الأحد، 3 مارس، 2013

نظرة الرئيس المختار بن داداه لما يجب أن يتحلى به رئيس دولة من صرامة وأخلاق وتعامله مع الرشوة

في كل مرة تثار فيها مشاكل موريتانيا أجدني مدفوعا إلى العودة إلى مذكرات الرئيس المختار "موريتانيا عبر التحديات" لعلي أجد فيها ما ينير الرؤية. ومن ذلك ما كتبه في الفصل الرابع عشر بعنوان {ما جعل الله  لرجل من قلبين في جوفه} وهذا جزؤه الأول الخاص بالرشوة ومواجهتها، الذي أنقله إلى القارئ الكريم:

  "لقد حاولت على الدوام، مدة بقائي أن يتطابق تصرفي فيها مع تصوري الأخلاقي للمسؤولية. وهكذا فإن المسؤول في نظري، وخاصة المسؤول السامي، مطالب ببذل قصارى جهده في الابتعاد عن مواطن الشبه في جميع المجالات الأخلاقية والمادية. ومن الضروري أن يتحلى بالصرامة تجاه نفسه ليكون قدوة حسنة للآخرين، وأن يفرض وجوده بالفضيلة لا بالاستبداد، وألا تكون رغبته احتكار السلطة والمال. وعليه في الوقت نفسه ألا يكتفي بتحاشي الرشوة بل تلزمه محاربتها بكل عزم وفى أي شكل مادي أو أخلاقي كانت. ولا فرق في نظري بين المحاباة والمحسوبية وبين الرشوة الصارخة والمكشوفة. فالكل مذموم ويستحق الإدانة. إن لين جانب المسؤول حيال الإخلال بواجبه ذنب لا يغفر. ولهذا السبب كنت دائما أعاقب بقسوة كلما أبلغت عن حالة من هذا النوع نظرا لأن إهمال العقاب يجعلني متمالئا مع المتهم بالخربة.
   وهكذا تصرفت في كل مرة أقتنع فيها بأن مسؤولا ساميا – وزيرا كان أو سفيرا أو واليا أو مديرا أو رئيس مصلحة – أصبح غير نزيه. ولا تقف العقوبة عند تجريده من الوظيفة، بل كنت أطلب في الوقت نفسه متابعته قضائيا. وخير شاهد على ذلك إلقاء القبض على وزراء وسفراء الخ. ولم يكن هذا النهج محل إجماع، حتى في صفوف الطبقة الحاكمة، بل إن كثيرًا من الناس داخل البلد وخارجه اعتبره صارما جدًا.
  وبالفعل، فقد نصحني كثيرًا بعض أعواني ومسؤولون سياسيون آخرون بالتسامح، وكانوا يبحثون عن ظروف مخففة لصالح المرتشين منبهين في الوقت نفسه على ما ينجم عن اعتقال وزير من فضائح يمكن استغلالها، مثلا، من قبل المعارضين للنظام للنيل من نفوذه وصيته عندما تعرض مساوئ بعض المسؤولين السامين في وضح النهار. وهذا خطر قائم حسب رأي هؤلاء. أما في الخارج فقد تتضرر سمعة البلد من ذلك…
  ولم تتغير إجابتي لهؤلاء، إذ أعتبر أن إنزال العقوبة بمسؤول سام غير شريف لا يشكل فضيحة، بل إن الفضيحة الحقيقية تكمن في تركه دون عقاب وقد ثبت عليه عدم النزاهة الأخلاقية أو المالية.
  أما مفهوم المسؤولية فيتناسب عندي مع الرتبة التي يحتلها الشخص في سلم الدولة. فكلما ارتقى إلى مسؤولية سامية كلما كان خطؤه جسيما. وعليه فإن ممارسة مسؤولية، مهما كانت درجة سموها، لا توفر حصانة لصاحبها، بل إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فالذنب يعظم أو يصغر حسب الموقع في المسؤولية. لمذا؟ لأن سلوك المسؤول السامي، طيبا كان أو سيئا، إنما هو أسوة للآخرين خاصة من يتبع منهم لسلطته، في حين أن تصرف الموظف البسيط التابع أقل تأثيرا.
  وعليه فإن العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع درجة الخطأ من جهة، ومع أهمية الوظيفة التي يمارسها المخطئ في سلم الدولة من جهة أخرى. ويتطلب الأمر في المقام الأول، إرساء قواعد عدالة موضوعية حقا، تخدم الجميع، وهو طموح يصعب تحقيقه في الواقع، ولكن ينبغي السعي إليه دائما. وفى السياق نفسه، قرر المكتب السياسي الوطني لحزب الشعب الموريتاني في شهر فبراير من عام 1970 التعليق المؤقت لأي عضو يتعرض لمتابعة قضائية، على أن يعاد دمج المعني إذا أثبتت العدالة براءته. وبالمقابل فإن إدانته تقتضى، حسب الإجراءات، طرده نهائيا من المكتب السياسي الوطني.
   إن الطرح السابق يلخص بإيجاز جهودنا الرامية إلى تهذيب أخلاقنا وسلوكنا السياسي والإداري قدر الإمكان. فقد نجحت تلك الجهود على الأقل في الحد من آثار الرشوة والمحاباة وأمراض أخرى مشابهة، وإن لم تقض عليها بصورة نهائية. فلم يعتقد مسؤول قط، مهما كان منصبه، أنه فوق القانون. فالكل مقتنع بأنه سيعاقب سياسيا أو قضائيا أو هما معا حسب الحالات، وذلك عندما تثبت عدم نزاهته.
   ويمكننا القول دون تباه بالنصر إن حالة البلد في هذا المجال سنة 1978 لم تكن الأسوأ مقارنة بنظيراتها السائدة في بعض بلدان منطقتنا. فخلال ثماني عشرة سنة مثلا لم يثبت على المسؤولين السامين من عمليات الاختلاس سوى بعض حالات تمت متابعتها قضائيًا. وكان البحث عن المختلسين في تلك الفترة على أشده من قبل مراقبي الدولة ومفتشي المالية. وأشير في الأخير إلى أن هذه السياسة نجم عنها تعميم عدد هام من الرسائل وجهتها شخصيا إلى الوزراء ومراقبي الدولة والولاة.    
ومن غير المستغرب أن تثير هذه السياسة استياء من تعرضوا للعقوبة جراء الأسباب التي تم عرضها، وأن تكون الحال كذلك بالنسبة لذويهم وحلفائهم، وهي السياسة التي سماها البعض "صرامة المختار السقيمة". يتبع

الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

جميع الحقوق محفوظة، يحظر نشر مواد المدونة أو الاقتباس منها دون ذكر المصدر

الأحد، 28 أكتوبر، 2012

قراءة في كتاب الأمل الخائب، 2006-2008: ديمقراطية بلا مستقبل


قبل أسابيع نوهت مواقع الالكترونية عن صدور هذا الكتاب لمحمد السالك بن محمد الأمين وزير الخارجية في حكومة سيدي محمد بن الشيخ عبد الله الأولى، ولم أطالعه إلا في الأيام الأخيرة، فحاولت الاكتفاء بتصفح المقدمة وبعض فصوله، في انتظار الانتهاء من بعض الالتزامات، لكني فوجئت مع الفقرات الأولى من المقدمة بأنني أمام عمل جاد يحتاج إلى قراءة كاملة ومتأنية، فكرست الوقت الضروري له، وهو ما لم أندم عليه.
إن الكتاب بالغ الأهمية لاعتبارات عدة، منها: أنه:
- أول تدوين لوزير موريتاني منذ الاستقلال باستثناء عملين تفصل بينهما ثلاثون سنة .
- أن الكاتب وزير خارجية أدار سياسة البلد وحاور قادة العالم.
- كونه شاهدا على أحداث ما تزال فصولها تتوالى، وفاعلوها حاضرون، سواء في السلطة أو خارجها، وكذلك المتابعون في الداخل أو الخارج.
- عنوان الكتاب، الجريء المعبر.
- تطرقه لجوانب أساسية من التجربة التي عاشتها البلاد بعد انتخابات 2006 و2007.
- تحديد دقيق للأهداف وتوجه مباشر للحلول.
- إصراره على تحمل المسؤولية وإبداء الرأي في قضايا البلاد دون تلكأ.
- كشف أمور ظلت مجهولة على مستوى الدولة.
- تشهيره بأمراض الإدارة الحكومية وقادتها من فساد وعجز وانعدام كفاءة ومحاباة.
- التزامه بقواعد التدوين بذكر الأسماء كاملة والتواريخ، واستشهاداته الدالة.
- معرفته الدقيقة بالأصول الدبلوماسية وكيفية التعامل مع العالم الخارجي وقادته ومسؤوليه.
اقتصرت معرفتي للمؤلف على ثلاثة لقاءات، أولها على مائدة عشاء بدعوة منه في منزل أمين عام الوزارة - أياما قليلة بعد تعيينه - ضمن مجموعة من السفراء السابقين: عْلي بن علاف والشيخ سيد أحمد بن بابا أمين وأحمد بن غْناه الله والتقي بن سيدي، إضافة إلى عبد الله بن الشيخ بن أحمد محمود الوزير السابق، وأول وال لموريتانيا لتيرس الغربية سنة 1976 بعد تقسيم الصحراء الغربية.
وخلال العشاء طلب الوزير سماع آرائنا حول مشاكل البلاد الخارجية والتحديات الآنية، وعلى رأسها قضية الصحراء والعلاقات مع الجيران وبقية العالم، ودور موريتانيا العربي والإفريقي، وحضورها في المنظمات الدولية والإقليمية، إلا أن الحديث لم يتطرق لنهاية المسلسل الانتحابي الذي توج بتنصيب رئيس جديد وتشكيل حكومته، رغم أنها كانت ما تزال حديث الساعة. وقد أرسلت للوزير مساهمة مكتوبة عن رؤيتي بشان المواضيع المذكورة وعن جوانب من أوضاع الوزارة والسفارات، لأن روابطي بهذا القطاع - الذي قضيت ثلاثين سنة من العمل فيه بالخارج - ما تزال حية في الذاكرة.
أما اللقاء الثاني فكان زيارة مجاملة له في مكتبه، والثالث بعد ذلك بثلاث سنوات خلال ندوة مشتركة بين نادي نواكشوط الدبلوماسي ومندوبية اللجنة الدولية للصليب الأحمر في نواكشوط عن "تفادي الصراعات في إفريقيا وإدارتها" حيث تولى هو باسم النادي جانب الاتحاد الإفريقي في الموضوع. وقد أدهش الحاضرين - وأنا منهم - بمعرفته الدقيقة لهذه المنظمة وأهدافها ومراحل تطورها، وما تقوم به تجاه الصراعات في القارة، ذلك أنني عايشت تلك المنظمة منذ إنشائها سنة 1963، حيث موريتانيا من الدول المؤسسة، التي أولت كل اهتمامها للقارة التي كانت ملاذنا لفرض سيادتنا في المنظومة الدولية، ثم لكوني قضيت خمس عشرة سنة مندوبا لجامعة الدول العربية لديها، مما مكنني من حضور جل مؤتمراتها ومن ثم الإلمام بالمشاكل والاطلاع على المشاريع المختلفة. وعندما قرأت تنبأ سفير إثيوبيا لدى منظومة الأمم المتحدة في جنيف لمحمد السالك يوم 20 من إبريل 2007 أي أسبوعا قبل تعيينه بأنه سيكون وزير الخارجية في الحكومة الجديدة، تذكرت رد أحد ممثلي الاتحاد الإفريقي في جنيف - في معرض سؤالي عن سفير موريتانيا الذي لم أكن أعرف سوى اسمه وأنه من الشباب الدبلوماسيين المحترفين – "نعم هو بخير وجدير بالاحترام والتقدير" وفي هذه الشهادة تعبير عما يكنه الأفارقة للسفير من تقدير، اكتشفنا جوانب من أسبابه في حديثه عن بعض القضايا ذات الصلة بالقارة وعلاقاته بسفرائها، حيث كان لاعبا رئيسيا في المجموعة الإفريقية والعربية في جنيف وحتى في الأمم المتحدة بنيو يورك.
وقد رأيت أن أخصص مقالين لهذا العمل، أولهما عبارة عن نقل فقرات من المقدمة للقارئ العربي الذي يجب أن لا يحرم طويلا من هذا النص، والثاني في شكل ملاحظات حول بقية الكتاب المؤلف من تسعة فصول.
المقدمة
بقراءتنا للمقدمة نجد أننا أمام كاتب متمرس بأسلوبه وثقافته الواسعة المتشعبة ومعلوماته الغزيرة وقدرته على التعبير المباشر، وفوق ذالك منهجيته المحكمة، التي جعلته يوجز مواضيعه التوطئة ليعود إليها بلف ونشر مرتب، مع نجاح في الترابط المنطقي والسياق التاريخي. وقد أشار عند الوهلة الأولى - بشكل عابر - بمنطلقات أساسية، مثل التعريف المقتضب بمولد الكاتب ومكانه، وبعض الآراء السياسية في مرحلة المراهقة في المدرسة التي سيظل لها ذكر في صلب القضايا الوطنية بعد مرحلة النضج، وبداية المسار، بتخرجه في أول دفعة من الشعبة الدبلوماسية في المدرسة الإدارية سنة 1984، تاريخ التحاقه بالخارجية، وتولي رئاسة قسم الأمم المتحدة، ثم الانتقال، مستشارا في البعثة الدائمة في نيويورك، دبلوماسيا محترفا تدرّج في السلك حتى أصبح سفيرا بعد ثلاث عشرة سنة في جنيف لدى منظومة الأمم المتحدة؛ وهو أمر طبيعي في السلك الوظيفي، خاصة لمن يثبت الجدارة، والاعتماد على الجهد والمثابرة؛ مما يؤكد أنه حتى في ظل أنظمة فاسدة ليس النجاح مربوطا دوما بالتزلف والانخراط في كرنفالات المواسم السياسية، فصاحبنا "لم يحضر قط أنشطة الحزب الحاكم  -آنذاك - ولم يشارك في مسرحية بناء فصول محو الأمية ولا حملات الانتخابات الرئاسية". وهو يعتبر الظهور على خشبة الأضواء مناف لقيمه و"للمهنة التي اختار" منسجما مع قناعته بأن "موظف الدولة لا يحتاج إلى إثبات الولاء، وهو الذي يقوم بواجباته الوظيفية والوطنية رعاية للمصالح العامة ودفاعا عن قضايا الوطن". إذن نحن أمام مسؤول غير ملوث يعرف مأموريته ويتحمل تبعاتها دون حاجة إلى رقيب، بل إلى من يؤازره لتحقيق المصلحة المشتركة.
 وتعرفنا المقدمة على شمائل نصطحبها طيلة قراءة الكتاب: اعتزازه بالبلد وقيمه، من صدق وصبر وواقعية، والتي ظلت زاده في تجربته الثّرة خلال مسيرته الدبلوماسية، وكلها مرتبطة عن قرب بهذه "الأرض ذات الطبيعة القاسية، التي ترعرع فيها أجدادنا وأقاموا بها إمبراطوريات عظيمة ساهمت في نشر الحضارة العربية الإسلامية والإفريقية الزنجية، كما تصدوا ببسالة لصد الاستعمار الأجنبي عنها" ولذلك نراه ينحاز إلى الورثة الطبيعيين لهذه القيم: "الجيل الأول الذي تولى مقاليد الأمور في موريتانيا بعد الاستقلال، ورفع التحدي بتكريس السيادة الوطنية ووضع أسس دولة في مجتمع لم يعرف في تاريخه حكما مركزيا داخليا، تقاس صلابتها (الأسس) بدرجة استعصائها على معاول الهدم الواسع الذي يقوم به الحكم العسكري مذ سنة 1978" إذن هو وريث شرعي لتاريخ هذا البلد الذي "امتاز أهله بقوة التحمل والعزة والتعفف والرضا بالقليل، وبروح التضامن التي كانت مصدر اللحمة الاجتماعية".
• لم يخيب الكاتب الأمل في التصريح بآرائه ثم أفعاله - بعيدا عن تقية العجز- كما عودنا البعض، فهو يكتب ل "تمكين الأجيال الجديدة من أن تطْمئن على تاريخ بلادها، عبر ما دونه أولائك الذين تحملوا مسؤوليات وطنية، داعيا كل من عاشوا هذه الأحداث إلى تقديم رواياتهم". فكتب بأدب ورزانة، وبلغة الواثق في النفس العارف بأبعاد قضايا الوطن وتأثيرات الخارج، معتمدا المعلومة والتحليل الموضوعي للأسباب التي جرتنا إلى ما نتخبط فيه من أزمات في مقدمتها "النكوص عن قيم المجتمع الحميدة، نتيجة التغيرات الاجتماعية والفتور والانفتاح على المجتمعات الأخرى، وتسيير النظام العسكري وعمى بصيرته الذي ولّد صفات جديدة انتشرت في المجتمع الموريتاني، مثل الانتهازية والفراغ، وتلاشي صدقية المؤسسات وتدهور القيم وضعف الضمير الوطني، لينتشر صراع الهويات".
• لم يترك فرصة تفوت إلا وندد بالقبلية وتعارضها مع الدولة والعصر، لأنها تشكل تحديا حقيقيا لبقاء موريتانيا ومستقبلها، وهي التي صارت أساس الحكم ومصدر إلهام معظم النخبة والشباب، حتى رأينا رجالا من الرعيل الأول يتنكرون لماضيهم بالانهماك في إحياء القبلية! وشبابا يتكتلون عبر وسائل الاتصال الاجتماعي "فيس بوك" باسم القبيلة! ومثل القبلية النظام العسكري وقادته الذين تحول الموريتانيون في ظلهم إلى شعب خانع، يتصرفون فيه على هواهم، مع الأقارب والحلفاء، مدجِّنين شرائح واسعة من النخبة، التي تحولت إلى أدوات طيعة ينفذون بها مآربهم في جمع المال وتكديسه، بينما الموريتانيون يعيشون في الفقر المدقع يتخطفهم الجوع والمرض.
وحدثنا - تمهيدا لمعالجة قضيتن مهمتين يجب حلهما لصون الوحدة الوطنية - عن:
• محو آثار الرق
• المهجرين الذين خُصص لهم فصل في الكتاب. لكنه كان حريصا على أن يعطي لكل ذي حق حقه، وأن يكبح جماح الاندفاع، عكسا لما تعودناه [إما ضد أو مع]. وعن أحداث 1989، ونتائجها "  إن جزءا من المواطنين تعرض للقمع والتهجير إلى الدول المجاورة، وبقي الجرح نازفا، مما يجعل من المحتمل قيام مجموعات مسلحة بأعمال تهدد السلم الاجتماعي والوئام الوطني سواء من تلقاء نفسها أو بإملاء من قوة أجنبية. وجرت هذه الأحداث المؤلمة رغم أن الشعب الموريتاني ظل على مدى تاريخه في وئام وانسجام بين قومياته المختلفة التي يشكل الإسلام حصنا منيعا لوحدتها، لكن حاجز اللغة بقي عائقا رغم الاعتراف بأن التعددية تشكل ثراء كبيرا ينبغي صونه بتعليم اللغات الوطنية، وبجعل العربية لغة غالبية السكان اللغة الموحِّدة ". وقد لاحظ "تراجع هذه اللغة بسبب إدخال الاستعمار تعليم اللغة الفرنسية ثم بسبب اختطافها من طرف القوميين العرب المتناسين أنها استُعملت بشكل واسع من طرف السكان الكور" .
إن إثارة موضوع اللغة العربية في غاية الأهمية ما دمنا نريد التصدي لأهم القضايا التي لها تأثير مباشر على لحمة الموريتانيين وهويتِهم كبلد مسلم عربي إفريقي ليس له من صيت أو موطئ قدم في الإقليم ومن ثم في العالم إلا بإشعاعه الديني ونبوغه الثقافي العربي، وهو ما ينسجم اليوم مع تطلعات الأشقاء في سنغال ومالي وتشاد ونيجيريا والنيجر... الذين يولون كل الاهتمام لتعليم اللغة العربية ونشرها ويعولون على الدور الموريتاني.
ونبه الكاتب إلى أن من أسباب تذمر الكور سيطرة البيظان على الثروة، والذي تجلى أكثر فأكثر بعد "وصول ائتلاف قبلي سنة 1984 إلى الحكم، وعزز قبضته على الاقتصاد الوطني. مع ملاحظة أن الغبن عام، حيث لا توجد شخصية من الحوض أو العصابة ضمن الأغنياء الجدد أولائك". وأشار إلى أن الكور استاءوا في المجال الخارجي من انسحاب موريتانيا من الجامعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا دون شرح للأسباب.
• ثم أثار القضية الكبرى الأخرى التي يعاني منها المجتمع ونسيجه الاجتماعي، وهي "آثار ظاهرة الرق البغيضة، والتحدي الذي يشكله اندماج الأرقاء السابقين" منبها إلى "أن الظاهرة منتشرة في جميع مكونات المجتمع، وتمتد إلى خارج الحدود في جميع منطقة الساحل والسودان، لكنه يلاحَظ  أكثر لدى المجموعة العربية بسبب اللون" وذكّر بأن "الأرقاء السابقين هم أكثر شرائح المجتمع فقرا وتهميشا، رغم أن آلافا من المواطنين الذين لم يخضعوا للرق يشاطرنهم هذا الوضع، وهو وضع ظالم اجتماعيا وخطير سياسيا وعقيم اقتصاديا، ومن ثم فهو أكبر خطر يهدد المجتمع الموريتاني، حيث يمكن استغلال يأس هذه الجماهير المعدَمة من قبل تيارات متطرفة ومن قبل دول خارجية لزعزعة البلاد لذلك كان لا بد من مواجهة هاتين القضيتين لمنع خطر الانفجار"
• وتمهيدا للدخول في معمعة الحكم ومعاركه كان لا بد من وصف المشهد السياسي ولاعبيه، فجاء عنوان "صفات القيادة" الذي أعطى فيه للرئيس ما هو أهل له: "الاحترام والتعليم والتجربة وللوزير الأول الشباب والحيوية" مقابل "طبقة سياسية صاغها بشكل كبير الحكم العسكري، متعودة على ممارسات نقيضة لالتزامات رئيس الجمهورية عن الإصلاح وإعادة السلوك الأخلاقي للحياة العامة. فكان من الجليّ أن نجاح التجربة الديمقراطية أو فشلها وإعادة تأسيس الدولة مربوطة بالطريقة التي سيسير بها الرئيس العلاقة مع هذه الطبقة السياسية وبقدرته على مقاومة ضغطها ومناوراتها". ولإكمال الصورة ذكّر بأن الرئيس "رغم تأييده من رئيس المجلس العسكري (الحاكم) وكبار أعضاء المجلس لم يحصل في الشوط الأول إلا على 25% من أصوات الناخبين؛ وتقدم في الدور الثاني على منافسه بأغلبية  بسيطة، رغم انضمام الزين بن زيدان ومسعود بن بلخير إليه. ودلت الأرقام على شفافية الانتخابات وخاصة على وعي ويقظة الناخبين الذين صوتوا بكل حرية".
وكان منطقيا "دمج هذه العوامل واستخلاص رؤية عامة على ضوئها يتم الدفاع عن مصالح البلاد ووضع أسس سياسة خارجية على المدى الطويل؛ أبرزها أربع أولويات: القضاء على التناقضات الداخلية، إزالة العوائق البنيوية، تقوية الإمكانيات المؤسسية، إبراز المصادر الطبيعية عبر مساهمة المهارات المحلية ورأس المال الخارجي الضروري. وعليه يجب تعبئة الطاقات الوطنية لرفع هذه التحديات، مما يحتم على الجهاز الدبلوماسي أن يستعد للإسهام بأقصى ما يمكن في تحقيق هذه الطموحات. ومهما كانت السياسة الخارجية عادلة ومحكّمة فلن تحقق نتيجة ذات بال إذا لم تنفذها دبلوماسية فعالة وكفئة، وبالعكس فإن جهازا دبلوماسيا جيدا لن يحقق نجاحا معتبرا  إذا كانت الأهداف المحددة خاطئة وغامضة" وبعد أن استطرد رؤية بعض الرواد في تعريف الدبلوماسية كـ"أداة لتحقيق مصالح الدول وتنفيذ سياستها اليومية" لاحظ "أن من ميزاتها الاستمرار، لأن المحيط الجيوستراتيجي والإكراهات التي تواجهها كل دولة تكاد تكون ثابتة؛ وفي حالتنا كانت سياستنا جامدة طيلة عقود من الزمن ولم تكن تقاد باختيارات واضحة ومدروسة. كما لم تستخلص دروسا من سرعة التاريخ الناتجة عن انتهاء الحرب الباردة."
وانطلاقا من ذلك حدد الوزير المحاور الرئيسية للسياسة التي سيقودها:
• تعميق العلاقات مع الدول المغاربية
• تأكيد انتمائنا لاتحاد المغرب العربي، والسعي لبعث أجهزته والعمل مع تونس وليبيا – إن أمكن – لحمل الجزائر والمغرب على المزيد من المرونة، إذ بدون هذين البلدين لا يمكن تحقيق أي تقدم.
• تعزيز العلاقات مع دول غرب إفريقيا وخاصة القريبة مالي، سنغال، غامبيا، غينيا بيساو، الرأس الأخضر.
•   تنشيط العلاقات مع دول غرب إفريقيا الأخرى ووضع أسس شراكة مع المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا على أسس قواعد منظمة التجارة العالمية.
• استعادة العلاقات المميزة مع جميع الدول العربية مع عناية خاصة بدول مجلس التعاون الخليجي.
• تطوير الشراكة مع الاتحاد الأوربي، مع العناية بالروابط الخاصة مع ألمانيا وإسبانيا وفرنسا.
• تعزيز الشراكة مع جمهورية الصين الشعبية.
• العمل على رفع العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية لتكون على مستوى العلاقات السياسية.
• تعميق العلاقات مع اليابان
• وضع أسس للعلاقة مع الدول الصاعدة لكسب أكبر قدر من المزايا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية من تقلبات توزيع الثروة على المستوى العالمي".
أما الخطوات التي تمكّن الجهاز الدبلوماسي من أداء مهمته فهي:
• " إنجاز برنامج للتكوين والتدريب لموظفي الوزارة
• السهر على تسيير الوارد المالية بطريقة سليمة
• تحسين وضعية العاملين الدبلوماسيين
• تحديث الإدارة المركزية والبعثات الدبلوماسية والقنصلية
• تصور سياسة صحيحة للمحفوظات ووضعها موضع التنفيذ
• توخي الصرامة في منح الوثائق الإدارية.

الجزء الثاني
استقبل الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله يوم 1 ميه 2007 وزير الخارجية الجديد محمد السالك بن محمد الأمين صبيحة وصوله إلى نواكشوط، بعد أن تسلم مهامه، حيث عبر له عن رؤيته للوضع الجديد بالقول إن التحدي الذي يواجهه (الرئيس) أكبر مما يتصور، لأن الدولة وبنيتها قد تحللت منذ وصول الجيش للسلطة سنة 1978، وأن القيم الأخلاقية قد سجلت تآكلا خطيرا، ومع ذلك فإن انتخابه قد أثار آمالا عريضة، وأن قطاعات واسعة من الشعب تنتظر تغييرات عميقة، على رأسها استعادةُ دولة العدل والإنصاف، خاصة وأن الأشد فقرا من المواطنين هم الأكثر معاناة من الاستبداد والفساد. ويمكنه الاعتماد على الشرائح الكبرى التي ستكسب من تنفيذ برنامج إصلاحي عادل وعميق لدحر مقاومة المجموعة القليلة المتنفذة التي ظلت تحصد المكاسب من ضعف الدولة". وقدّم له عرضا عن السياسة الخارجية والإصلاحات الضرورية لتفعيل الوزارة وجعل الدبلوماسية أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إنه لأمر جديد وغير مألوف - خلال العقود الثلاثة الأخيرة - أن يقوم وزير خارجية بشرح مهامه وتوجهاته إلي رئيس الدولة. فقد فصلتنا صحراء قاحلة عن العصر الذي احتلت فيه الدبلوماسية الموريتانية مكانة سامقة في وجدان الموريتانيين، وحظيت باحترامهم وعناية رئيسهم الذي تولاها أزيد من سنة، فعرف أهميتها وارتباط بها، وهو ما كرسه الدستور وأصبح دستوريا أو عرفيا في معظم الأنظمة الرئاسية. وظلت الدبلوماسية الركيزة التي نعتمد عليها لفرض وجود موريتانيا على الساحة الدولية، والعنصر الحاسم في بناء السمعة التي حظيت بها البلاد، وأعطتها وزنا أكبر مما هي عليه، وأعطاها بقاء حمدي ولد مكناس وزيرا لها عشر سنوات استمرارية، ساعدت في التحكم في السفارات والموظفين وغطت على الكثير من النواقص البنيوية وضعف الإمكانات المادية، وساهمت علاقاته الشخصية في ربط صلات متينة مع نظرائه في العالم العربي والإفريقي بل لدى معظم الشركاء، فكان المردود إيجابيا. ومع وصول الجيش إلي السلطة تغيرت هذه الوضعية مئة وثمانين درجة بحيث أصبح وزراؤها الأقل استقرارا، حتى أن أحدهم لم يقض إلا عشرين يوما. وتدنت كثيرا مكانتها لتصبح دائرة تابعة لمدير ديوان رئيس الدولة، ليس فقط بغيبة الوزير بل بحضوره وبرغبة منه - أحيانا - حتى لا يتحمل أي تبعات. فرؤساء البعثات يتصلون مباشرة بمدير الديوان، بينما يتولي الأمين العام مهمة التسيير الإداري وتنفيذ تعليمات الرئاسة، وحتى أن التمثيل في المحافل الخارجية ونقل الرسائل إلى القادة لم يعد من مشمولات وزير الخارجية، إذ لا يحتاج – في نظر الديوان - إلى خبرة ولا تجربة. وبشكل عام خرجت الوزارة نهائيا عن دورها "الشكلي" فما بالك بالقضايا الجوهرية كالقيام بالمبادرات وتقديم الأفكار الجديدة ووضع الاستراتيجيات وخطط التنفيذ، فالوزراء مجرد كتبة ينفذون ما يملى عليهم، والخارجية والإعلام مراكز"حساسة" لا بد للعاملين فيهما من إثبات الولاء وخدمة الحاكم والبطانة. 
من هنا نفهم سلسلة الإرباكات التي تعرض لها الوزير في عمله وخاصة مع الديوان الذي يعتبر نفسه وريثا لسابقيه، في عملية استنساخ الماضي التي طبعت التجربة وساهمت في البلبلة والتذبذب الذي يتحدث عنه الكتاب؛ وقد مرَد مديرو الدواوين الرئاسية المتعاقبون على خلق مراكز من العاملين حولهم ممن ليس لهم عمل ولا مكاتب لتدمير الوزراء، بمتابعة عملهم اليومي غير متورعين عن استخدام الكذب، حتى يتسمم الجو ويسود الشك. ومن المحزن أن ذلك يسبب الضرر الكبير لعلاقات موريتانيا والتزاماتها ومواقفها. ويُحسب للوزير تثمينه للنتائج الإيجابية التي تحققت وإسداءه خدمة جليلة بالكشف عن الاختلالات التي عانت منها مؤسسات الدولة: رئاسة ووزارات وبعثات دبلوماسية؛ كما يؤدي واجبا بإطلاع الرأي العام على عمل الحكومة وسياسات البلد ومواقفه؛ لكن المقام لا يتسع هنا لسرد ما أورد.
  ومنذ الوهلة الأولى يسجل الوزير "أن قطاع الدبلوماسية أساسي، إلا أنه في حال يرثى لها، فموريتانيا تُبحر بدون رؤية منذ 1978 بلا سياسة خارجية واضحة أو منسجمة، ترتجل حسب الظروف، وهي لا تستطيع أحيانا الوفاء بالالتزامات التي تتحملها بين الحين والآخر، ووجودها في المحافل الإقليمية والدولية شكلي، فكما قال فيصل القاسم "لا تُستشار عندما تحضر ولا تُنتظر عندما تغيب" ومن ذلك أيضا ما جاء في تقرير بعثة من صندوق التنمية التابع للأمم المتحدة زارها سنة 2000: "إن موريتانيا المتأثرة بالثقافة العربية والإفريقية لا تنتمي لأي منهما". أما على المستوى الإداري فإن الوزارة ملغومة من الداخل على مدى جيل على الأقل بسبب العدد المفرط من العمال عديمي الكفاءة. والإمكانيات الموجودة على قلتها لا توزع بين البعثات حسب ارتفاع المعيشة ولكن حسب تأثير رئيسها".
لقد كانت الورقة الرابحة التي يملكها الوزير لتغيير النظرة السلبية إلي البلاد وإقناع الشركاء من أشقاء وأصدقاء بالدعم والمؤازرة هو إقامة مؤسسات ديمقراطية حيث "شكلت الهالة التي تمتعت بها البلاد صبيحة إقامة المؤسسات الديمقراطية ورقة رابحة" عكسا لما نتذكره عن الورقة التي كان معظم من يصل إلي السلطة بانقلاب يقدمها للمانحين أن الخزينة فارغة لا تتوفر على ما تدفعه رواتب للعمال. وظل يشرح لمحاوريه المزايا التي يمكن أن تُجنى من احتضان التجربة الموريتانية الجديدة سواء في إفريقيا أو العالم العربي أو بقية العالم الذي تتشابك مصالحه، إضافة إلي تعزيز العلاقات مع المحاورين وفتح مجالات للتعاون المثمر، وأنجعُه المنظمات الحكومية التي "توفر الإطار الأمثل للتعاون الدولي. فالدول الصغيرة يمكن أن تحقق تأثيرا يتجاوز بكثير حجمها الحقيقي إذا استغلت التحالفات الجهوية أو السياسية التي تنتمي إليها لتوسيع تأثير مواقفها". وكانت الأسبقية للدبلوماسية الجديدة هي الإسهام في النمو الاقتصادي والاجتماعي الذي له تأثير على حياة الشعب المنتظر لما يساعده، لأن موريتانيا هي رقم 155/177 دولة فقيرة في العالم، تنتمي إلى المجموعة الرابعة الأكثر فقرا. وكان أول ما استهدفه التوجه الجديد: المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء خاصة الدول المجاورة، والعالم العربي، مع التركيز على دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما تجسد في الزيارات التي قام بها الوزير لهذه الدول.
أفكار ومبادرات
يتميز الكاتب بروح المبادرة وخصوبة الخيال الفكري حيث لا نجد فصلا خاليا من فكرة أو مبادرة، ومن ذلك:
- السعي لإقامة فريق باسم "أصدقاء الديمقراطية في موريتانيا" يكون راعيا للتجربة الديمقراطية وضامنا لاستدامتها، مؤلف من الشركاء الرئيسيين (ألمانيا واسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا) على أن تلتحق بهم دول أوروبية أخرى (إيطاليا والنرويج والسويد)، واقترحت أن تلتحق بهم ثلاث دول إسلامية (ماليزيا وقطر وتركيا) وقد رحب بالفكرة دون تردد رئيس وزراء إيطاليا، كما رحبت بها الدول الأخرى، لكن بعضها طلب مهلة زمنية للدراسة. وقد أحسست التردد لدى مستشار الرئيس بوش للشؤون الإفريقية. وعلى كل فأزعم إنني لو تابعت هذا المشروع أكثر لأمكن إنجازه. ولو تحققت إقامة هذا الفريق لكان لها تأثير على الأحداث اللاحقة."
- إقناعه مجلس وزراء اتحاد المغرب العربي بأن يقدموا لموريتانيا الدعم الذي تحتاجه على غرار ما يفعل الأوربيون مع الدول الأقل نموا، لذلك قرروا "عقد ندوة المستثمرين المغاربيين ونظرائهم من مجلس التعاون الخليجي في نواكشوط. إضافة إلى سعي الوزير الليبي إلى أن يقوم رؤساء الدول المغاربة بزيارة موريتانيا معا، ولو تم لكان له وقع كبير، ويساعد على إحياء مؤسسات الاتحاد الميتة منذ فترة طويلة، والمبنية أصلا على خطأ، وهو تساوي الأعضاء في المساهمات، حيث استحت موريتانيا من أن تثير وضعها الخاص، انطلاقا من نظرتها لقيمة الكبرياء، المتناقضة اليوم مع القواعد التي تسيّر المجتمع الدولي، إذ لا يمكن لأية مجموعة أن تطلب من أعضائها دفع ما لا طاقة لهم به"
- السعي لخروج موريتانيا من اللاموقف من مشكلة الصحراء الغربية التي نعتبر - مثل الجزائر - مهتمين بها، فلا نزيد على تكرار عبارة "إننا مع كل حل يرضاه طرفا النزاع" أمام جميع الزوار مما يجعل من غير المجدي لنا وللأطراف الأخرى والوسطاء كالأمم المتحدة تبادل الرأي معنا. فقد حان الوقت لتكون موريتانيا حاضرة في هذا الملف الذي يرهن مستقبل العلاقات المغاربية والاتحاد المغاربي، ومن ثم مستقبل شعوبنا. وقد أشار الوزير إلي أنه لم يفصح عن بعض الأفكار التي طُرحها على الرئيس في هذا الشأن، وذلك - ربما - ضمن التزامه بأن لا يكشف ما قد يكون له تأثير على مصالح البلاد.
-  - اقتراح المشاركة في قوات الأمم المتحدة في دار فور، مما سيعزز مكانة البلاد في الأمم المتحدة ومع الشركاء، وترشحها لمقعد غير دائم في مجلس والذي تخلت عنه لليبيا رغم معارضة الوزير. وكان الرئيس معاوية بن الطائع قد عرض سنة 1992 إرسال كتيبة إلي دارفور ضمن قوات الأمم المتحدة لكن أمريكا رفضت بسبب تبعيّات موقف موريتانيا من احتلال الكويت.
- عقد اجتماع وزاري لمجموعة (5+5) حول التضامن الرقمي في يونيه 2008 بنواكشوط.
- التمكن من إدخال موريتانيا في مجموعة الشراكة الأورو-متوسطية بعد عشر سنوات من التأجيل.
- إقناع الصين الشعبية بتحويل المساهمة السنوية في ميزانية الدولة إلي تشييد أبنية عمومية.
- حرصه في مؤتمر آناپولي المنعقد في رحاب الحكومة الأمريكية بواشنطن في نومبر 2007 على أن يتحدث عن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 حول تقسيم فلسطين، وهو ما لم  يقم به أحد حتى أصحاب الشأن.
وقد خصص الكتاب صفحات عديدة للعلاقات بين موريتانيا ودول الجوار، حيث يُلاحظ تعقيد تسييرها لأسباب موضوعية أحيانا ونفسية وتراكمية في كثير من الأحيان، لذلك نرى حرصه الشديد على أن يتعامل معها جميعا بالندية، فقد رد علي الرئيس – بشأن - وشاية نمت إليه عن رسالة حادة قد يكون وجهها إلي الرئيس الدوري الليبي لوزراء خارجية اتحاد المغرب العربي، يرفض فيها قرارا لم يُستشر عليه - قائلا "إن دولة لا تحرص على أن تُحترم ليس لها شركاء وإنما أوصياء، وبالتجربة، فإننا لن نكسب احترام تلك الدول بابتلاع الأفاعي، وأرى أن على الدولة الصغيرة أن تكون أحيانا متشددة وإلا فإن شركاءها سيتجاهلونها تماما. واخترت بهذه الرسالة أن يحترم الآخرون القواعد التي وضعناها معا. فالمثل الصيني يقول إن السمك الكبير يبتلع الصغير الذي يتغذى بدوره على القريدس؛ وفي المغرب العربي نحن "القريدس" لكن علينا اليقظة حتى لا نُؤكل. وقد قدم الوزير الليبي للسفير في طرابلس الاعتذار، فأبلغ السفير الرئيس بعد ذلك أنه لم يشعر بالتقدير إلا بعد تلك الرسالة"
ويلفت النظر في الكتاب المعرفة الدقيقة بتاريخ البلاد التي زارها على تنوعها، فقد ذكّرنا بأن دمشق هي أول مستوطنة بشرية على أرض المعمورة وأن صنعاء أول عاصمة في التاريخ، وبمكانة الشناقطة في السودان، ولم يبق له إلا أن يذكّرنا بمحمد صالح الشنقيطي رئيس أول جمعية تأسيسية فيه قامت بإعلان الاستقلال وصادقت على دستوره، ولا شناقطة اليمن والأردن والكويت ومصر وليبيا، ولعل ذلك من باب توخي الاختصار، كما نبهنا إلى أن أول دستور حديث في العالم العربي هو ما استنه البايْ محمد الصادق في تونس عام 1861 مما يفسر رفض شعبها لخنق حرياته.
 ويضاف إلي هذه الميزات التمكن من الأساليب التي يُتعامل بها، من ذلك طلبه لعدد من القادة التدخل لتحسين علاقات موريتانيا مع دول أخرى، والحضور الذهني لتصحيح معلومة أو إسهام في حديث أو تنبيه خلال لقاءات يحضرها بين الرئيس ونظرائه؛ وتلك أيضا من مهام وزير الخارجية في الأنظمة غير الاستثنائية.
**
يضم كتاب الأمل الخائب مقدمة وتسعة فصول هي: وزير الخارجية، وضع التوجيهات المحدِدة للسياسة الخارجية موضع التنفيذ،مجلس الأمن، إسرائيل، قضية الصحراء الغربية، اللجنة الوزارية المكلفة بعودة اللاجئين، وحل الإرث الإنساني، إصلاح وتحديث الجهاز الدبلوماسي، نتائج مشرفة، الستار الحديدي.
لقد عالج الوزير جميع هذه المواضيع بعمق لأنها كانت في صلب مهامه وأشبعها تحليلا، عارضا وجهة نظره وما أنجزه وما لم يتمكن منه، والعقبات التي واجهته، والنواقص التي تعاني منها وزارته، مع ربط المشهد كله بالموضوع الجوهري، وهو التجربة الديمقراطية ومآلها المحزن، موضحا دور كل اللاعبين، ومحددا لكل منهم مسؤوليته وعلى رأسهم الرئيس سيدي محمد بن الشيع عبد الله. وبذلك يرفع سقف النقاش السياسي، الذي ظل متقوقعا حول الهم اليومي، واجترار معلومات قديمة مجتزأة، وتخمينات، دون تحديد المسؤوليات. وينبغي أن يشكل الكتاب إغراء للسياسيين وخاصة أقطاب التجربة المعنية بالإدلاء بدلوهم.

غرائب وطرائف

- توعُّد الرئيس الفرنسي نيقولا سركوزي لأحد معاونيه أمام رئيس الجمهورية ووفده في الأليزى!
- إبدال كاتب الدولة الفرنسي لاسم الرئيس وبحضوره باسم وزيره الأول الزين بن زيدان ثم تصحيح الخطأ.
- العثور على اتفاقية بين موريتانيا وجزر الرأس الأخضر بشأن الجرف القاري بينهما سنة 2003، حيث قُدمت للبرلمان لإجازتها، حتى نتمكن من مد مياهنا الإقليمية 200 بحري طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق البحار.

تصويبات

أقيمت العلاقات مع سوريا سنة 1966 وسبقتها مصر بسنة، ولم تقدم من المساعدات إلا في الثمانينات وهي كلها في مجال المنح؛ أم سفيرها فكان في نواكشوط سنة 1987.
- جاك لبريت هو ثاني سفير لفرنسا لدى موريتانيا بعد الاستقلال.
- قطعت موريتانيا علاقاتها بإيران بعد العدوان على موكب أمير الكويت أمام قصره، حيث كلفت بإعداد "تقدير موقف" حول الموضوع، نصحت فيه بعدم القطع، وقبل أن أسلمه بساعات أُذيع القرار!.


الأحد، 21 أكتوبر، 2012

أوراق عن أژواد/ الثانية عشرة/ قبائل الطوارق


يتوزع الطوارق على التقسيمات الاجتماعية المعروفة لدى إخوانهم وجيرانهم العرب من حيث تركيبة الهرم الاجتماعي، فهنالك على رأسه حمَلة السلاح أصحاب السلطة السياسية، وتمثلهم عدة قبائل تتفاوت في الأهمية موزعة بين مناطق إقليم أژواد الشاسع، ثم حملة القلم إيڴلاد (الزوايا أو الطلبه) ويتمتعون بالنفوذ نفسه الذي لأمثالهم من العرب، ثم تأتي الطبقات الاجتماعية الأخرى من أتباع أو تياب متحالفين، إضافة إلى الصناع التقليديين الذين هم في الآن نفسه أصحاب الفن والطرب، ثم بيلاّت وهم الأرقاء السابقون.

ويتحدث غالبية الطوارق بلغة تماشغ التي تكتب بحروف تيفنياغ التي يعود للطوارق الفضل في المحافظة عليها، وهي اليوم المعتمدة في الفضاء الأمازيغي من غرب مصر (واحة سيوه) إلى المغرب الأقصى. وينحدر الطوارق حسب أغلب الباحثين من خمس هجرات متتالية إلى الصحراء الكبرى وحتى ضفاف نهر النيجر، وهي لمطة وهواره (القادمة) من غرب ليبيا ومسوفه أو كل تادمكت، وڴداله ولمتونه. ومن هذه القبائل انحدر إلمْدَنْ الحاليين وكل تادمكت وإڴلاد والفروع التابعة لها.

وكان لمطه هم أوائل الطوارق الذين احتلوا المناطق الواقعة غرب الأيَر في نهاية القرن السابع الميلادي، ومنهم انحدر إلّمدن - كما سلف - وقد جاءوا من منطقة طرابلس الغرب، بينما بقي جزء من القبيلة في أماكنها الأصلية، بينما اتجهت أفخاذ منها إلى جنوب المغرب وإلى تْوات، ولحقت بها قبيلة هواره التي احتلت المناطق الجبلية للصحراء الوسطى، ومنها انحدر الهوڴار. وكانت لمطه هي التي انحدرت منها أول سلالة حكمت لمدة قرن (ابتداء من 1009م) نهر النيجر، متخذة من منطقة ڴاوو الحالية قاعدتها. أما مسوفه فكانت هجرتهم في القرن الثامن مع بداية الفتح الإسلامي للمغرب العربي حيث احتلوا معادن الملح في تغازه قبل أن يسيطر عليها البرابيش، واستقر أحفادهم أي مسوفه في منطقة افَاڴيبين (رأس الماء) أما كل تادمكت فقد استقروا في منطقة تِلمسي في الشمال الشرقي لڴاوو، وكان ذلك حسب عديد من الباحثين مع بداية التاريخ المسيحي، وأنشئوا مدينة بهذا الاسم يقال إن معناها: شَبِيهَةُ مكّة. وعندما هيمن العرب عليها عبر تجارهم ودعاتهم أيام قيام دولة المرابطين في الغرب سموها السّوق، وأصبحت مركزا للتبادل ورحلات القوافل بين منطقة النهر وروافده وطرابلس وتوات، وصارت مركزا إسلاميا كبيرا، منه انطلقت الدعوة عبر نهر النيجر إلى بعض مناطق الجنوب في بوركينا فاسو الحالية وبنين وغرب نيجيريا.

وكان من ضمن القبائل التي حملت لواء الدعوة مجموعة من أصل شريف هم إفوغاس المنتمين إلى إدريس الأول، ومنهم أُطلق الشرف على عدد من المجموعات المرتبطة بهم، وعرفوا بلقب كلسوق (كل السوق) نسبة إلى المدينة إلى الحاضرة، وانطلاقا من القرن العاشر الميلادي اتجهت قبائل إفوقاس وكلسوق إلى ما يعرف اليوم بآدرار إفوقاس، بينما اتجهت مجموعات من سكان كل تادمكت إلى الجنوب واستقرت في الضفة اليمنى للنهر مقابل ڴاوو.

وقد وصلت بعض قبائل ڴداله ولمتونه في القرن الحادي عشر إلى نواحي تنبكتو، وارتبطوا بالهجرات العربية الحسانية القادمة من جنوب المغرب وشمال موريتانيا، إليهم تنتسب قبائل كلنصر.

وإذا ما عدنا إلى خمسينات القرن الماضي نجد أن القبائل الطارقية موزعة كالتالي:

أولا - إڴلاد (الزوايا) وأتباعهم

1. كلنصر، ويعود نسبهم إلى أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم لكن استقرارهم في وسط الطوارق جعلهم يتحدثون لغتهم ويتماهون معهم في العادات والتقاليد ومن ثم فهم مثال للقبائل العربية التي (تطرقت) وينتشر التعليم العربي والإسلامي فيهم بكثرة، ومنهم اشتهر علماء وشعراء، وينقسمون إلى الأفخاذ التالية: الشرفاء، كل تچبس، إنتابن الفاو، إيدنان، كل تاشرير، كل أوروزيل، كل رزاف، بانكور، إدكاكامن، إنتابن هانيبونڴو، كل تينتوهون، كل إنتابوريمت، كل دوكونى، إنتاچيت، كل تينبوكري، كل أبوكاخ، كل إينوكندر ويطلق على هؤلاء كلنصر الغرب، وجيرانهم البرابيش؛ أما كلنصر الشرق الموجودون في تلمسي فيتألفون من: كل حامد طال، كل هَندا هَندا، كل إنكومّن، كل انتورشاون، كل إنابالاهن، إنتّولك، كل إيناڴوزم، كل إمڴشارن (مغشاره) كل غزان، كل إيبادان، كل إنچارن، وهؤلاء جيرانهم كنته. وينتجعون في الوسط وكذلك الغرب حتى ڴوندام.

2. كل هوسا، ويضمون الأفخاذ التالية:كل هوصه الأصليون، كل كمرت، كل طاهروديان، كل تنبوراق، كيلَيْ، كل تينتهون، كل تاداك، كل إندابي، كل طبقات، شرفاء ڴلاڴه، كانيْ، هنڴبير، بيبى فاڴبين.

3. شريفنغ (الشرفاء) وهم عرب تطرقوا، لكن الكثير منهم ما زال يحتفظ بشجرات نسبه العربية، ويوجد البعض منهم في كورمه مع كنته أو إفلان، والباقي في الصحراء، ويتوزعون إلى عدة أفخاذ:إنَتابن، كل إواطه، فاتي كويْ، كل هديده، داباروكويْ، كل أراڴونڴو، بيلّة دبي، بيلة فاڴبين.

ثانيا - قبائل الشوكة وأتباعهم


إن مواطن القبائل ذات الشوكة، الرئيسية المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية، وهي التي ظلت تاريخيا تهيمن سياسيا وعسكريا على معظم الإقليم، حتى وصول الفرنسيين مع نهاية القرن 19، ومن أبرزها:

- - إيلّمدن وكانوا أهل الإمارة، وينقسمون إلى غربيين وشرقيين، معظمهم اليوم في مالي والباقون في شمال النيجر، وجنوب الجزائر، ويتوزعون إلى:إموشغ (النبلاء) كل إهارن، كل تهيتات، إغطافنن، إلوغمان، إودالن، إمنان، إمغران، إشد نهارن، إمضضغن، كل ولي.

إفوغاس، وهي قبيلة عربية شريفة تنحدر من إدريس الأول، وكانت من قبائل مدينة السوق التي ورثت مدينة تادمكت بعد اندثارها، وقد انحدر منها العلماء والصالحون، وإليها ينتمي العام والمربي الشهير سيدي عالي بن النجيب شيخ الشيخ سيدي المختار الكنتي. وبالإضافة إلى هذا الدور فهي قوية الشكيمة مهابة الجانب، تستوطن بشكل رئيسي في جبال آدرار (آدغاغ) وتيمترين على الحدود مع الجزائر، التي لها امتدادات بها وكذلك النيجر. وانطلقت منها على مدى التاريخ جميع الثورات والانتفاضات ضد الفرنسيين ثم ضد الحكومة المالية، حتى الثورات المعاصرة والحالية التي يقود أبناؤها أجنحتها الرئيسية اليوم: حركة أنصار الدين وحركة تحرير أژواد.

ويتوزع إفوغاس من الأفخاذ التالية: كل تينبوكورت، كل أباغ، تل كاتن، إيريَڴين البيض ويشتعينين، إيريَڴين الكحل ويلينين، إيبهاون، إيمزڴرن (أهل الذكر) إفرقومس، إيقلاد، إيمدّدغن (يسكنون النهر مع إمغاد) تاراقازا، كل تلميط، كل تشادّين (أهل النخل في تسليت)إبراهيم الدغوغي، الأنصار، والبعض من إفوغاس يسكن النيجر وهم كل تَدَينْ، كل تغليت، يقضاض (الطيور) ومن القبائل المنضوية تحتهم: إڴدلن (ڴداله) أهل السوق (بعض من كل السوق) إيدنان، كل تغليت، إرڴناتن، الكناته (من كنته) إيضبيلالن، يغوزاون، إمغاد وهم أتباع من قبائل شتى، كل أغلال، إيبوعلليتن، إينهاضن (حدادون) وولاؤهم لكل القبائل.

- الهڴار وهي على الحدود المالية الجزائرية، وقاعتها اليوم في تمنغاست بالجنوب الجزائري، ويوجد البعض منها داخل الشمال الشرقي لأژواد، ومن فروعها: كل أغلال، كل أغري، تاغت نلت.

- إيدنان، ويضمون: تالكاست (وهم من الأنصار) إينهرن (الغزلان) تايتوق، كل تيرغست.

- إدوسحاق: وهم من أصول عربية، ومن قبائل العلم.

- كل السوق: تحدثنا عن مكانتها العلمية التي ما تزال قائمة، ولها فروع متفرقة بين قبائل أژواد العربية والطارقية، ويتحدثون العربية إلى جانب تماشغ.

- شَمنمّاس (شام أنماس = الشام الأوسط) وهي من أصول عربية وتنتجع في الوسط وفي أقصى الجنوب حتى بوركينا فاصو.

- إمغاد، وهو خليط من أتباع جميع القبائل ويوجدون بين قبائل الطوارق والعرب. يتبع

**

للمزيد من الاطلاع يمكن الرجوع إلى:

1. HAUT- SNEGAL – NIGER T 1Paris Maisonneuve et larose 1972

2. PAUL MARTY: les kounta de l,este – les brabiche les iguellad, T.1ernest leroux paris 1920.

3. PAUL MARTY : la région de Tombouctou , T.2-

4. صحراء العرب الكبرى لمحمد سعيد الكشاط دار الرواد طرابلس – ليبيا 1994.

5. أژواد أو صحراء التينرى " " "مؤسسة ذي قار سنة 2000.



























الثلاثاء، 16 أكتوبر، 2012

أوراق عن أژواد/ الحادية عشرة/ قبائل أژواد العربية

أبدى عدد من المتابعين الرغبة في معرفة تفاصيل عن قبائل أژواد، لذلك سنخصص هذه الحلقة لاتحاديتي البرابيش وكنته التيْن يتوزع بينهما عرب الإقليم.

أ - البرابش

كما أشرنا إليه في الحلقة الأولى من هذه السلسلة فإن أولى الهجرات العربية إلى أژواد كانت البرابيش في القرن 15م، حيث قدموا من تخوم المغرب الجنوبية والصحراء وشمال موريتانيا عن طريق آدرار وتگانت والظهر، وهم البرابيش المنحدرون من حمٌّ بن حسان، والرحامنة المنحدرون من عبد الرحمن بن حسان، أو من رزق بن حسان، ويشكل الفرعان العمود الفقري للاتحادية إلى جانب مجموعات وأسر من أصول شتى منها من ينتمي إلى عرب المعقل، نعبر عنهم بالأصليين، بينما ينحدر الباقون من أصول مختلفة تدل عليهم أسماؤهم، انضموا للاتحادية وأصبحوا جزءا منها إما كحلفاء أو أتباع.

التقسيم

أولا - أولاد سْليمان: مؤلفون من: أولاد سْليمان الأصليين (أهل رحال، أهل مرزوق بن الشيخ، أهل يوسف الكبار، أهل يوسف الصغار) أولاد سْعيد، النهارات، الرتيبات، أهل النفع، أهل منصور، أهل السلام عليكم.
2 - أولاد غيلان:
 أولاد غيلان الأصليون (أولاد أحمد ولد إبراهيم)، أولاد عبد الله ولد إبراهيم، أولاد بوخْصيب (أهل المجيد، الخميرات).
3 - أولاد إيعيش: أهل القوني، أهل حمّ، أهل الحسن.
4 -  أولاد إدريس: أهل مْبارك، أهل عْماره، أهل حموداد، أهل بله، أهل اعلي موسى، عْريب.
5 - أولاد غنام: أولاد معريك، أهل الحسين، أهل حماد، أهل حدي، أهل بجه، أهل بده.
6- أولاد عمران: أهل الهادي، أهل الكوري، المحافيظ.
7 – الگوانين الكحل: أهل بلال، أولاد محمد ولد سيدي احمد، ياداس
8 – الگوانين البيظ: أهل دخنان، أهل الراحل، أهل اميلاه، أهل بو ابْعير، أهل هيمه، أهل اعلي ولد ماما، أهل عمر، أهل أحمدو.
9 – رگان: ياداس، الزريبة، أهل بكار.
10 – السكاكنة: أهل بوصْبيع، أهل الكنيبي، أهل كيجاجا.
11 – أهل أروان: بني سيدي احمد بن صالح (سكان القصر) بني احمد بن أيَر، الحيسة، أولاد بوهدة، النواجي، الوسرة، تجكانت وهؤلاء كانوا من سكان بوجبيهه.
12 – أهل بو جْبيهه
وكان أول مقر حضري لهم أروان حيث أقام به الجد المشترك للعديد من أسرهم: أبو مخلوف ذو الصيت الشائع في القيادة والتدبير والاستقامة ليرتبط بشيخ أروان المعروف الشيخ سيدي محمد آغ آدّه. وظلت سيطرة البرابيش قائمة على القرية حتى بعد وصول الفرنسيين، حيث  زارها كبولاني قادما من تنبكتو تمهيدا لمشروع إقامة مستعمرة "تْراب البيظان" لكن محمد بن مْهمد رئيس البرابيش رفض دخوله الدشرة فعاد خالي الوفاض إلى تنبكتو. 
وأرض نجعة البرابيش واسعة تشمل الشمال الغربي لأژواد من أروان حتى تنبكتو، وغربا حتى العكلة، وجنوبا إلى منطقة الأبيار ورأس الماء أحيانا. وبشكل عام يستخدمون آبار انغارن وإنبلاشا وتنغ الحي وإمراتن وتينتاكونت والحجيو ويشتركون فيها مع قبائل أخرى، أما الگوانين منهم فينتجعون عادة قرب تنبكتو.

ب - كنتة 

أشرنا في الحلقة الأولى إلى أن الهجرة الكنتية إلى أژواد كانت سنة 1130هـ 1717م انطلاقا من الساقية الحمراء، عبر تْوات والحنك وأرڴشاش.
التقسيمات
أولا – كنتة الصحراويون:
تنقسم كنتة الضفة اليسرى (لنهر النيجر) أو كنته الصحراويون (أژواد وآدرار إيفوقاس وتيمترين، إلخ) إلي أربعة أفخاذ كبرى هي الرگاگده وأولاد سيدي المختار والهمال وأولاد الوافي؛ وتتداخل مناطق نجعة هذه الأفخاذ الأربعة بصورة حميمة، كما أن معظم الآبار هي آبار عامة لهم. ويبلغ عمق الآبار عموما بين 50 و90 مترا وتحتوي غالبا على مياه غزيرة، وتكون المراعي بعلية جافة ووفيرة.
أ– الرگاگده : ينقسمون إلي ثمانية أفخاذ فرعية أصلية، يتبع كل واحد منها مخيمات تابعة سواء عربية أو طوارق (إيمغاد) وحتى من إيفلان، ويعرفون أيضا بالتلاميد.
والأفخاذ الفرعية الأصلية هي وحدها التي تعد من أصل كنتي، ويتألفون من حيث المبدأ من ذراري محمد الرقاد، الجد الجامع، المنحدر من سيد أعمر الشيخ بن الشيخ سيدي أحمد البكاي دفين ولاته (920 ه-1514 - 15م) بن سيد مْحمد الكنتي الكبير (القرن 8 هـ 14م) دفين فصك في تازيازت بن سيدي عْلي دفين تْوات في الجزائر، والأفخاذ هي:
  1 -  أهل سيدي الصديق    ( أصليون) 15 خيمة
      أهل عبد المؤمن20 خيمة
      تركزْ 10 خيام
      أولاد عمران 20 خيمة
      أهل لعليبات 14 خيمة
      أولاد البكاي 08 خيام
      أهل النهارات     06 خيام
2 – أهل سيدي علي بن أحمد ( أصليون) 14 خيمة
      الأمهار 16 خيمة
      أهل اگليله 10 خيام
      أهل آمينوكه 07 خيام
 3 - أهل سيدي بن 25  خيمة
      أهل بوزكري     14 خيمة
       أهل كومة 04 خيام
      أهل الطالب الأكحل 08 خيام
4 – أهل سيدي الشيخ ( أصليون) 10 خيام
      أهل خطري 18 خيمة
      أهل عبد الله 06 خيام
5 – أهل سيدي يحيى ( أصليون)20 خيمة
      أهل بيكن 06 خيام
6 - أهل سيدي المصطفى ( أصليون) 04 خيام
     أهل عُمر 07 خيام
7 – أهل الفيرم (أصليون) 05 خيام
8 – أهل لحبار ( أصليون) 07 خيام
وينتجعون إجمالا بين أروان إلى توزاي، ولهم مركز على مسافة 250 كلم شمال شرق تمبكتو، وبه آبار غزيرة المياه.
ثانيا – أولاد سيدي المختار

 ينقسمون إلي الأفخاذ الثانوية التالية:
1– أهل سيدي بادي (حمادي) 45 خيمة
2 – أهل سيدي بو هادي     11 خيمة
3 – أهل سيدي مينه ( سيدي عبدي) أصليون 16 خيمة
4 – أهل حمو صالح 20 خيمة
5 – أولاد زيد 13 خيمة
6 –لمازيّل 10 خيام
7 – أهل الطالب محجوب  وهم تلاميذ    10 خيام
وكانوا في الأصل تابعين لإلمدن، لكنهم يتحدثون تماشغ

ثالثا – الهمال
ينقسمون إلي الأفخاذ التالية:
1 – أهل علواته (بكل) 10 خيمة
2 – أهل سيدي موسى أصليون    15 خيمة
- التوابير 20 خيمة
أهل شيخنا 10 خيمة
النورات 10 خيمة
النهرات 07 خيمة
رابعا– أولاد الوافي
يؤلف أولاد الوافي حاليا أكثر أفخاذ كنتة عددا، أي حوالي 648 خيمة. وينقسمون إلي عشرة أفخاذ، ويطلق على الثمانية الأولى اسم أهل الشيخ ويؤلفون أول مجموعة، ويتألف التاسع من أهل محمد ول احمد، ويشكلون مجموعة ثانية، وفيما عدا هاتين المجموعتين، اللتين تؤلفان نوعا من مجموعة ثانية، هناك الفخذ العاشر، وهم أولاد ملوك، وهم حلفاء قدماء، منحتهم السلطة الفرنسية استقلالا كاملا.
التقسيمات
1 – أهل بادي ( أصليون) 05 خيام 
      الأمهار 25 خيمة
      مشظوف 25 خيمة
      لادم 07 خيام
      الطرشان07 خيام
      دورق 15 خيمة
      تاگاط 05 خيام
      تدابوكه     20 خيمة
      بْدوكن 17 خيمة
      أولاد بن عمار 14 خيمة
      إيفلان 10 خيمة
وينتجعون في عين أوكر وكرشول واتناسيت ويصلون ضفاف النهر.
2 – أهل عابدين ( أصليون) 05 خيام
     الأمهار 15 خيمة
     لادم 10 خيام
     لعريم وياداس والزخيمات والتوابير 25 خيمة
وينتجعون في كرشول وتاسيت وأغاروش وآمراس واسكنت وتابنويت وتيلمسي.
3 – أهل الشيخ سيدي البكاي ( أصليون) 04 خيام
      أهل التمري 25 خيمة
      ياداس 10 خيام
      أهل الأزرق 07 خيام
      أهل الفلاني 07 خيام
وينتجعون في كرشول واتناسيت وتاركنت وآمغاز وﻤﭽاگلت ومرزفال وأفايس.
4 – أهل بابا ولد سيدي بابا أحمد (أصليون في البدء) 25 خيمة
      أولاد زين العابدين ( أصليون في البدء) 15 خيمة
      أهل سيدي بادي ( أصليون) 10 خيام
      لادم 20 خيمة
      أوريلة ايمانيس20 خيمة
وينتجعون في وادي اكرر، وأصكان وتبنكورت.
5 – أهل باي ( أصليون)     20 خيمة
      إيفلان 36 خيمة
      لادم 05 خيام
      التلاميد     15 خيمة
وقد غادرهم إلى كنتة النيجر بسب الاحتلال أهل علوه (4 خيام) وأهل الركوه (6  خيام) وأهل بركه خيمتان وأهل عابدين آغ طالبي خيمة واحدة، أولاد سيدي أحمد (3 خيام) أهل الطالب عْلي (4 خيام). ويقصدون في نجعاتهم آدرار ايفوقاس ولا سيما تكلوت.
6 – أهل بابا ولد الشيخ سيدي محمد (أصليون) 05 خيام
      ترمز      (أصليون)45 خيمة
      النهرات (أصليون) 15 خيمة
      الحبوس (أصليون)20 خيمة
7 – أهل سيدي الأمين (أصليون) 03 خيام
      إيفلان 03 خيام
وينتجعون في تفاريست.
8 – أهل الشيخ سيدي أعمر  06 خيام
      تجكانت 10 خيام
     أهل توات 15 خيمة
     أولاد سْعيد 10 خيام
     دورق06 خيام
     أهل العطاري 06 خيام
     حرطان (حدادون)04 خيام
ينتجعون من غاروس إلى اسلاگ، ويقصدون في كثير من الأحيان آدرار إيفوقاس حيث يملكون أراض رعوية خاصة بهم.
9 – أهل محمد احمد ( أصليون) 20 خيمة
      أهل سيدي عبد الرحمن ( أصليون) 20 خيمة
ويدعى هذا الفخذ الفرعي أحيانا أولاد سيدي الوافي الأصليين، وينتجعون في اتناسيت وفي تفليست.
10 – أولاد ملّوك ( أصليون)  20 خيمة
        أولاد عمر  ( أصليون) 20 خيمة
        أولاد حديك  ( أصليون) 10 خيام
        أهل القبلة ( أصليون) 25 خيمة
ويوجد في إقليم دنك (النيجر) أكثر من ألف خيمة كنتية متمردة على الاحتلال، وينقسمون إلى مجموعتين حسب الأصل:
1-    فخذان رئيسيان: كانوا حلفاء سابقين لأهل بادي، الذين ردوا عليهم استقلالهم، وقد ذهبوا نحو الشرق في عام 1890 في فترة الحروب بين كنته وإيلمدن، وهم درمشاكة الذين يضمون حوالي 400 خيمة وياداس الذين يؤلفون 200 خيمة، وحدد الفرنسيون في القرن الماضي إقامتهم في طاوه .
2-    أربعة أفخاذ كبرى، واثنان صغيران:
الاتواج، (300) خيمة، ويتألفون من- مجموعة أولى 30 خيمة
2- مجموعة ثانية 40 خيمة
3- مجموعة ثالثة 20 خيمة
     وكانوا ينتجعون في أطلگ، وفي عين إيتيسان وآدرار.
-    تاگاط وهم إجمالا 90 خيمة، وينتجعون في آدرار إيفوقاس.
خامسا: الطرشان ثمانون خيمة.
وتضم كنتة الصحراء 2229 خيمة وعشرة آلاف نسمة (1915)
ثانيا – كنتة گورمة ويدعون أيضا كنتة أريبنده (الضفة اليمنى للنهر) فهم أقل عددا بكثير من أبناء عمومتهم الشماليين. وبما أنهم يعيشون في وسط أقوام زنوج ويختلطون بهم عن طريق زيجات عديدة، فيظهرون شديدي التهجين. وهم ينتجعون في بحيرات العقفه: كورسي، گادو، دو، نيانگاي، هاريبنگو. ويزرعون في حقول يملكونها الأرز والدخن ولهم سبع قرى على ضفتي بحيرتي گارو وهاريبنگو.
وينقسمون إلي مجموعتين:
أهل بادي: ومعهم زوايا وأتباع أو إيمغاد. والأفخاذ هي شريفن (كل السوق) ايمورامن، أهل كاهيدي (برابيش) إيدنان، الحراطين الحمر، ايكايماداين، ايكورشاتن.
أهل سيدي علواتة
أهل سيدي علواتة الأصليون، أولاد ملّوك حراطين أولاد ملوك، ايدوفان (بيلّة: طوارق) ايبغاف بغافن المستقلون. وتضم كنتة گرمه ألفي نسمة من ثلاثة آلاف (1915).
ج - قبائل لم ترد أسماؤها في المراجع المذكورة

توجد بأژواد داخل الاتحاديتين الكبيرتين(البرابيش وكنته) وخارجهما خاصة في المراكز الحضرية، خيام وأسر من قبائل موريتانيا مثل:  تكنه، تركز، حم صالح، أولاد الملات (أولاد دْليم) المصادفه، الرگيبات، تنواجيو، آمگاريج، أولاد سالم، أولاد عمني، الگواليل (تجكانت)الرماظين (تجكانت) إدگجملّه، أهل بوردّه، ادگاربن، أهل السيد (أولاد بالسبع) إدوعلي، أهل باريك الله، لمرادين، اتمدك، أهل الطالب مختار، إديبوسات.









السبت، 6 أكتوبر، 2012

أوراق عن أژواد/ العاشرة/ خطر الانزلاق والفشل

رحب شعب أژواد في غالبيته الساحقة بتحرير إقليمه، واستبشر خيرا رغم ما عاناه جراء الاقتتال بين الثوار والجيش، الذي دفع فيه أثمانا باهظة، على رأسها النزوح الداخلي واللجوء إلى الدول المجاورة.
  وكان على القادة الجدد أن يتصرفوا كأبناء بررة لشعب مقهور ومشتت، لا بد من لمّ شمله وتضميد جراحه، وطمأنته على حاضره، وأن يسهروا على صون وحدته، وكسب ثقته، ويزنوا ما حملوه على عواتقهم من مسؤوليات جسام أمام الله والشعب والتاريخ والجيران  والعالم، حتى يثبتوا جدارتهم بما حققوا من انتصار.
ومن الغريب أن الثوار لم يضعوا في الحسبان ما بعد التحرير، إذ لم نر خططا جاهزة للسيطرة الفعلية على الأرض، وضمان استمرار المؤسسات الرسمية القائمة – على علاّتها – من إدارة ومصالح خدمية من طب وتعليم وزراعة ... وشرطة، لأن حياة الناس مرتبطة بها، وهي وسيلة الحاكم لضبط الأمور وصيانة الحقوق وبسط العدل والإنصاف، ثم العمل على إرجاع النازحين واللاجئين إلى أوطانهم، وطمأنة الجيران، وخلق جو من الثقة معهم سعيا وراء بسط السلم والأمن والاستقرار في المنطقة، والتعاون مع المنظمات الإنسانية والإغاثية، مما سيعتبر رسالة طمأنة إلى العالم، وبالتالي إزالة مسوغات العودة إلى الأوضاع السابقة، ونزع فتيل التدخل الخارجي.
لقد خاب أمل الكثيرين من أبناء أزواد والمتعاطفين مع قضيته ممن كانوا ينتظرون السير في هذا المسلك، رغم تفهم طبيعة تكوين الحركات الأژوادية والظروف التي انطلقت فيها للإجهاز على الجيش المالي، وكذلك الوضع داخل الإقليم، وعلى الخصوص إرث العقدين الأخيرين من الفوضى والتخريب. نعم ضاعت فرصة ثمينة خلال الأشهر الستة الماضية، وزاد الوضع تعقيدا. فقد ظهر إلى العلن الخلاف بين الحركتين الرئيسيتيْن التيْن قادتا الحرب وحققتا الانتصار: الحركة الوطنية لتحرير أزواد وأنصار الدين، بمآزرة بعض كتائب القاعدة في الغرب الإسلامي .
ولولا أن قادة الحركتين ينتمون إلى المجموعة التي ظلت رأس حربة النضال منذ الستينات: إفوقاس، بل يرتبطون بعلاقات قرابة مباشرة وتجمعهم المصاهرة لكانت عواقب الاختلاف مأساوية؛ وقد أُعجب المراقبون بأنهم وضعوا جانبا - منذ الوهلة الأولى - الاختلاف الإيديولوجي: العمانية والسلفية، وحافظوا على التشاور والتواصل الأُسري، واضعين نصب أعينهم قضية تحرير الإقليم. غير أن الصائدين في المياه الآسنة نجحوا في تعطيل سلاح أحد أجنحة النضال (حركة تحرير أزواد) بجرها إلى الدخول في مواجهة دامية مع مجموعة سلفية منشقة عن أحد فروع القاعدة في المغرب الإسلامي منذ العام الماضي (حركة التوحيد والجهاد) المكونة أساسا من عرب أزواد وموريتانيا وبعض أبناء دول الكور المجاورة، ومن بين قادها من هم متهمون بالضلوع في الاتجار بالمخدرات.
وحسنا فعل زعيم حركة أنصار الدين إياد آك غالي في البداية بنأيه عن هذا الصراع رغم أنه يقدّم كحليف لبعض الحركات الأصولية المسلحة، وفي الآن نفسه يعد أبرز قائد في إيفوقاس الذين يتزعمون - اليوم كما الأمس - قيادة الكفاح المسلح ضد حكومة بماكو، والذين إليهم تنتمي غالبية كوادر حركة تحرير أزواد أيضا.  وهذا التبصر قد يجعله الرابح من العملية بحيث استوعب دون عناء جميعَ مقاتلي الحركة التي فقدت قيادتها، فأضحت مجموعته الأقوى والأكثر تأثيرا في الإقليم، والأوفر صدقية لدى السكان بحيث أصبح أهم شخص يعول عليه لإيجاد حلول للأزمة عبر المفاوضات.
وقد لوحظ أنه بقي على مسافة من حركة التوحيد التي يصفها البعض بالجسم الغريب لا تهمها تطلعات السكان وهمومهم، خاصة أن غالبية الوسط الذي تتحرك فيه مؤلف من السونغي والفلان وغيرهم من السكان الكور في گاوو وادوينزا وبقية مراكز الضفة، فبدل الرحمة بالناس ومواكبتهم في حل مشاكلهم، وتقديم بديل أفضل عن السلطات السابقة، ساهمت في خلق فراغ في السلطة والأمن بعد تدمير الإدارة والمرافق الخدمية، وُأخذ عليها العديد من التصرفات غير المقبولة، كمضايقة الناس في حياتهم اليومية بل استعمال العنف غير المبرر. كل ذلك عزز الشكوك المثار حول دوافعها الحقيقية من وراء تنصيب نفسها "إمارة إسلامية" قيّمة على الدين الإسلامي وشريعته السمحة، مما دفع أعداءها إلى تحمليها مسؤولية تشويه صورة الأزواديين وحركاتهم الوطنية، في الوقت الذي هم في أمس الحاجة إلى تحسينها ليقبلهم العالم ويتفهم قضيتهم، ويساعدهم في توفير الطعام والماء والدواء للسكان. فبدل ذلك اندفعوا في خلق عداوات داخلية لا سبب لها و لا طائل من ورائها، ونجحوا في إثارة الكراهية والنفور منهم، عندما توجوا تصرفاتهم  بحملة تهديم أضرحة العلماء والصالحين اتسعت الهوة بينهم أيضا مع العالم الخارجي؛ الذي لم يتفادوا استثارته وخاصة الجيران مثل الجزائر.
وكما مر بنا في الحلقة الماضية فإن محللي مؤسسة كارنيغي يرون أن دوافع نفسية واجتماعية - من باب العلاقات الاجتماعية والتراتبية داخل النسيج الاجتماعي - من أسباب اندفاع أفراد في هذه الجماعة في نهجهم المتشدد ضد بعض المكونات الأخرى في المجتمع ورموزه الدينية، ذاكرين بالاسم الأمهار مع كنته وإيمغاد مع إيفوقاس؛ حيث يسعى هؤلاء الأفراد إلى الانتقام ممن يصورونهم المسؤولين عن "الغبن" الذي كانوا يعيشونه ضمن مجموعات قبلية، غير مدركين لقانون التشكل والانشطار، خاصة في المجتمعات الطارقية والعربية سواء في أزواد أو موريتانيا أو غيرهما. فالقبائل مهما كبرت تبدأ برجل يؤلف مع أسرته النواة الأولى، ثم يجتمع أناس من مجموعات أخرى حولهم، لحاجتهم إلى الحماية في ظل زعامة دينية أو نفوذ سياسي أو هما معا، فتتوسع الدائرة حتى تصير قبيلة، مع تباين في درجة الانصهار الداخلي بين قبيلة وأخرى.
وكما أشارت إليه الدراسة فقد وقعت إشكالات بين أفراد من إيمغاد وقبائل طارقية ذات شوكة، تجلت في بعض المواجهات، ووقع الشيء نفسه بين أفراد ينتمون إلى بعض أسر الأمهار وآخرين من أفخاذ إخوتهم في عشائر كنته الأخرى، بلغت حد الاقتتال بالسلاح، واستخدم فيها "المتظلمون" آنذاك شعارات تطالب "بالمساواة وانتهاء الهيمنة" لكن الأمر انتهى بالصلح، وتبين أن للحكومة ضلعا فيه. والواقع أن الأمهار - حاضرا وماضيا – هم أرومة عربية أصيلة، تحالفوا مع كنته واندمجوا فيها كعشرات الأفخاذ وآلاف الأفراد الوافدين، منذ عهود طويلة في موريتانيا وما يزالون كذلك، ومَنْ هم في أزواد يعيشون في تناغم كامل داخل عشائر كنته المختلفة، رغم ظهور إشكالات بين الأفراد بين الحين والآخر .
وفي زمن الشيخ سيدي المختار الكبير وقع خلاف بين الأمهار وأحمد بن محم بن بابا بوسيف رئيس أولاد بوسيف العام ، مما جعلهم ينضمون إلى مجموعات قبلية أخرى، فطلب أحمد من الشيخ التدخل، فأصلح ذات بينهم؛ بعد أن أعرب الأمهار عن استيائهم من الرئيس العام قائلين: إنه لا يعدّنا أحياء بل موتى، لا يستشيرنا في أمر ولا يدعونا إلى نائبة.. إلى آخر ما اعتذروا به، فلما قدم بهم الشيخ على أحمد قال له في استشارتهم وعرْض الأمور على رؤسائهم ما لفظه: الفردية لا تصح إلا للفرد الأحد، فأيُّّ قوم كنت فيهم، عَلوْا أو سفلوا، عقلوا أو جهلوا، اتخذ منهم رؤساء تستعين بهم على أمورك، وتأخذ بهم على مَن سواهم من سفهائهم، وربما أشار عليك منهم مشير برأي غاب عنك أو يطلعك على أمر خفي عليك، وأنشد قول الشاعر:
وأنزلي طولُ النوى دارَ غُربة    إذا شئتُ لاقيتُ امرُؤا لا أشاكله
فحامقْته حتى يقال ســـــجية        ولو كان ذا عقل لكنت أُعـــاقله
 وقد أنصفهم الشيخ أيما إنصاف في بقية هذه القصة التي أوردها الشيخ سيدي محمد في كتابه الطرائف والتلائد. يتواصل 

الأحد، 30 سبتمبر، 2012

أوراق / التاسعة/ الانتصار العسكري والتركة الثقيلة


من نتائج سقوط النظام الليبي - التي فاجأت الجيران ودول حلف شمال الأطلسي - خروج تشكيلات أژوادية مدججة بالسلاح من رحم القوات الليبية، وقطع آلاف الكيلومترات عبر النيجر وربما الجزائر، لتأخذ مواقعها نهارا جهارا في أرض أژواد، وتباشر استعداداتها الحربية أمام أعين القوات المالية المرابطة في قواعدها المختلفة، وتحتل بسرعة البرق كامل إقليم أژواد، وتنهي وجود الحكم المالي جيشا وإدارة.
ومن الواضح في هذه الملحمة إحكام الخطة التي وضعت لتحقيق أهدافها المصيرية، دون خسائر تذكر، بفضل الكفاءة العسكرية، وانضمام غالبية المقاتلين الأژواديين العاملين والمسرّحين والمنخرطين في الجيش المالي، واختيار الوقت الأنسب، حيث كان الجميع منشغلا بما يجري داخل دول الربيع العربي، دون أن يرفعوا البصر صوب حزامه الجنوبي، حتى يروا حراكا ربيعيا آخر على يد فصيل من هذا النسيج الاجتماعي والبيئي العربي الإفريقي الإسلامي، الذي عانى منذ القرن الثامن عشر الغزو الاستعماري الصليبي والذي استعبد السكان ونهب الخيرات، وحارب الدين واللغة، ومسخ الهوية وحطم أسس المجتمع الأهلي، قبل أن يضطر كارها - في أحيان كثيرة- إلى الانسحاب تحت ضربات المقاومة التي لم تتوقف وإن تعددت أشكالها، ويغادر - في أحيان أخرى - بترتيب مرتب، يضمن استمرار النهج على يد أنظمة حارسة لمخلفاته.
لقد كان من الجلي أن الحركات الأژوادية قد استوعبت دروس نضالها الطويل الذي شاب فيه الولدان، والنكسات التي تعرضوا لها، خاصة ثورة 1990 التي قادتها حركة تحرير أژواد بزعامة إياد آڴ غالي، قبل أن تتفرق إلى خمسة فصائل موزعة الولاء - الكلي أو الجزئي - بين الدول المجاورة (الجزائر، ليبيا، المغرب، بوركنا فاصو، موريتانيا) لتكون ثمرةُ التضحيات الجسيمة التي قدمها المقاتلون والشعب الأژوادي في الداخل وفي المهجر، رزم من الاتفاقيات والالتزامات، التي صدرت عن مؤتمرات جُند لها عشرات الدبلوماسيين، وأظلتها منظمة الأمم المتحدة، بمشاركة المنظمات الإقليمية، والدول المجاورة والمانحة. وكل ما تحقق تظاهرات دعائية فولكلورية، أهم مشاهدها حرق السلاح، ووعد بماكو بإقامة حكم أقل مركزية، والتزام  المانحين بتقديم مساعدات اقتصادية لتنمية الإقليم وفك عزلته وربطه بمسيرة التنمية في مالي، غير أن كل ما نُفذ إنشاء ولاية جديدة على الورق في كيدال، بدون موارد ولا تجهيز، وضمِّ مجموعة من المقاتلين إلى الجيش المالي، واكتتاب بعض صغار وكلاء الإدارة، بينما استحوذت الحكومة المركزية على المساعدات المقدمة من المانحين، واكتتاب الأمم المتحدة بعض زعماء الجبهات المقاتلة. لذلك لم يكن أمام زعماء الحركات الأژوادية بعد عقدين من اتفاقيات تمنغاست ومماطلة الحكومة سوى الدخول في هذه المغامرة الكبيرة ورفع سقف مطالبهم هذه المرة إلى أقصاه، وهو الاستقلال (حركة تحرير أژواد) أو تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي كلها (أنصار الدين).
وكان من المنطقي – لو في مالي حكومة مسؤولة – أن تُقر بالأمر الواقع وتتعامل مع الوضع الجديد بحكمة وصدق في النيات، وتبدأ مفاوضات فورية بعد أن أعلن الطرف الثاني استعداده لها، لكن عادة السلطة المالية التعنت والاعتماد على العنف، وهو ما تغلب هذه المرة أيضا. في هذا الوقت دخلت على الخط فرنسا، الوصي المعتمد على مستعمراتها السابقة، فشجعت انقلابا عسكريا على الرئيس المنتهية ولايته، ودخلت في اتصالات علنية مع حركة تحرير أژواد، موحية بأنها خاضعة لها، عندما تدخلت بقوة لمنع تنفيذ اتفاق بين الحركة وأنصار الدين ينص على أن الدولة الجديدة ستطبق الشريعة الإسلامية.  وبذلك دقت إسفينا بين الحركتين، مما عجل بإبعاد حركة تحرير أژواد عن الساحة، وتوزيع النفوذ بين أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، وخلق حالة من الفوضى في بماكو بعد أن تبين أن قائد الانقلاب عاجز عن تحقيق ما كانت تعلق عليه من آمال، فتحملت بذلك مسؤولية في ما يجري اليوم في بماكو من فوضى سياسية وانفلات أمني، وإفلاس أخلاقي كان آخر تجلياته قتل الدعاة.
لقد كانت تصرفات فرنسا خلال سنوات ساركوزي في الإقليم عودة فجة لممارسات خلية "فرنسا - إفريقيا" التي حمت الأنظمة الفاسدة وضمنت لفرنسا الاستيلاء بأقل ثمن على خيرات تلك الدول، وخططت ونفذت معظم  الانقلابات التي أطاحت بكل من شب عن الطوق، وحاول الإصلاح في بلاده.
العلاقة بين السلطة والجريمة المنظمة
كان آخر رئيس لمالي هو الجنرال أمدو توماني توري، الذي قضى مأموريتين رئاسيتين، وهو قائد انقلاب 1991 على الجنرال موسى تراورى، حيث تفاهم مع زعماء الحراك المدني على أن يعود إلى السلطة بعد الرئيس المدني عمر كونارى، وظل مدلل الغرب لقبوله الانتظار حتى حلول فرصته، وارتبط بدوائر صنع القرار، ومنظماته المشرفة على ترسيخ أنموذج النظام الغربي للحكم في القارة، وترميم ما تهرأ منه، مثل مركز كارتر والمعهد الأمريكي للديمقراطية، وغيرهما من المراكز والمنظمات الممولة من مؤسسات الغرب، وأصبحت البلاد أحد أكبر متلقٍ للمساعدات الخارجية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بصورة فردية، لتكون واجهة في غرب إفريقيا، ومضرب مثل في الحكم الرشيد المسالم، الزاهد في السلطة! حيث لا يملك الرئيس حزبا وبالمقابل لا يواجه معارضة، وإنما الجميع في أغلبيته، مما خلق فراغا سياسيا: لا نقاش ولا جدل ولا حوارا، الكل حر في الانهماك في شأنه الخاص، على حساب قضايا الوطن. وفي هذا الجو انتشرت الجريمة المنظمة: التهريب والاتجار بالمخدرات والسلاح واختطاف الرهائن والهجرة السرية، وكلها شكلت أنشطة مربحة للمتنفذين في الحكم.
كان التهريب قد انطلق ابتداء من تسعينات القرن الفائت من الدول المجاورة ذات المنافذ البحرية: موريتانيا وسنغال وغينيا وساحل العاج وغانة وتوغو وبنين ونيجيريا والجزائر، أو البعيدة كليبيا والمغرب، وشمل في مراحله الأولى السلع المختلفة من مواد غذائية مدعومة (في ليبيا والجزائر) ومحروقات (جزائرية) وأدوية، وملابس وسيارات ... وخاصة السڴائر التي ساهم تهريبها إلى حد كبير في ظهور شبكات المخدرات. وقد ازدهر في أسواق شمال أفريقيا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بسيطرة قلّة من اللاعبين الكبار. وزوّدت تلك المستوردة منها عبر موريتانيا جزءاً كبيراً من الأسواق الجزائرية والمغربية، في حين تم توجيه تلك المستوردة عبر كوتونو في بنين ولومي في توغو، عبر النيجر وبوركينا فاسو، إلى ليبيا والجزائر. وأطراف هذه التجارة الفاعلون هم موزّعوها القانونيون، الذين يستوردونها من مناطق التجارة الحرّة مثل دبي، بدل الدول المصنعة لها مباشرة .
إن دوافع تهريب السلع وتجارتها فروق الأسعار بين الدول وتجنّب الرسوم والضرائب، وجرت بتواطؤ من فاعلين في المؤسسات الجمركية، قبل أن تنتشر في مختلف الإدارات المعنية، وتتغلغل في أجهزة الأمن والرقابة وفي قوات الجيش، وتصعد إلى الصفوف العليا في المؤسسات الحاكمة لبعض هذه الدول.
و ما أن حلت الألفية الجديدة حتى حلت المخدرات محل البضائع القانونية، وتدفقت بسرعة من مصدريْن رئيسييْن: جنوب أمريكا عبر موانئ دول غرب إفريقيا: الكوكايين، وصمغ الحشيش من المغرب عبر موريتانيا أساسا، وأصبحت مالي أكثر الدول المتلقية لهذه السموم، وفي منطقتها الحدودية مع الجنوب الشرقي الموريتاني أقيم أشهر مركز لهذه الأنشطة هو أمگدي.
ومع قيام تمرد ضباط طوارق في الجيش المالي في كيدال سنة 2006 ضد الحكومة المتهمة بعدم الوفاء بالتزاماتها المتكررة، ظهرت على السطح الصراعات بين شبكات تهريب المخدرات، وبينهم والمجموعات المهيمنة على المنطقة التي تسعى لفرض إتاوات على المهربين، الذين تفاحش غناهم ومعه بطرهم. وهكذا أصبح الإقليم وما جاوره بؤرة بؤرة لتجارة المخدرات وتوزيعها الذي يغطي المشرق حتى السودان ومصر والسعودية ودول الخليج، وأنحاء من أوروبا.
وقد دخلت حكومة بماكو على الخط بعد تمرد 2006 "فحرضت قادة بعض الجماعات ضد جماعات أخرى، واعتمدت على قبائل محددة للإبقاء على منطقة الشمال تحت السيطرة. ولمواجهة قبيلتي إيفوقاس وإيدنان اللتين ينتمي إليهما المتمردون تحالفت القيادة المحيطة بالرئيس أمادو توماني توري، مع المتمردين المنافسين، وخاصة منهم القيادات المنتمية إلى قبائل البرابيش والامهار العربيتين، وكذلك إلى قبائل إيمغاد الطارقية.
في بعض الأحيان كان المسؤولون في الدولة يتدخلون بشكل مباشر، كما فعل المقدم لمانه ولد ابوه (ولد محمد يحيى) - وهو ضابط في جيش مالي له علاقات وثيقة مع رئيس جهاز أمن الدولة - خلال اشتباك وقع في أغشت 2007 بسبب شحنة كوكايين، حيث رتّب عملية إعادتها مقابل مبلغ مالي كبير، كما شجعت الحكومة شخصيات عربية بارزة من مناطق تنبكتو وگاوو على تشكيل مليشيات لحماية مصالحها التجارية، وذلك ضمن تعبئة الزعماء العرب لمحاربة المتمرّدين؛ وترأس هذه القوات مؤقتا ضباط من الجيش المالي، هو العقيد محمد ولد ميدو.
ويمكن ملاحظة العلاقة بين الوجهاء المحليين والدولة ورجال الأعمال، وتجارة المخدرات في شحنة الكوكايين الضخمة المفترضة، التي تم نقلها في نومبر 2009 إلى شمال مالي على متن إحدى الطائرات، التي هبطت في منطقة تاركنت، شمال گاوو. ويعتقد أن وجهاء الأمهار على الأرجح – كما يقول صحفي جزائري على صلة بدوائر الأمن - هم الذين تعاملوا معها، وعلى رأسهم عمدة البلدة.
وقد وصلت التوتّرات إلى ذروتها في يناير 2010، عندما استولت مجموعة مسلحة مكونة من أفراد من قبيلتي إيفوقاس وكنته على شحنة كوكايين كبيرة كان ينقلها مهربون متحالفون مع الحكومة من قبيلتي إيمغاد والأمهار، الذين ردوا بخطف زعيم كنتي في منطقة گاوو.
كان لمثل هذه الصراعات المرتبطة بالتهريب بُعد سياسي أوسع أيضاً. فشقّة الخلاف التي كشفها الحادث الأخير ترتبط بالانقسام بين حلفاء القيادة في مالي وأعدائها. وعلاوة على ذلك، كانت قبيلتا الأمهار وإيمغاد تابعتين تاريخياً لقبيلتي كنته وإيفوقاس، على التوالي. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تندلع فيها صراعات تنطوي على تنافس بشأن علاقة التبعية. فقد اندلعت اشتباكات خلال التسعينات، حتى بعد انتهاء تمرّد الطوارق.
وقد وقعت عملية مشابهة في منطقة تنبكتو، ونجحت الشخصيات المرتبطة بتهريب المخدرات في الضغط على قيادة مالي لإنشاء منطقة إدارية منفصلة (تاودني) وعدة مناطق جديدة في سياق عملية إصلاح إداري تم اعتمادها قبل اندلاع التمرّد الأخير مباشرة. وبالإضافة إلى ذلك، تم في كثير من الأحيان استثمار الأرباح المتحققّة من التهريب في الماشية والبنية الأساسية المرتبطة بها، مثل الآبار، ما أفضى إلى تأجيج التوتّرات بين المجتمعات على الموارد" .
وكان المراقبون الخارجيون وخاصة المسؤولين في الدول المانحة يغضون الطرف عن علاقات المسؤولين في الدولة والقادة السياسيين بالشبكات الإجرامية حتى لا يضعوا النظام في ورطة، وهم يعولون عليه في مواجهة الحركات المسلحة، التي يوليها صنّاع القرار في الغرب كل اهتمام بوصفها منظمات إرهابية. يتواصل