السبت، 22 نوفمبر، 2014

ذكرى رحيل أحمدُ بن احميّد




عرض  بقلم/ محمد محمود ودادي

   أشكر المعهد الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية على دعوته للمشاركة في هذه الندوة، وأثمن عاليا جهوده للإسهام في تلبية حاجة الدارسين والمهتمين، بل الجمهور، في الوصول على مبتغاهم المعرفي في بلاد ما تزال في بداية طريقها إلى توسيع حقول المعرفة، كما أثمن مجهود مركز الجزيرة في اهتمامها المتواصل بالمؤلف الموريتاني.
  لقد قرأت هذا الكتاب المؤلف من 270 صفحة، وبابيْن وأربعة فصول وملحقات عديدة، وذلك بطريقة سريعة ومتقطعة، لكني خرجت بأنه إسهام في موضوعه، فهو عرض مكثف عن الصحراء الغربية وعلاقات كل من موريتانيا والمغرب بها وكذلك الجزائر، إضافة إلى تطرقه لأحداث موريتانيا الداخلية، وخاصة النشأة، ومدى ارتباط ذلك بالموضوع، موظفا هنا أهم وثيقة موريتانية مكتوبة حتى الآن عن نشأة الدولة والمصاعب التي اعترضتها، وخاصة علاقاتها بالجيران والإقليم، ثم عن القضية الصحراوية والحرب التي اندلعت حولها، أعني كتاب الرئيس الراحل المختار بن داداه: موريتانيا على درب التحديات.


   ويمكن تلخيص الرؤية الموريتانية في قضية الصحراء في أنها ذات أبعاد وطنية وإقليمية وحتى دولية، ولاهتمام موريتانيا بها وتشبثها بأن تكون طرفا في جميع الجهود والتحركات المحلية والإقليمية والدولية، لتقرير مصيرها، مقدماتٌ كثيرة، أن الطبقة السياسية الموريتانية كانت مقتنعة بأن الصحراء جزء من موريتانيا ومعها ـ إلى حد ما ـ  أزواد في مالي. وهو ما يجسده خطاب الرئيس المختار الشهير في أطار سنة 1957 الذي ذكره المؤلف دون فقرته الأكثر التصاقا بوجدان جل المواطنين: "..أن موريتانيا لا يمكن أن تنهض إلا بجناحيها: الصحراء الغربية وأزواد"؛ إضافة إلى أن تحقيق الوحدة مع الصحراء هو اكتمال للسيادة الوطنية وتعزيز الفضاء الشنقيطي البشري والثقافي، ومن ثم الاقتصادي والسياسي، مما سيحصن استقلال موريتانيا ويدعم مكانتها الإقليمية، سواء مع أقطار المغرب العربي، أو دول غرب إفريقيا؛ وكانت الفترة التي شهدت تقاربا بين نواكشوط والرباط والجزائر، منذ سنة 1969 مليئة بالآمال والتوقعات ببناء جسور من الثقة بين الأطراف الثلاثة، الخارجة من سنوات من القطيعة والتوتر، فالتقت وجهات نظر قادة هذه الأقطار في حينه، حول هدف محدد ومعلن، هو إخراج الاستعمار الإسباني من الصحراء الغربية، فشكلوا "مجموعة" ثلاثية في مؤتمر نواذيبو سنة 1970، نسقت للضغط على إسبانيا وحرمانها من سياسة فرق تسد التي كانت تلعب عليها لتماطل في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومهد هذا التفاهم الثلاثي ـ كما كان متوقعا ـ لتوقيع اتفاقية حدود بين الرباط والجزائر، وطي صفحة الخلاف المزمن بين موريتانيا والمغرب، لتثبّت الحدود نهائيا بين الأقطار المغربية الثلاثة، بعد أن ظلت سببا رئيسا في الخلاف بل الصراع أحيانا.
  
   وقد استطرد المؤلف محطات مهمة، منها أن  الموقف المبدئي لموريتانيا كان رفض التقسيم لأنها تعتبر الصحراء موريتانية، مثل الموقف المغربي منها تماما، لكن الرئيس المختار قبِل التقسيم، خضوعا لواقع ميزان القوة والضغوط الخارجية، ومنها العربية والإفريقية والأروبية.

  وكما قال المؤلف، فإن التقسيم تم في التفاهم السري بين المختار والحسن، الذي توج باتفاق فاس سنة 1974، ثم تلته المرافعات أمام محكمة العدل الدولية سنة 1975، والتي كان يراد منها تثبيت الاعتراف بحق كل طرف أمام هيئة دولية؛ فقد قُبلت "المجموعة الموريتانية" ندًّا للدولة المغربية ذات الإدارة العريقة، وهي سابقة قانونية كرستها المحكمة الدولية، وبذلك حُسمت المطالبة بموريتانيا - وهو مكسب عظيم - حيث اعترف المغرب "بالمجموعة الموريتانية" وأن لها "صلات خاصة مع بعض قبائل وادي الذهب أي تيرس الغربية" مقابل اعتراف موريتانيا للمغرب بـ"علاقات مماثلة مع بعض قبائل الساقية الحمراء". وقد لاحظ المؤلف أن المحكمة حرصت على أن تقرير المصير المنصوص عليه في قرار الجمعية العامة هو الاستفتاء المباشر، بينما اعتبرت موريتانيا والمغرب أن تصويت المجلس الوطني الصحراوي (برلمان المستعمرة) بالأغلبية لصالح اتفاقية مدريد، تقرير مصير، مثل الجمعيات الوطنية في المستعمرات السابقة التي أُعلن استقلالها دون تنظيم استفتاء شعبي، ومنها موريتانيا، بينما ردت پُوليزاريو بأن ذلك يتجاوز الحقيقة، لأن أعضاء برلمان الإقليم لم يكنوا حاضرين جميعا، بل ساندها بعضهم وحضروا إعلان الجمهورية الصحراوية في فبراير 1976، مؤكدة تشبثها بنص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 حول تقرير المصير.
 
وقد ضم الكتاب بين دفتيه معلومات كثيرة يحتاجها - بلا شك - القارئ، وإن كان القليل منها جديدا بالنسبة للمتتبع، كسير الحرب وخسائرها، وملابسات انقلاب 1978 وما آلت إليه سياسة اللاسياسة بالنسبة للبلد عامة، ولقضية الصحراء، وعلاقات الحكم الجديد بأطرافها، بل بالعالم الخارجي كافة. ومن أمثلته على ذلك "اتفاق الجزائر بين موريتانيا وپوليزاريو، في 5 أغشت 1979، والظروف الغامضة التي اكتنفت توقيعه، حيث كان إذعانا للجبهة التي فرضت انسحاب موريتانيا من تيرس الغربية - دون إخطار شركائها في اتفاق مدريد - في موعد رُتب له أن يكون سريا، لكن المغرب اطلع عليه، فبادر باحتلال تيرس الغربية. ولم يحقق الطرفان الموريتاني والصحراوي أي مكسب"؛ وهو ما كشف هشاشة بعض التسريبات إلى الصالونات (محل الحل والعقد للحكم الجديد) عن وجود "تفاهم سري يجعل الجبهة تترك تيرس الغربية بيد موريتانيا، وتتفرغ لمواجهة المغرب" ويصوغ "الصالونيون" في ذلك مقولة تريد تغطية واقع الكراهية آنذاك بين الطرفين "بأن حرب الصحراء لم تكن بين عدوين، وإنما صراع إخوة، سينتهي بالتصالح، وأن احتفاظ موريتانيا بجزء من الصحراء سيكون لصالح المجموعة؛ فالرابح في عرف البيظان أن من يُبقي على جزء من "لَمْدنّه والماشية" بعد الغارة، يكون قد خدم المجموعة كلها".

  وقد اعتمد الكاتب بالنسبة لمعظم معلوماته عن الطرف الموريتاني على ما وجد بين يده منشورا من قبل الدارسين الموريتانيين القلائل، الذين تعرضوا للموضوع، خلال الخمس عشرة سنة الماضية، وهو غير كاف، خاصة أن المعلومات متوفرة ولكنها تحتاج إلى التجميع والتدوين، فالكثيرون من شهود العيان ما يزالون على قيد الحياة. كما أهمل الكاتب مصدرا رئيسا للمعلومات هو ما نشر باللغات الأجنبية الأوربية، سواء من كتب أو دراسات أو مقالات، صادرة عن مراكز بحث، أو مؤسسات حكومية غربية، أو صحف ومجلات، وتلك ظاهرة تتكرر في المؤلَّف العربي في موريتانيا. لكن الكتاب ضم بين دفتيه وبتفصيل، وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالنزاع، وعلى الخصوص، مشاريع التسوية المختلفة التي قدمتها لأطراف النزاع والتي لم تراوح مكانها.

  وقد حاول المؤلف أن يكون متجردا وموضوعيا وهو ما لا يمكن التأكد من أنه سينجح فيه، نظرا للاصطفاف الذي ما يزال قائما بين جمهور المعنيين من الأطراف المختلفة، ولأدلجة الخطاب السياسي والإعلامي، الذي يضيّق كثيرا من هامش التجرد لدى أي كاتب، خاصة في موضوع كهذا. وقد تجلت تلك الصعوبة عندما حاول أن يقترح مشاريع حلول للخروج من الأزمة الحالية، حيث استخدم تارة عبارات تكاد تكون "وعظية" من قبيل "تغليب المصالح المشتركة، وإقامة المغرب العربي" بعد أن برهن  - من خلال سرده للوقائع السياسية ووجهات نظر الأطراف المعنية - على استحالة ما يتمناه، لعمق الهوة بين الأطراف، ولرسوخ انعدام الثقة، مقترحا أن يُترك الأمر بيد الأمم المتحدة، وهو أمر غير واقعي أيضا، أمام فشلها الذريع في القضية.

الأحد، 9 نوفمبر، 2014

محمد بن سيدي بابا في ذمة الله


  توفي ليلة الخميس الماضي 13 محرم 1436 – 14/11/6م في نواكشوط محمد بن الداهي بن سيدي بابا، عن عمر يناهز الواحدة والسبعين، بعد مرض عضال كان متلبسا به منذ فترة؛ تاركا ابنا ما يزال في نهاية المرحلة الثانوية، وابنتين، وثلاث أخوات؛ وترك في الآن نفسه فراغا في الرشيد ومجتمعه المتمدد في تكانت ومعظم ولايات الوطن.
تربى الفقيد في أسرة دين ومروءة وشهامة، في كنف أبيه الداهي الذي توفي عنه مع البلوغ، وأمه فاطمه بنت خواه، وبين أخواته وأخيه (مات مبكرا) فشب على البرور بالوالدين والأسرة، التي توسعت بزواجه، الذي أضاف لهذا العقد النفيس: فارسا وزهرتين. فتشكلت أسرة هي اليوم مضرب المثل في التقى والورع والمروءة، والثقافة الواسعة من أدب وشعر وسيرة ومناقب، فهي مرجع الباحثين والدارسين للمجمع، وجميع أنواع الثقافة المحلية، مع الإبداع، وعلو الهمة، مما يكرس إرثا ضاربا في أعماق التاريخ.
 كان محمد، عارفا بأمور دينه، مشاركا في الفنون المتداولة في محيطه،  شاعرا بالعامية، جغرافيا، قل من يضاهيه في معرفة جبال تكانت وسهولها، وأوديتها، ومنابع مياهها، وأشجارها، وتركيبتها السكانية، إضافة إلى معرفة واسعة بمجتمعه والمجتمعات المجاورة، راوية للشعر الفصيح والعامي، ولمناقب الرجال،  صدوقا صبورا، شجاعا، يعاف الخنى، ويأبى الضيم، والمذلة، يكرم الجار، ويقري الضيف، ويقدس العهد ويفي بالوعد.
 زرته يومين قبل وفاته، بعد ما سمعت بخطورة نوبة حلت به، حيث كنا نتحادث بالهاتف فقط، بسبب صعوبة التنقل في المدينة وضيق الوقت، وخاصة أنني لم أكن أتصور خطورة المرض الذي يعانيه، ويلح عليّ أنه من سيزورني في البيت. وخرجت بعد زيارتي وحديثي معه مطمئنا إلى حد ما، وأن نوباته عابرة، خاصة وأنه أشفى لي الغليل بتفصيل وروية في موضوع سألته عنه.
وفي نوبته الأخيرة قبل وفاته، استدعى الابن وأوصاه، بحضور عدد من أفراد الأسرة، وطمأنه أن لا ديون عليه، وحدد له أماكن بعض الأمانات والودائع، وقال لإحدى القريبات التي كانت تريد أن تدلّك قدميه "لا جدوى! إذ مرت من هناك المنية، فلم أعد أحس باللمس"  ثم نهَر أحد الحاضرين الذي كان يداعبه، ليحاول تخفيف ما هو فيه: "اتركني وما هو أنفع لي" وقرأ الفاتحة وبعض الآيات، ثم شرع في الشهادة، حيث لم يفقد الوعي إلا في آخر رمق. وبذلك مات محمد على ما عاش عليه من المثل التي تربى عليها.
  وأول ما يتبادر للذهن أمام هذه الشجاعة، ما ذكر لي الثقاة الراوين عن شهود عيان عن موت جد أبيه لأمه محمد المختار بن الحامد؛ عندما حلت به المنية وهو في ركب من الحجاج عند ميقات ذي الحذيفه حوالي سنة 1915 - وهو مهاجر من بلاده بعد الاحتلال الفرنسي - حيث كان يعاني من مرض اعتبره رفاقه خفيفا: فالتفت إليهم وقال: "سترون اليوم موت الشجعان" فتمدد على الأرض وتغطى بقطعة قماش، وما لبث أن انقطع دون حراك.
  وفقدت تكانت بموت محمد بن سيدي بابا علما بارزا قل مثيله، كما فقد الرشيد وجهه الأدبي الثقافي المتميز، وفوق ذلك فقدت الأسرة الأب والأخ والابن، وفقد الأصدقاء الزميلَ والرفيق المؤنس، المنجد عند الملمات، رحم الله الفقيد وأدخله فسيح جناته ورزق الأهل الصبر وحسن العزاء، وبارك في الخلف، إنا لله وإنا إليه راجعون.