحمد بن الدي كاتب وزير إعلام سابق، سفير سابق


بحث عن وزير في حكم عسكري

قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. صدق الله العظيم
تقديم كتاب: (الوزير، تجربة وزير مدني في حكم عسكري)
للأستاذ: محمد محمود ولد ودادي
مداخلة قدمت يوم  (7 مايو 2010 خلال حلقة نقاشية نظمها المركز المغاربي للدراسات الإستراتجية حول الكتاب.
طبع هذا الكتاب سنة 2008 من قبل الدار العربية للموسوعات ببيروت ويقع في 304 صفحات من الحجم المتوسط منها 202 من الصفحات هي صلب الكتاب و102 عبارة عن ملحقات وفهارس، ويتضمن:
-    تصديرا للدكتور السيد ولد ابّاه
-    تمهيدا للمؤلف هو بمثابة مقدمة موجزة
-    15 فصلا
-    9 ملاحق
-    فهرسا للأعلام البشرية
-    فهرسا للأعلام الجغرافية ثم مجموعة من الصور
وقد تناولت الفصول الخمسة عشر بالعرض المستفيض ما وصفه المؤلف بتجربته وزيرا للثقافة والإعلام والمواصلات، خلال سنة ونصف من ممارسة العمل في هذا القطاع.
وبالرغم من أن هذه الفصول ظهرت بعد إحدى وعشرين سنة من مغادرة المنصب الحكومي فإنها اقتصرت على الحديث عن هذه الفترة ولم تتطرق إلى ما بعدها، حتى ليخيل إلى القارئ أنها حررت يومئذ وبقيت مخزونة حتى تاريخ خروجها، ربما مصانعة أو تقية.
يبدأ الفصل الأول بدخول المؤلف في الحكومة دون إشعار مسبق، وكان في عطلة دبلوماسية داخل البلاد، حيث يصف المؤلف كيف علم بالأمر وكيف دخل على الرئيس، وما هي انطباعاته عن الجو الذي ساد اللقاء الأول، دون أن ينسى الحديث عن المكتب وأثاثه. كل هذا بطريقة سردية لاتخلو من تشويق.
ثم تناول المؤلف في الفصل الثاني مجلس الوزراء، كيف كان ينعقد وكيف كانت تتم مناقشة الأمور فيه، وكيف كان الوزراء يتصرفون، وكيف كانوا درجات في المراسم وفي الأهمية باعتبار انتمائهم للجيش أو للسلك المدني.
وفي الفصل الثالث يتحدث المؤلف عن الوزير، والهالة التقديرية التي تحيطه الناس بها، مع كونه لا يكاد يملك من الأمر شيئا، ويذكر عن نفسه أنه كان أكثر نفوذا وحرية في التصرف يوم كان مديرا عاما للإذاعة، منه بعد أن أصبح وزيرا للإعلام، محللا شخصية الوزير في أبعادها السياسية والإدارية وملامحها النفسية.
ويأتي الفصل الرابع المتعلق بظروف العمل والنشاط اليومي تكملة للفصل السابق.

ويستعرض المؤلف في الفصل الخامس حالة قطاع الثقافة والإعلام والمواصلات، شخّص فيه سوء أوضاعها ودركات انحطاطها، مما يؤسس للجهود الإصلاحية التي حاول القيام بها أثناء فترة التوزير.
ثم ركّز في الفصل السادس على الإعلام باعتباره واجهة الدولة ووسيلتها التواصلية بالآخرين، سواء في الداخل أو في الخارج، مما يتطلب جهودا مضنية وأفكارا خلاّقة بغية تلميع صورة البلاد، خاصة في المشرق العربي الذي لم يكن على تواصل كاف مع بلادنا.
ويواصل في الفصل السابع بعنوان "نحن والإصلاح" تحليلاته لأهمية التعامل مع مجتمع حديث العهد بالبداوة وما يستدعيه التحديث من جهود مع ضرورة المحافظة على الأصالة والقيم السامية.
ونعود مع المؤلف في الفصل الثامن إلى شؤون الوزارة وشجون الوزير في معاناته مع الديوان الرئاسي وكيف كانت تسير الأمور في هذا المرفق الحساس، مركزا على منهجية العمل أو على الأصح لامنهجيته، وكيف كان مدير الديوان يتصرف مع الرئيس من جهة ومع الوزراء من جهة أخرى.
وخلال الفصول الموالية (9 و 10 و 11) يحلل المؤلف سمات مجتمع نواكشوط وكيف بدأ نقيا بسيطا نظيفا في عقد الستينيات وما طرأ عليه من ظواهر سلبية خلال إحدى عشرة سنة (74 – 85) كان المؤلف خلالها سفيرا في ليبيا ثم في سوريا، مخصصا أحد هذه الفصول لمدرسة التملق التي كانت تُخرّجُ فئات المنافقين وجماعات الضغط، معرجا على القبلية والرأي العام المصبوغ بسيئات الفترة وبدع المدينة.
أما الفصل الثاني عشر فموضوعه يشبه تقارير عن مهمات قام بها المؤلف في الخارج كانت خاتمتها زيارة رسمية للملكة العربية السعودية أثارت بعض التعليقات لدى مستويات مختلفة من دوائر السلطة والرأي العام، وقد جرت بأيام قليلة قبل مغادرة الوزير للحكومة، وكانت هذه المغادرة موضوع الفصل الثالث عشر، حيث يسرد المؤلف قصة إشعار الرئيس إياه بخروجه من الحكومة وتعيينه مستشارا في الرئاسة، وكيف كانت هذه الوظيفة الجديدة عبارة عن بطالة مقنعة إذ لم يستشر إلا مرة واحدة، وعندما قدم تقريرا عن رأيه وجد أن القرار قد اتخذ عكسا لما كان قد اقترحه.
أما مشكلة الحكم والبدائل المتاحة فقد كانت موضوع الفصل الرابع عشر، حيث يحلل سياسيا وتاريخيا نظام الحكم منذ الاستقلال ثم خلال تسع سنوات من حكم الجيش، مبرزا غياب الثقافة المؤسسية والنزوع الجامح إلى الاستبداد.
وفي الأخير يخصص المؤلف الفصل الخامس عشر للعقيد معاوية ولد الطايع، حيث يتناول حياته ويحلل شخصيته بملامحها العقلية والنفسية، ويستعرض علاقته به منذ بداية الستينيات، وطريقته في الحكم بعد أن أصبح رئيسا للدولة، وتأتي هذه التحليلات مبطنة بالنقد رغم أن الرئيس ـ حسب تعبير المؤلف ـ ما زال يومئذ في شهر عسله مع الموريتانيين، وهو شهر استمر ثلاث سنوات تندرج فيها الفترة المتحدث عنها.
أما الملاحق الثمانية فهي من نتائج العمل الوزاري، تشمل دراسات وتقارير وتعليمات من صميم العمل الجاري، فهي إذن واجهة لحصيلة هذه الفترة.
كما تضمنت قوائم بالرؤساء والوزراء الأوائل منذ الاستقلال حتى 1990 وكذلك الوزراء في العهد المدني (1958 – 1978) وعددهم 79 ووزراء الحقبة العسكرية حتى 1990 وعددهم 82 خلال 12 سنة، وذلك قبل أن ينتهي الكتاب بفهرس للأعلام البشرية ومجموعة من الصور التذكارية مع بعض مشاهير العصر.
هذا تقديم موجز جدا لمحتوى الكتاب، وهو لا يغني في شيء عن قراءته. وسأحاول بعد القراءة السريعة التي قمت بها ـ نظرا لأنني لم أطلع على الكتاب إلا منذ أيام معدودة ـ أن أقدم بعض الملاحظات الأولية:

الملاحظة الأولي:
قد يتساءل القارئ عن تصنيف هذا الكتاب، وأين يضعه في التصنيفات المعروفة. أفي خانة السيرة الذاتية، أم في ميدان التاريخ، أم في حقل التقارير الصحفية، أم هو عمل قصصي تتخلله تحليلات اجتماعية وسياسية اقتضتها ضرورة الفن؟
أعتقد أنه ليس متمحضا لشيء من هذا، بل هو مزيح من كل ذلك، فهو قصة وزير مدني في حكم عسكري، بما في المقابلة أو على الأصح المفارقة من إيحاءات. فصفة المدنية تقتضي الانفتاح والتحضر والمثالية والطموح إلى التحديث، مع الحفاظ على الأصالة، بينما يوحي مدلول العسكرية بالأوامر السلطوية الجافة، والإيقاع الرتيب، وقِصر النظر والخشونة والقلق والتوجس من كل ما هو جديد، والانفراد بالسلطة والاستبداد بسياسة كل القطاعات، خاصة في مجال الإعلام الذي تضاهي أهمية المسؤولين فيه قيادات الجيش الوطني، حسب ما يرويه المؤلف عن الرئيس.
ولعل هذا التعارض في التعامل والممارسة بين طرفي هذه الثنائية هو ما أعطى الكتاب شحنة من التشويق، عضدها النفس السردي والروح الساخرة وأكسباها نكهة لذيذة.
الملاحظة الثانية.
يبرز في هذا الكتاب ثلاثة أشخاص هم أبطال القصة، إن جاز لنا أن نصفها كهذا وهم:
1.    المؤلف وهو الشخص المحوري في جميع مفاصل الكتاب، سواء في عرض التجربة التي خاضها أثناء سنة ونصف من العمل الحكومي، أو في استطرادات تتعلق بذكريات سابقة على هذه الفترة، أو بتجارب أخرى عندما كان في الإذاعة والبرلمان والسلك الدبلوماسي. ولا تخلوا هذه المحورية من مبررات معقولة، إذ أن موضوع الكتاب هو الوزير أي المؤلف
2.    الرئيس معاوية ولد الطايع:
وهو يستمد دوره بل أهميته من أنه رئيس النظام العسكري، والشريك الأعلى في ثنائية التعامل مع الوزير، وكانت خيوط صورته مبعثرة في ثنايا فصول الكتاب، وقد اجتهد المؤلف في تجميع أجزاء هذه الصورة بجميع أبعادها وفي تعامل صاحبها مع الوزراء وغيرهم من الناس.
وقد لخص السيد ولد ابّاه هذه الملامح التي استجمعها من محتويات الكتاب بقوله في المقدمة لقد أصبح الضابط رئيسا مخوفا استمرأ تدريجيا لعبة الزعامة وأوهام السلطة، واتخذ على عادة الحكام البطانة والحاشية، وتعود لغة التقديس والتمجيد، واحتفظ في يده بكل خيوط القرار وتفصيلات الحياة السياسية والإدارية (ص8) ويكمّل المؤلف ـ في معرض الحديث عن اختلال النظام في الديوان الرئاسي ـ قائلا: "فمن البيّن أن التنظيم القائم لا يمكّن رئيس الدولة من الاستغلال الأمثل لوقته ومعالجة المشاكل اليومية، إن كان يرغب في ذلك، كما لا يعطيه حتى قسطا من الراحة البدنية والذهنية الضرورية، رغم كسله، حيث لا يأتي لمكتبه في وقت محدد، بسبب السهر الذي يدمن عليه ويصبح جزءا من حياته، وهو في ذلك يشبه بعض قادة العالم الثالث الذين لا ينامون إلا عند انبلاج الصباح، خوفا من الانقلابات العسكرية"  (ص95) كما يلخص طريقة التعامل مع الرئيس بقوله: "وأكثر ما يقلق المراقب الطبيعة العسكرية لأوامر الرئيس التي لا مجال لنقاشها، كما يقول زملاؤه الذين يذكّرون بنزوعه المبكر للاستفراد بالسلطة (ص 200).
هذا ولا يكاد القارئ يعثر على أية جوانب إيجابية لدى هذا الرئيس الذي هو كغيره لا يخلو من النصف المملوء للكأس.
3.    رئيس الديوان: ويظهر في الكتاب بعباءة الحاجب الأعظم الذي يحجب الناس والمعلومات والتقارير عن الرئيس ويغربل كل ما يقدم إليه حتى لا يُظهره على ما لا يروقه.
فالرئيس دائما يرى أن كل شيء يسير على أحسن ما يرام، بفضل مدير الديوان، إضافة إلى خصلة التكتم التي كان يتحلى بها، مما أثار إعجاب الرئيس به وأكسبه ثقته الكاملة. وكان مدير الديوان يتظاهر في البداية بالتواضع، والبساطة والحياد في تقديم الآراء، لكنه بعد أن تمكن بسط نفوذه على الوزراء، حتى إنه أصبح يصدر الأوامر مباشرة إلى معاونيهم دون علم منهم. ولعل هذه الظاهرة تجسدت في الإعلام أكثر من القطاعات الأخرى. وللمؤلف مآخذ كثيرة على سير العمل في الديوان من حيث سوء النظام، والارتجال والإهمال والأخطاء البروتوكولية الفاحشة إلى غير ذلك.
وباستثناء الرئيس الراحل المرحوم المختار ولد داداه الذين كان غالبا ما يذكره المؤلف على سبيل المقارنة وتبيين الأشياء بضدها، فإن الأشخاص الآخرين المذكورين جاؤوا بصفة عرضية على طريقة الكومبارس في الأفلام السينمائية.
الملاحظة الثالثة:
لا شك أن المعلومات الواردة في الكتاب صحيحة وذات مصداقية إلا أن فيها تعميما لبعض الأحكام أحيانا.
مثال ذلك قول المؤلف في ص 38 "والأغلبية الساحقة من الوزراء من عهد الاستقلال إلى اليوم عُينوا دون معرفتهم ودون أن يخطر الأمر على بال بعضهم".
فأرى أنه لا بد من الاستدراك واستثناء الحكم المدني الأول فلم يكن الرئيس المختار رحمه الله يعين وزراءه عشوائيا، ولم يتول أحدهم منصبا وزاريا دون أن يُستشار ويقبل، ولم يغادر الحكومة دون أن يستدعيه الرئيس، ويشكره على جهوده طبقا لشريعة المجاملات والأخلاق النبيلة
الملاحظة الرابعة: حول لغة المؤلف وأسلوبه
لعل من مميزات هذا الكتاب، إضافة إلى محتواه الشيق، لغته السليمة الأنيقة الدقيقة في تعبيرها، الخالية من التصنع والتقعر.
أما الأسلوب وإن أراده المؤلف أدبيا، فقد غلبت عليه الصبغة الصحفية، إلا أن لغته تفوق مستوى الصحافة، بتجنبها المزالق التركيبية والأخطاء الشائعة، مع القدرة الفائقة على تطويع الكلمة لأداء المعني المقصود.
هذا وتقل المآخذ على سلامة اللغة، فهي قليلة جدا، مقارنة بحجم الكتاب، وهي أقل في الاستعمالات غير الموفقة لكلمة أو عبارة ما وأكثر ما يوجد من أخطاء لغوية، يعود إلى الطباعة وعدم الاستقصاء في التصحيح.
وبعد، فإن هذا الكتاب يمثل شهادة قيمة من داخل النظام، ومقاربة جادة لتشخيص الحكم في نظرة فاحصة شاملة، قد تمتزج بشيء من الذاتية وعدم الرضى عن الوضع، بل وخيبة الأمل أحيانا، ولكن ذلك لا يقلل من أهميتها وطرافتها وندرة موضوعها.
وإذا ما كانت هذه الندوة مخصصة للتعريف بهذا المؤلّف القيم، لأن المؤلِّف لا يحتاج إلى التعريف، فإن الحديث عن الفترة الزمنية القصيرة التي كانت إطارا لهذه التجربة قد يفضي إلى محاكمة فترة بكاملها. وعليه فإنني أرى أنه من السابق لأوانه استصدار أحكام نهائية في الموضوع، نظرا إلى قرب هذه الفترة منا، ونظرا إلى أن الحديث الذي تم في الكتاب عن سنة ونصف فقط، إنما جاء مقدمة لثماني عشرة سنة مشابهة تلتها، وخمس سنوات عقبت ذلك، هي في الحقيقة استمرار لذلك النهج، لأن مَن تعاقبوا على السلطة ممن كانوا يحكمون فعلا هم بطانة الرئيس معاوية وتلامذته. فقواعد المسرح ثابتة وإن اختلف الممثلون.
ولنقل للتاريخ وللحقيقة والإنصاف إنه رغم المآخذ الكثير على حكم الرئيس معاوية، فإنه لم يخل من إيجابيات، فليس مجرد كومة من المساوئ كما يريد البعض أن يصمه، سيرا على طريقة "كلما دخلت أمة لعنت أختها".
فمن خصاله الشخصية وطنيته الصادقة وغيرته على سيادة البلد، وإيمانه المبالغ فيه بذكاء بالموريتانيين وقدراتهم وزهده في جمع المال، وتعلقه بثوابت الهوية الموريتانية الأصيلة.
وفي حصيلة منجزاته يسجَّل له إعطاء جرعة من الديمقراطية وإن كانت غير كافية، ومنح هامش معتبر لحرية الصحافة (غير الحكومية) وإن كانت هذه الحرية تتعرض أحيانا لبعض الهزات، ولم يسجن في عهده صفحي ولا حوكم حسب علمنا.
كما تم إنجاز بنى أساسية لا بأس بها، وقد كان بإمكانها أن تكون أكثر وأوسع نطاقا لو كان الرئيس أكثر صرامة في محاربة الفساد وفي ترشيد تسيير الأموال التي تدفقت في عهده على البلاد.
ثم إن نياته كانت سليمة وطموحه مشروعا فيما يتعلق بمحو الأمية وإشاعة الكتاب، وإن لم يصل فيهما إلى نتائج تذكر.
وهو ككل رئيس له جوانب إيجابية وأخرى سلبية، تجذرت السلبية منها بفعل جو التملق والنفاق السائد لدى كثير من الموريتانين، الذين يخلقون أصنامهم بأيديهم، فيعبدونها ثم يدمرونها بعد أن تدور عليها الدوائر، ثم يأخذون في بناء هياكل جديدة ليملئوها مُكاءً وتصدية.
وفي الختام أهنئ المكتبة الموريتانية على ازديانها بهذا الأثر القيم، الذي يطرح سياقُه سؤالا كبيرا لا يستطيع الإجابة عليه إلا التاريخ، ألا وهو: هل يمكن التعايش بين المدني والعسكري في نظام حكم منسجم؟ وبالتوسع في الفكرة هل يستطيع نظام بعقلية عسكرية أن يعيش في مجتمع مدني؟ وبصفة معكوسة للسؤال هل يستطيع مجتمع مدني أن يتحرر وينمو في ظل حكم بعقلية وممارسات عسكرية؟

***

قراءة في: الوزير لعبد الله بن محمدو صحقي مدير إذاعة سابق
لقد قرأت كتاب الوزير مرتين، المرة الأولى حين تكرم المؤلف الأستاذ محمد محمود ولد ودادي بإهدائه إلي ... ويبدو أنني في هذه القراءة ، لم أتمكن من سبر كل أغوار الكتاب وأصارحكم بأني لم أعجب - للوهلة الأولي- بالعنوان وتصميم الغلاف وبعض التفاصيل وبما اعتبرته حضورا زائدا للمؤلف في النص ... لكني بسرعة، تذكرت أن الكتاب هو في واقع الحال، مذكرات وشهادة على حقبة من حياة الكاتب وتاريخ بلاده.
هكذا بدأت اكتشف وأستعذب الأسلوب والمضمون وطريقة رصد الأحداث والوقائع واللقطات التي سجلها الكاتب بفطنة ودقة ورشاقة مثل الفنان الذي يرسم بريشته، لوحة مخضبة بألوان كثيرة لكنها متناغمة ومعبرة ـ في تنوعها ومفرداتها والأخيلة المحيلة إليها ـ عن عمل متكامل تربط بين أجزائه خيوط رفيعة ، تقوي تماسك بنيانه وتعمق معانيه .
واستعذبت أيضا في القراءة الأولي ، تحين الرجل كل سانحة ، لإتحاف القارئ بوارد وشارد المعاني وتليد وطريف المعارف والمآثر، في المتن وفي الحواشي.. فهو فيما يبدو شديد الحرص، على أن يسخو للأجيال بفيض ثقافته بل وحتى بكل صبابة أو شذرة تفيد، إن لم يفرضها السياق، اقتضاها كمال العمل والجود في العطاء.
الكتاب ظهر لي من خلال القراءة الأولى وكأنه على نحو ما، مجازفة فهو ـ رغم دماثة وحياء ـ يقدم بشجاعة، وقائع حساسة ويتحدث عن أسرة الكاتب وزوجه على نحو غير معتاد في مجتمعنا التقليدي وعن أشخاص ما يزالون أحياء يرزقون ويصف مواقف وأفكارا وتيارات، بلغة لا تخلو أحيانا من مشاكسة ولهجة مستنبطنة عدم الرضا بل والنقد الصريح أحيانا أخرى.
الكتاب ليس كتاب وزير فحسب بل هو أيضا كتاب إداري وسفير ورجل وإنسان عصامي بصير بما يكتب، شديد اليقظة والإحساس بما يحيط به.. هو أيضا كتاب صحافي سابق لزمانه .. وبشأن هذه الحيثية الأخيرة التي أشطار الكاتب بعضا من همومها وشجونها وإن كنت إزاءه فيها، ابن لبون (لا ضرع يحلب ولا ظهر يركب) فإني تفاجأت بتقدم وحادثة مفاهيمه ومقارباته فهو يقدم أفكارا ومعالجات حديثة ومتطورة في مجالات الإعلام والاتصال والحرية.
القراءة الثانية، هي هذه التي دعاني إليها المركز المغاربي للدارسات الإستراتيجية ممثلا في رئيسه د/ ديدي ولد السالك وبتوصية لطيفة ومقدرة من المؤلف. وقد مكنتني من استكناه بعد جوهري في هذا الكتاب، هو عبارة عن توصيف تاريخي لكيفية تشكل أو تكون الفساد الذي سيصبح صناعة أو تكنولوجيا أسستها إدارة، لا تجيد سوى الطاعة العمياء للحاكم المتغلب ونهب غنائم الاقتصاد الريعي الذي أقامته.
أهمية هذا التوصيف أن المؤلف وهو رجل مخضرم تحمل المسؤولية أيام كان في الإدارة بعض الخير والحياء وتحملها حين بدأ الفساد يتسلل إلى العقول وتحملها بعد أن حاك في النفوس واستحكم في الممارسات والمسلكيات .. فهو بذلك شاهد عيان شديد الأهمية خاصة أن كل تلك المراحل ـ ولا أزكي على          الله أحدا ـ لم تنل منه ولم يقبل أثناءها، التورط والتردي في وحل المغريات ولم يلجأ للتذلل والتسفل وتسقط فتات موائد الحكام رغم أنه كان محسوبا على "المؤسسة أو النظام " ومنسوبا للفئة البرزواجية وسنكتشف أنه لا يجد غضاضة في التصريح بأنه لجأ إلى بيع أثاث بيته لسد خلة أسرته وقضاء بعض الأمور الملحة. أليست نظافة اليد لشخص مثله وفي ظروف كالتي عاشها، استثناء وميزة، تذكر فتشكر؟
    لقد قدم لنا هذا الكتاب لقطات وصورا معبرة، تغني كل واحدة منها عن كتاب وتختزل وضعا بكامله:
إحدى هذه الصور: وصف مكتب مدير الديوان الرئاسي الذي كان بمثابة الرجل الثاني في النظام من حيث النفوذ والأهمية كانت الملفات مكدسة على المكتب والأوراق متناثرة مع وجود بيوت العناكب في الزوايا وفوق الرؤوس، كما سبق وأن شاهدت قبل ذلك بأيام، في مكاتب والي النعمة ومقرات إدارته.
صورة ثانية: قصة توقفه للتزود بالوقود في ألاك ليلا وإعراضه عن تقديم رشوة لبائع البنزين وشعوره بالذنب واستهجانه لظاهرة "التبيب" التي هي ظاهرة جديدة عليه وهي كلمة دخيلة أيضا على اللهجة الحسانية وأصلها، كما أفادنا المؤلف، ولفي ومعناها المقايضة.. ونكتشف من القصة تردد الرجل واضطرابه ووجله وهو يكتشف ربما لأول مرة، أن الرشوة، أصبحت بكل بساطة معاملة من المعاملات تمارس في كل الأوقات وعلى كل المستويات وربما اقتضى الحال وضع فقه خاص بها أو قانون ينظمها..
ويمضي الكتاب فيضيء لنا الكثير من الجوانب المظلمة في حياة الدولة وانعدام الجدية وشدة الاستخفاف والاستهتار بكل شيء حتى بالتعيينات الوزارية واجتماعات مجلس الوزراء وسيطرة الروتين الإداري وهامشية دور الوزير وتركز السلطة على مستوى رئيس الجمهورية ويبين لنا أن إصدار قانون واحد مع نصوصه التطبيقية، قد يتطلب من الوزير ما بين 6 أشهر إلى سنة وهذه المدة هي متوسط التوزر في حكوماتنا المترحلة، أي أن أفضل الوزارء يستطيع بالكاد في عمره الوزاري ، إصدار قانون واحد.
مجلس الوزراء كما يستشف من وصفه في الكتاب، يشبه في اجتماعاته فصلا من فصول المدرسة الابتدائية يجلس أمامه معلم متسلط لا يهتم بالتفوق وإنما يحرص على الهدوء والنظام والطاعة. ويعقد المجلس اجتماعات شكلية فالقرارات المهمة لا تصدر عنه وهو لا يدرس أصلا القضايا الإستراتيجية والملفات المعمقة ويكتفي بتسيير اللحظة والتباري في إعلان الولاء والمساهمة في تضليل وتدجين المجتمع .
يقدم الكتاب تعريفا ظريفا للوزير قد يجعل القارئ يشفق عليه فهو شخص يتقلد وظيفة سامية مرغوبة لذاتها لكنها وظيفة تقيده وتختزله وترتب عليه واجبات ومسوؤليات كثيرة ، لا حول له فيها ولا قوة.
 يروي لنا الكتاب جوانب من الأساليب التي استخدمتها الأنظمة للتحكم في الناس وترسيخ الأحادية وبث الرعب والخوف من الشخص الوحيد الذي ينفع ويضر ، يرفه ويضع أ لا وهو الرئيس، فالوزارة لا تخضع لمعايير الكفاءة والاقتدار وحسن الأخلاق بل هي مثل الأرجوحة ترفع من لا يستحق وتهبط بمن تشاء ثم تدوس على الجميع بعد أن يكونوا قد تورطوا في الطاعة والفساد فيصير الجميع، سواسية كأسنان المشط، لا أحد يفضل أحدا . الفضل فقط لولي النعمة، مصدر العطاء المتصرف في ملكه ، السيد الرئيس.
ثم يعرفنا الكتاب عن الإدارة الموريتانية التي تقودها حكومة ذلك جزء من مواصفاتها.. مثل تلك الإدارة لا يصلح إلا كجهاز للوشاية وممارسة للحيف والسيطرة بالاستبداد، جهاز يتحكم فيه ويتنافس من خلاله، الشطار "آفكاريش" متقنو التزلف وإفساد عقليات المجتمع ونشر فاحشة النهب التي ستجعلنا     نترحم على السرقة والاختلاس حيث سيتبين لاحقا، أنهما ظاهرتان لطيفتان         بالمقارنة معه.
الوزير وغير الوزير الناهب والسارق والمرتشي وغير هؤلاء وأولئك .. الكل - إلا من رحم ربي- تنازل عن مسؤولياته وواجباته وطبل الإعلام الحكومي وزمر شعراء التكسب وخريجو مدارس التملق حتى وقع في عقول البسطاء أن الفساد والشطارة والاستقالة والفشل، جزء مقدور من تسيير الدولة وأمر مقبول أو مطلوب، فصار الكل إلى التنافس والتلاعب بالإدارة وبالنخب وبالعلم والعلماء وأسس الدولة ومؤهلاتها، وكانت النتيجة، إفساد الذمم وتزوير الحقائق.
هذا هو الانقلاب الحقيقي الكبير الذي وقع في الصميم وليس الانقلابات العسكرية التي عرفناها على كثرتها. ولقد أماط كتابنا هذا، اللثام عن كيفية وقوع ذلك الانقلاب وكيفية تأثير أهل الحل والعقد الجدد على المجتمع ونجاحهم في إعادة تشكيل عقوله وعاداته ومسلكياته وتمخض ذلك عن سيطرة القيم المادية وطرد القيم المعنوية وإقصاء المتمسكين بها.
أعتقد أنه يستحيل تقديم خلاصة واحدة لهذا الكتاب، فكل سطر منه يتحفك بمعلومة جديدة أو اكثر، ولذالك فإني فقط  أحيي شجاعة الكاتب في نشر الحقائق والوقائع كما أحيي وفاءه لثقافته ولغته العربية وللرجال الذين اخلص لهم واخلصوا له وتمثله القيم والمثل التي نص عليها في مؤلفه وابتعاده عن هتك أعراض الناس والتعريض والوشاية بهم والتنكر للماضي.
كما أني سعيد بأن أكتشف من خلال الكتاب، محمد محمود، الرجل الديمقراطي الذي يرفض الانقلابات والإصلاحي الذي يحارب الفساد والإداري الملم بمختلف جوانب الحياة في البلد والدبلوماسي الناجح اللبق، بعد أن كنت عرفته صحافيا واسع الإطلاع شغوفا بالثقافة والعلم.
نعم لا أخفي إعجابي بالكاتب وبهذا الكتاب وخاصة فصله التاسع الذي عنوانه: مجتمع انواكشوط وبيئته  ولكني بعد قراءته أشعر بأني أشفق على هذا البلد وأتحسر على أن الحكام والسياسيين ـ فيما يبدو ـ لا يقرءون ولا يعتبرون ولا يستخلصون الدروس من الماضي ومن أسلافهم "الميامين" وينسون بسرعة أسباب وجودهم ووجود من كان قبلهم.

ولا حول ولا قوة إلا بالله


                                                        



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق