السبت، 22 نوفمبر، 2014

ذكرى رحيل أحمدُ بن احميّد

                                         بسم الله الرحمن الرحيم

قبل إعلان الاستقلال بأشهر، وحتى السنة الثالثة بعده، توافد على نواكشوط عدد من أبناء موريتانيا المقيمين في الخارج، معظمهم من الدول الإفريقية المجاورة والباقون من جهات أخرى، أهمها المنتمون إلى الجالية الموريتانية في المملكة العربية السعودية والسودان، وبعض الإخوة من بيظان أزواد.
كان القادمون من السعودية الأكثر عددا وتنوعا، وكان أولهم النعمه بن المجتبى نجل أحد أبرز أشياخ الصوفية، المقيم في الحجاز، الذي عين مستشارا في الرئاسة قبل الاستقلال بأشهر، أما الدفعة الأكبر فقد وصلت على حساب الحكومة الموريتانية، عن طريق أحد كبار المسؤولين، السفير/ محمد عبد الله بن الحسن، وأشهرهم أحد رجال الدين البارزين: أحمد بن المختار، ومنهم معلمون، وضابط برتبة ملازم، ومجموعة من الشباب.
وبما أن غالبيتهم من المستعربين، الذين لا يعرفون اللغة الفرنسية، فكانت مجالات استخدامهم مححدودة، فوُجهوا إلى الجهات لإدارية التي بها استخدام - ولو متواضع - للغة العربية، فأربعة إلى الإذاعة: أحمدُ بن احميّد، خليفه حسن، محمد الأمين بن ماء العينين، وول عبد الملك، وآخر إلى سكرتارية الرئيس العربية، ثم الإعلام: أحمد محفوظ لبات، واثنان إلى التعليم: محمد محمود بن ياتي، وإسلمُ بن بيبّه قبل أن يُبعث طالبا إلى تونس، والتحق واحد بالسلك الدبلوماسي هو محمد لقمان بن سيدي كأول قنصل في القاهرة، وكان قبل وصوله موظفا في إحدى وكالات الأمم المتحدة، وعمل اثنان في السفارات: أحمد بن المختار سابق الذكر بعدما مر بالإذاعة، ومولاي الزين بن شغالِ، ومنح بعض الشباب في الخارج مثل سيدي ابراهيم سيدات.
 ومن أبرز من جاء من أزواد خي بابا شياخ ليلتحق بالإذاعة، التي تعلقت به.
وقد عاش هؤلاء وضعا حرجا عند وصولهم، إذ لم يكن بالإمكان توفير متطلبات إقامةٍ وتوظيفٍ، حيث لا إطار جاهزا لذلك؛ فالدولةُ في طور التشييد، والعاصمة ورشة عمل كبيرة لإقامة مكاتب الحكومة وسكن موظفيها، وسط فوضى انتقال الوزارات ووثائقها من العاصمة السابقة "اندر" في السنغال، وحركة المواطنين القادمين من أنحاء البلاد؛ في يقعة لا توجد فيها فنادق ولا مطاعم ولا سيارات أجرة، حيث يتكدس الضيوف في المنازل الخصوصية في "الَگْصر" الذي يسكنه أيضا موظفو انْدَرْ قبل انتهاء تشطيب المنازل المخصصة لهم.
أما مكاتب الوزراء والمديرين فهي ضيقة جدا، ومليئة بالأثاث والملفات المرحّلة من العاصمة السابقة بسيارات الشحن؛ والهمُّ الرئيسي للقادة تثبيت موطئ قدم للوزراء والنواب ورؤساء المصالح، المرحلين.
ومصدر القرار: رئيس الحكومة (رئيس الجمهورية فيما بعد) لا يجد بدوره مكانا كافيا في مكتبه حتى لا ستقبال أكثر من أربعة أشخاص، وإن زادوا فسيبقون واقفين.
وهكذا يجد هؤلاء العائدون إلى الوطن - بعد غيبة دامت  أحيانا عقودا من الزمن - أنفسهم في ساحة تجمع، تشبه تلك التي تلتئم فيها الأحياء البدوية في مواسم الخريف على بواكر المراعي (العارظ) أو الصيف على المناهل، أو "حصرات" إحصاء السكان.
يضاف لما سبق الجو السياسي المشحون بالجدل حول مستقبل الكيان الجديد؛ فالأحزابُ السياسية تتصارع حول نوع نظام هذا الكيان وهويته، ولمن سيتبع، هل إلى الشمال أو الجنوب، أو سيبقى حيث هو؟.
والطموحاتُ التي يحلم بها الوافدون لبلادهم من المشرق، جعلتهم يعتقدون أنها مع الاستقلال ستتحقق، بل إن جزءا منها لا بد أن يكون قد أُنجز خلال غيبة أجدادهم وآبائهم. فوجه موريتانيا – في مخيلتهم - لا بد أن يكون قد تغير، كبقية مستعمراته في العالم وخاصة في المشرق (لبنان وسوريا والعراق) أو على الأقل كالدول التي مروا بها في الذهاب، كالسودان الفرنسي ونيجيريا أو المقيمين فيها كالسودان والحجاز.
وهم أيضا لا يرون موريتانيا إلا بلدا عربيا صرفا، لا مكان فيه لغير لغته العربية، بعد أن تكون الحكومة قد ألغت لغة المستعمر: الفرنسية! التي كان تعليمها من أسباب هجرتهم، هروبا بدينهم ولغتهم. وأن البلاد لن تكون أقل في تطورها العمراني وبنيتها التحتية من الدول الآسيوية المتخلفة آنذاك، كمليزيا وكوريا وتايوان بل الصين، ولا يمكن لمستواها العلمي والثقافي أن يكون أقل عن اليمن الشمالي المستقل.
وعلى صعيد السياسة الدولية الدولية، فيجب أن تكون قلعة للأحرار عدوة للاستعمار والصهيونية، تتبع الخط الثوري لجمال عبد الناصر، وتنتقم من فرنسا على احتلالها، وتعيد المهاجرين الذين شتتهم المحتل في القارة السمراء وعلى ضفاف نهر النيل وفي الجزيرة العربية وتركيا؛ حيث القادمون هم أبناؤهم وأحفادهم؛ (هذا في وقت أوصدت جامعة الدول العربية أبوابها أمام هذه الدولة الحديثة).
والحمد لهف أن جزءا من هذه الأحلام قد تحقق في حياة البعض من هؤلاء الأبناء المتشبعين بحب الوطن.
هذا هو الجو الذي التحق فيه أحمدُ بن احميّد بالإذاعة سنة 1962، وتلك طموحاتُ أقرانه العائدين، ومن ثم فهو يحمل على - الأقل - جزءا منها، لكنه يجد إذاعة في مبنى صغير، كانت إدارتها قبل سنة فرنسية، ورئيس التحرير فرنسي، يفرض  خط تحرير صارم، لا يتحدث عن الثورة الجزائرية إلا كتمرد إرهابي، ويعادي العروبة والإسلام وحركة التحرير الإفريقية، من كينيا (الماو ماو) حتى غانا، ومن الكامرون حتى جنوب إفريقيا.
 وباختصار، الإذاعة هذه، خارجة للتو من التبعية العضوية لإذاعة فرنسا لما وراء البحار. وبرامجه العربية مقتصرة على  نشرة إخبارية في الزوال وأخرى في المساء، تتبع مباشرة النشرة الفرسية، وتكون أخبارهما متطابقة، وطاقمها مؤلف من مذيعيْن اثنين، ومترجم إلى الحسانية.
كان أحمدُ استثناء من المجموعة، فقد تغلب بسرعة على عواطفه، وتحكم في خيبة أمله، حيث اندمج على الفور في القسم العربي، ووضع خبرته تحت تصرف الهيئة، وألغى فارق السن الذي يصل الأربعين سنة مع لسكرتير التحرير، ولم يناكف في موقعه ولا مؤهلاته ولا التجربة التي تؤهله هو لسكرتارية التحرير، حيث كان الرجلُ، وطنيا حتى النخاع، مستعدا للتضحية بما لديه في إقامة دولة وبناء وطن، وهو الذي علّمته الغربة أن الأوطان أغلى من الاعتبارات الشخصية، ولا يمكن التفريط فيها، فهو متقدم في تفكيره على الكثيرين ممن يعاصرونه. 
أحمدُ هذا، عاش فترة فريدة في حياته وهي مواكبة استقلال السودان، فتشبع من تجربته التعددية، التي سبقت الأحكام الاستثنائية والرأي الواحد، وفوق ذلك تعرف عن كثب على الصحافة وعلى دورها في توعية الشعوب، للنهوض من التخلف بثالوثه: الجهل والفقر والمرض. فكان أول من نادى بأن يكون للإعلام الموريتاني إسهامه في تطوير عقلية مواطنيه، إذ ليس كل شغله أخبار الساعة رغم أهميتها، وانخراطه فيها، كمحرر ومذيع. لذلك أنشأ فورا برنامجه الشهير "الحضارة والنظام في القرن العشرين" فكان أول من شخّص مواطن التخلف في تفكيرنا وسلوكنا، بأسلوب مبسط وممتع، رغم حساسية بعض المواضيع.
فتحدث عن التعليم ومناهجه، وعن التعامل في الإدارة، وأهمية  الانضباط والطاعة، وضرورة التوثيق، وأرشفة أعمال الدولة، وعالج من جانب آخر قضايا كانت شائكة مثل السمنة لدى النساء، وملابس النيلة لديهن ولدى الرجال (العمائم والسراويل) والتمائم المعلقة على صدور الناس (الَكتوب) بمن فيهم الوجهاء والمشائخ والأمراء، وفوضى دخول المنازل الخصوصية، وظاهرة التّمعيش، بدل العمل والكدّ، ومحاربة الاتكالية، ومضار الشاي، وتضييع الوقت في شربه وفي جلسات لعب ظامت و"الكرت". وكان من دعاة إقامة مسرح وطني لبث روح الوعي والرفع من ذوق الناس.
ومما تميَز به أحمدُ الذي زاملته أكثر من أربع سنوات، قبل انتقاله من الإذاعة إلى الصحافة الكتوبة انضباطُه، وجديته وتشبعه بروح الزمالة والدعابة.
ونحن بعد 50 سنة من الاستقلال نعيش مظاهر تحتاج أكثر إلى التوعية والتوجيه، وتضافر الجهود لمواجهتها، فعندما نرى طريقتنا في البذخ خلال الحفلات، وفي الأكل والشرب، ونتمعن أذواقنا في اللبس والأثاث، نتذكر برنامج الحضارة والنظام في القرن العشرين.
نعم كبرت المدن، واستغنى من استغنى، وافتقر من افتقر (وهم الأكثر) وتراكمت المشاكل وتعقدت، وتدهورت القيم، وضعف الحس الوطني، وطغت المادة، وفسد الذوق، وتضعضع الموروث الثقافي، لتحل محل ذلك كله قيم الغير، وخاصة الغرب، الذي يأخذ اليوم ثأره بعد ستين سنة من ممانعة الموريتانيين في التعامل مع دولة الاحتلال وخاصة تعلم لغتها والأخذ بقيمها، وبعد العقدين الأولين من الاستقلال، حيث كان العمل يجري على قدم وساق لاستعادة مكانة اللغة وتحديث الثقافة، للّحاق بركب الحضارة، مع الاحتفاظ بالثوابت الوطنية والدينية وبالأصالة، قبل أن يتعرض المشروع لمعاول الهدم.
ورغم أن معظم العائدين من الهجرة قد عادوا أدراجهم، تاركين أرض أحلامهم، فقد بقي البعض - ومنهم صاحبنا - ليساهموا في تأسيس المشروع إيانا.
فنتذكره كموجه وناقد اجتماعي، وصاحب ذوق رفيع وحس مرهف، متمنين أن تتجه وسائل الإعلام الكثيرة المؤثرة صوب أغراض الإعلام، من إخبار وتوجيه وتسلية، وأن تركز على الابتكار والابداع، وليس الاجترار والمحاكاة.
.
وفي هذا المقام، دعونا نتذكر آخرين من الرعيل الأول الذين أسهموا في مسيرة إقامة الدولة والدفاع عن استقلالها، من خلال انخراطهم في حقل كان وليدا ولكنه خطير، هو الإعلام، فلنكرمهم أيضا، كزملاء ونناضل من أجل أن تلتفت إليهم السلطات العمومية، لتفي بحقهم وذويهم، بدل أن تتولى الأمر العائلة والقبيلة.
وممن نتذكر ممن لم يكرموا بعدُ، محمدّن بن حامدٌ، محمد الأمين بن آگاط، خي بابا شياخ، الحاج انكيده، عبد الرحمن بن إبراهيم اخليل، سومارى حامدن.

رحم الله من لقوا ربهم، وشمل بلطفه الباقين، وأنعم على هذه البلاد بالخير العميم، وأخرجها من نفق التخلف، ووقاها من الانزلاقات، وأزال عنها الظلم والحيف.


23/01/1436- 17/11/14م

الأحد، 9 نوفمبر، 2014

محمد بن سيدي بابا في ذمة الله


  توفي ليلة الخميس الماضي 13 محرم 1436 – 14/11/6م في نواكشوط محمد بن الداهي بن سيدي بابا، عن عمر يناهز الواحدة والسبعين، بعد مرض عضال كان متلبسا به منذ فترة؛ تاركا ابنا ما يزال في نهاية المرحلة الثانوية، وابنتين، وثلاث أخوات؛ وترك في الآن نفسه فراغا في الرشيد ومجتمعه المتمدد في تكانت ومعظم ولايات الوطن.
تربى الفقيد في أسرة دين ومروءة وشهامة، في كنف أبيه الداهي الذي توفي عنه مع البلوغ، وأمه فاطمه بنت خواه، وبين أخواته وأخيه (مات مبكرا) فشب على البرور بالوالدين والأسرة، التي توسعت بزواجه، الذي أضاف لهذا العقد النفيس: فارسا وزهرتين. فتشكلت أسرة هي اليوم مضرب المثل في التقى والورع والمروءة، والثقافة الواسعة من أدب وشعر وسيرة ومناقب، فهي مرجع الباحثين والدارسين للمجمع، وجميع أنواع الثقافة المحلية، مع الإبداع، وعلو الهمة، مما يكرس إرثا ضاربا في أعماق التاريخ.
 كان محمد، عارفا بأمور دينه، مشاركا في الفنون المتداولة في محيطه،  شاعرا بالعامية، جغرافيا، قل من يضاهيه في معرفة جبال تكانت وسهولها، وأوديتها، ومنابع مياهها، وأشجارها، وتركيبتها السكانية، إضافة إلى معرفة واسعة بمجتمعه والمجتمعات المجاورة، راوية للشعر الفصيح والعامي، ولمناقب الرجال،  صدوقا صبورا، شجاعا، يعاف الخنى، ويأبى الضيم، والمذلة، يكرم الجار، ويقري الضيف، ويقدس العهد ويفي بالوعد.
 زرته يومين قبل وفاته، بعد ما سمعت بخطورة نوبة حلت به، حيث كنا نتحادث بالهاتف فقط، بسبب صعوبة التنقل في المدينة وضيق الوقت، وخاصة أنني لم أكن أتصور خطورة المرض الذي يعانيه، ويلح عليّ أنه من سيزورني في البيت. وخرجت بعد زيارتي وحديثي معه مطمئنا إلى حد ما، وأن نوباته عابرة، خاصة وأنه أشفى لي الغليل بتفصيل وروية في موضوع سألته عنه.
وفي نوبته الأخيرة قبل وفاته، استدعى الابن وأوصاه، بحضور عدد من أفراد الأسرة، وطمأنه أن لا ديون عليه، وحدد له أماكن بعض الأمانات والودائع، وقال لإحدى القريبات التي كانت تريد أن تدلّك قدميه "لا جدوى! إذ مرت من هناك المنية، فلم أعد أحس باللمس"  ثم نهَر أحد الحاضرين الذي كان يداعبه، ليحاول تخفيف ما هو فيه: "اتركني وما هو أنفع لي" وقرأ الفاتحة وبعض الآيات، ثم شرع في الشهادة، حيث لم يفقد الوعي إلا في آخر رمق. وبذلك مات محمد على ما عاش عليه من المثل التي تربى عليها.
  وأول ما يتبادر للذهن أمام هذه الشجاعة، ما ذكر لي الثقاة الراوين عن شهود عيان عن موت جد أبيه لأمه محمد المختار بن الحامد؛ عندما حلت به المنية وهو في ركب من الحجاج عند ميقات ذي الحذيفه حوالي سنة 1915 - وهو مهاجر من بلاده بعد الاحتلال الفرنسي - حيث كان يعاني من مرض اعتبره رفاقه خفيفا: فالتفت إليهم وقال: "سترون اليوم موت الشجعان" فتمدد على الأرض وتغطى بقطعة قماش، وما لبث أن انقطع دون حراك.
  وفقدت تكانت بموت محمد بن سيدي بابا علما بارزا قل مثيله، كما فقد الرشيد وجهه الأدبي الثقافي المتميز، وفوق ذلك فقدت الأسرة الأب والأخ والابن، وفقد الأصدقاء الزميلَ والرفيق المؤنس، المنجد عند الملمات، رحم الله الفقيد وأدخله فسيح جناته ورزق الأهل الصبر وحسن العزاء، وبارك في الخلف، إنا لله وإنا إليه راجعون.

السبت، 7 يونيو، 2014

مصلو تفرغ زينه يستقبلون رمضان بدون الإمام أحمد بن محمد فال



  
 


دأب سكان حي "سـوكـوجـيــــم" على صيام شهر رمضان الفضيل وقيامه، يستقبلونه بفرحة، يصومون نهاره ويصلون ليله، كباقي مساجد العاصمة الكثيرة لله الحمد، مجتهدين في أعمال البر من بذل للفقير والمحتاج؛ يأدون الفرائض الخمس في المسجد، يجتهدون في الوصول باكرا لأخذ أمكنتهم خلف الإمام في صلاة العشاء – رجالا ونساء - في ساحة المسجد، ثم صلاة التراويح.
وقد ظل خلال العقدين الأخيرين القارئ الحافظ أحمد بن محمد فال بن سيدي بابا، إمام هذا المسجد، الذي يقبل عليه سكان الحي المترامي الأطراف، بل جيرانهم من الأحياء الأخرى، خاصة في رمضان.
  وفي 27 من رجب الماضي وافت المنية الإمام أحمد في تونس وهو في رحلة استشفائية من مرض عضال قاومه عدة سنوات بصبر وشجاعة، فكانت رزية لمصلي المسجد ورواده، ورزية لهذه البلاد بفقد أحد حفظة كتاب الله العزيز.
  لم أكن من الرعيل الذي عايش آخر فصل من قصة نجاح هذا الرجل العبقري الصبور، ولكني سمعتها من المصلين القدماء، وهي تحويل كشك من الصفيح، كان مخزنا لمعدات شركة سوكوجيم، إلى مصلى ومقر كُتّاب لتعلم القرءان وحفظه، ثم إلى مسجد. وقد استمتعت بعد عودتي من الغربة الطويلة إلى الوطن منذ ثماني سنوات بارتياد بيت الله هذا، المريح بموقعه العامر بجماعته، خلف إمامهم.
  زرت معظم أحياء نواكشوط لأطلع على التوسع الذي حدث، فوجدت مدينة عامرة بالمساجد من أحجام وأشكال مختلفة، في نهضة مباركة تعوض عن الإخفاق في مجالات أخر، وصليت في العديد منها، فبُهرت بعدد الجمهور المصلي، ونوعيته، التي يمثل الشباب غالبيتها، بعد أن لم يكن في العاصمة خلال خمس عشرة سنة من إنشائها إلا جامعان وثلاثة مساجد، حيث كان الناس يعتاضون عنها بالصلاة في منازلهم. وإضافة إلى ذلك بُهرت بعدد من الأئمة، لحفظهم وحسن تلاوتهم، وتنوع مقرئهم، من ورش وقالون إلى قراءة حفص الوافدة، وإن كان البعض من الأئمة الشباب يقلدون مُقرئي الحرمين الشريفين حتى كأنك تسمع عبد الرحمن السديس أو سعود الشريم أو على بن عبد الرحمن الحذيفي.
  وفي مسجدنا ينتمي الإمام إلى المدرسة الشنقيطية وخاصة إلى محاظر القرءان في أفلّه والعصابة والحوض، التي هي - لله الحمد - احتياطنا الاستراتيجي في حفظ القرءان وتعليمه، فهو صمام أمننا في مواجهة الجهل والزيغ والانحراف، يتلو في الفرض بقراءة ورش وفي التراويح بقالون، متوخيا التخفيف لقصر المد عند الأخير وبطريقتنا المحظرية المؤثرة. وعندما ينتصب هذا الرجل المائل إلى القصر والنحافة، ويُحرم للصلاة مندفعا في التلاوة، تجد نفسك خلف عملاق من جنود الله لا يكاد محرابه يسعه، تتهادى كلمات القرءان من فيه بسلاسة وعذوبة، رحمةً على المومنين ووبالا على الغافلين؛ في ملحمة مع النفس والشيطان أمام الخالق الديان، وفي اقتفاء حرفي لما صح من صفة صلاة رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام؛ ويزيد خضوعك وخشوعك انضباط هذا الرجل في حركاته وكأنها  مبرمجة على جهاز آلي، فالوقت هو الوقت، وقدر القيام والسجود والركوع محدد، والهيئة هي نفسها طوال السنة: لباس نظيف، يكاد يكون من مقاس واحد، يغطي الجسم كله ولا يزيد، لا ترى إلا المُحيا والرقبة والأيدي والسواعد والسيقان، دون أن يظهر السروال، بينما تُتوّجُ العمامة ذاتُ الذؤابة هامتَه البيضاء، مما جعلني أقول لبعض الإخوة إن الإمام بانضباطه يشبه من تدرب في الجيوش، قبل معرفتي بقصته الكاملة أياما قبل رحيله. إنه باختصار مدني متحضر ومنضبط، كمن لم يتأثر بالبادية وبعض مسلكياتها التي تشوب سلوك معظمنا اليوم حتى في بيوت الله.
                                       رحلة الحياة
  ولد فقيدنا في موضع يُدعى بيظة الماء في الأطراف الجنوبية الشرقية لأفلة (الواقع آنذاك بين ولايتي العصابة والحوض) قبل حوالي ستين سنة، في أسرة صيتُها بالأمانة والصدق منثور في الحي والقبيلة، وعندما بلغ سن الدراسة تولى أمرَه زوج خالته محمد المختار بن سيدي بن عُمارُ، متنقلا به في أطراف البادية إلى حيث المرعى والكلأ من وادي أم الخز المنبثق إلى الشمال الغربي من جبل العاگر، حيث منازل القبيلة، التي تتجه جنوبا في بعض الأحيان زمن الصيف إلى ضفاف أعالي نهر سنغال وحاضرته خاي. وما أن كسر "اذْهَابَة" (حفظ القرءان دون المقرء) حتى عاد الصبي الحافظ إلى والديه، ليبدأ قراءة علم التجويد، ويأخذ السند (الإجازة في قراءتي ورش وقالون عن نافع)، وهو في هذه الفترة مساهم في رعاية الماشية والقيام بنصيبه من شؤون الأسرة وإعالتها مع إخوته. ثم اتجه إلى تدريس القرءان للصبيان لدى الأقارب، كمصدر للعيش بعد سن البلوغ، كعادة أقرانه من حفظة القرءان الشباب، المتخرجين في المحاظر المحلية التي كان من أشهرها محظرتا محمد فال بن القاسم، ومْحمد بن اچّوهَ. وهكذا تنقل في أطراف الولاية والبلاد، حتى حطت رحالُه في أكجوجت ليعلّم الصبيان لدى بعض الأسر.
وقد تاقت همته إلى الدخول إلى الجيش، ربما لكسر حاجز العزلة، الذي ضربه الاحتلال على القبائل التي حاربتهم فمنعوا عنها اقتناء السلاح أو استعماله، مما ولد عزلة لدى غالبية الشعب والابتعاد عن السلطة الوطنية وأدواتها، والتي ظلت في نظر الكثيرين امتدادا لإدارة الدولة الفرنسية الظالمة، حيث منعوا التعامل معها خلال الستين سنة من الاحتلال. وقد ترسخ هذا النهج في مناطق المقاومة أكثر من غيرها، مثل أفلّه والعصابة التي ظلت جبالها – كما تگانت - سنوات عدة معقلا للمقاومة المسلحة (أهل الكديه) قبل انتصار المحتل الغاشم. أليس مستقر جزء من قبيلة إمامنا في حاضرة بوگادوم المجاورة لرأس الفيل، حيث ضريح شيخ المجاهدين الأمير بكار بن سْويدي أحمد؟ ومن المنطقة نفسها التي واجه فيها مقاتلو أفله والعصابة الغزاة المحتلين في  الجحافية، والبيظ وعلب الجمل و أجار ولد الغوث، ، بقيادة سيدي بن الغوث، ومن نفس المجموعة التي استشهد أبطالها في انييملان، من أمثال محمد الأغظف بن الشيخ بن الجوده، وحد بونا بن جدُّ بن عبد الرحمن خْليفه  من ضمن حوالي أربعين شهيدا منهم في هذه المعركة.
أُرسل الشاب أحمد إلى المغرب في دورة تدريبية في سلاح المدرعات، ليعود سائق مدرعة، ثم أبعد من الجيش سنة 1987 في الحملة التي شُنت على البعثيين، وراح ضحيتها المستعربون من أمثاله. فما كان منه إلا أن عاد إلى مهنته المباركة الشريفة تعليم القران، الذي جره إلى قلب العاصمة، فاكتتبته شركة سوكوجيم حارسا لمعداتها، في الكوخ الشهير؛ ليكون صاحبُنا مركزا دينيا واجتماعيا، حيث شكل محطة استقبال للأهل القادمين من مواطنهم للاستشفاء وقضاء الحوائج، أو العبور، كما توسعت الأسرة، وكبر بعض الأولاد، الذين حفّظهم القرءان إلى جانب التعليم في المدارس الرسمية، ليتخرج البعض منهم، بينما يواصل الصغار الرحلة المباركة، وقد أنتدب أحدَهم العامَ الماضي ليصلي بالناس التراويح.
إننا لنبتهل إلى المولى الرحمن الرحيم أن يحسن مثواه ويتغمده برحمته، مرددين مع الإمام الشاطبي:
 وإنّ كتابَ الله أوثقُ شافـعٍ  وأغْنى غِناءٍ واهبًا مُتفضِّـلا
وخيرُ جليسٍ لا يُمل حديثـُه وتَردادُهُ يَزداد فيـه تجَمـــــُّلا
وحيثُ الفتى يرتاعُ في ظُلماته من القبر يلقاه سَنًا مُتهلِّـلا
يُناشد في إرضائـه لحبيبـه  وأجدرُ به سُؤلا إليه مُوصلا 

الأحد، 3 مارس، 2013

نظرة الرئيس المختار بن داداه لما يجب أن يتحلى به رئيس دولة من صرامة وأخلاق وتعامله مع الرشوة

في كل مرة تثار فيها مشاكل موريتانيا أجدني مدفوعا إلى العودة إلى مذكرات الرئيس المختار "موريتانيا عبر التحديات" لعلي أجد فيها ما ينير الرؤية. ومن ذلك ما كتبه في الفصل الرابع عشر بعنوان {ما جعل الله  لرجل من قلبين في جوفه} وهذا جزؤه الأول الخاص بالرشوة ومواجهتها، الذي أنقله إلى القارئ الكريم:

  "لقد حاولت على الدوام، مدة بقائي أن يتطابق تصرفي فيها مع تصوري الأخلاقي للمسؤولية. وهكذا فإن المسؤول في نظري، وخاصة المسؤول السامي، مطالب ببذل قصارى جهده في الابتعاد عن مواطن الشبه في جميع المجالات الأخلاقية والمادية. ومن الضروري أن يتحلى بالصرامة تجاه نفسه ليكون قدوة حسنة للآخرين، وأن يفرض وجوده بالفضيلة لا بالاستبداد، وألا تكون رغبته احتكار السلطة والمال. وعليه في الوقت نفسه ألا يكتفي بتحاشي الرشوة بل تلزمه محاربتها بكل عزم وفى أي شكل مادي أو أخلاقي كانت. ولا فرق في نظري بين المحاباة والمحسوبية وبين الرشوة الصارخة والمكشوفة. فالكل مذموم ويستحق الإدانة. إن لين جانب المسؤول حيال الإخلال بواجبه ذنب لا يغفر. ولهذا السبب كنت دائما أعاقب بقسوة كلما أبلغت عن حالة من هذا النوع نظرا لأن إهمال العقاب يجعلني متمالئا مع المتهم بالخربة.
   وهكذا تصرفت في كل مرة أقتنع فيها بأن مسؤولا ساميا – وزيرا كان أو سفيرا أو واليا أو مديرا أو رئيس مصلحة – أصبح غير نزيه. ولا تقف العقوبة عند تجريده من الوظيفة، بل كنت أطلب في الوقت نفسه متابعته قضائيا. وخير شاهد على ذلك إلقاء القبض على وزراء وسفراء الخ. ولم يكن هذا النهج محل إجماع، حتى في صفوف الطبقة الحاكمة، بل إن كثيرًا من الناس داخل البلد وخارجه اعتبره صارما جدًا.
  وبالفعل، فقد نصحني كثيرًا بعض أعواني ومسؤولون سياسيون آخرون بالتسامح، وكانوا يبحثون عن ظروف مخففة لصالح المرتشين منبهين في الوقت نفسه على ما ينجم عن اعتقال وزير من فضائح يمكن استغلالها، مثلا، من قبل المعارضين للنظام للنيل من نفوذه وصيته عندما تعرض مساوئ بعض المسؤولين السامين في وضح النهار. وهذا خطر قائم حسب رأي هؤلاء. أما في الخارج فقد تتضرر سمعة البلد من ذلك…
  ولم تتغير إجابتي لهؤلاء، إذ أعتبر أن إنزال العقوبة بمسؤول سام غير شريف لا يشكل فضيحة، بل إن الفضيحة الحقيقية تكمن في تركه دون عقاب وقد ثبت عليه عدم النزاهة الأخلاقية أو المالية.
  أما مفهوم المسؤولية فيتناسب عندي مع الرتبة التي يحتلها الشخص في سلم الدولة. فكلما ارتقى إلى مسؤولية سامية كلما كان خطؤه جسيما. وعليه فإن ممارسة مسؤولية، مهما كانت درجة سموها، لا توفر حصانة لصاحبها، بل إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فالذنب يعظم أو يصغر حسب الموقع في المسؤولية. لمذا؟ لأن سلوك المسؤول السامي، طيبا كان أو سيئا، إنما هو أسوة للآخرين خاصة من يتبع منهم لسلطته، في حين أن تصرف الموظف البسيط التابع أقل تأثيرا.
  وعليه فإن العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع درجة الخطأ من جهة، ومع أهمية الوظيفة التي يمارسها المخطئ في سلم الدولة من جهة أخرى. ويتطلب الأمر في المقام الأول، إرساء قواعد عدالة موضوعية حقا، تخدم الجميع، وهو طموح يصعب تحقيقه في الواقع، ولكن ينبغي السعي إليه دائما. وفى السياق نفسه، قرر المكتب السياسي الوطني لحزب الشعب الموريتاني في شهر فبراير من عام 1970 التعليق المؤقت لأي عضو يتعرض لمتابعة قضائية، على أن يعاد دمج المعني إذا أثبتت العدالة براءته. وبالمقابل فإن إدانته تقتضى، حسب الإجراءات، طرده نهائيا من المكتب السياسي الوطني.
   إن الطرح السابق يلخص بإيجاز جهودنا الرامية إلى تهذيب أخلاقنا وسلوكنا السياسي والإداري قدر الإمكان. فقد نجحت تلك الجهود على الأقل في الحد من آثار الرشوة والمحاباة وأمراض أخرى مشابهة، وإن لم تقض عليها بصورة نهائية. فلم يعتقد مسؤول قط، مهما كان منصبه، أنه فوق القانون. فالكل مقتنع بأنه سيعاقب سياسيا أو قضائيا أو هما معا حسب الحالات، وذلك عندما تثبت عدم نزاهته.
   ويمكننا القول دون تباه بالنصر إن حالة البلد في هذا المجال سنة 1978 لم تكن الأسوأ مقارنة بنظيراتها السائدة في بعض بلدان منطقتنا. فخلال ثماني عشرة سنة مثلا لم يثبت على المسؤولين السامين من عمليات الاختلاس سوى بعض حالات تمت متابعتها قضائيًا. وكان البحث عن المختلسين في تلك الفترة على أشده من قبل مراقبي الدولة ومفتشي المالية. وأشير في الأخير إلى أن هذه السياسة نجم عنها تعميم عدد هام من الرسائل وجهتها شخصيا إلى الوزراء ومراقبي الدولة والولاة.    
ومن غير المستغرب أن تثير هذه السياسة استياء من تعرضوا للعقوبة جراء الأسباب التي تم عرضها، وأن تكون الحال كذلك بالنسبة لذويهم وحلفائهم، وهي السياسة التي سماها البعض "صرامة المختار السقيمة". يتبع

الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

جميع الحقوق محفوظة، يحظر نشر مواد المدونة أو الاقتباس منها دون ذكر المصدر

الأحد، 28 أكتوبر، 2012

قراءة في كتاب الأمل الخائب، 2006-2008: ديمقراطية بلا مستقبل


قبل أسابيع نوهت مواقع الالكترونية عن صدور هذا الكتاب لمحمد السالك بن محمد الأمين وزير الخارجية في حكومة سيدي محمد بن الشيخ عبد الله الأولى، ولم أطالعه إلا في الأيام الأخيرة، فحاولت الاكتفاء بتصفح المقدمة وبعض فصوله، في انتظار الانتهاء من بعض الالتزامات، لكني فوجئت مع الفقرات الأولى من المقدمة بأنني أمام عمل جاد يحتاج إلى قراءة كاملة ومتأنية، فكرست الوقت الضروري له، وهو ما لم أندم عليه.
إن الكتاب بالغ الأهمية لاعتبارات عدة، منها: أنه:
- أول تدوين لوزير موريتاني منذ الاستقلال باستثناء عملين تفصل بينهما ثلاثون سنة .
- أن الكاتب وزير خارجية أدار سياسة البلد وحاور قادة العالم.
- كونه شاهدا على أحداث ما تزال فصولها تتوالى، وفاعلوها حاضرون، سواء في السلطة أو خارجها، وكذلك المتابعون في الداخل أو الخارج.
- عنوان الكتاب، الجريء المعبر.
- تطرقه لجوانب أساسية من التجربة التي عاشتها البلاد بعد انتخابات 2006 و2007.
- تحديد دقيق للأهداف وتوجه مباشر للحلول.
- إصراره على تحمل المسؤولية وإبداء الرأي في قضايا البلاد دون تلكأ.
- كشف أمور ظلت مجهولة على مستوى الدولة.
- تشهيره بأمراض الإدارة الحكومية وقادتها من فساد وعجز وانعدام كفاءة ومحاباة.
- التزامه بقواعد التدوين بذكر الأسماء كاملة والتواريخ، واستشهاداته الدالة.
- معرفته الدقيقة بالأصول الدبلوماسية وكيفية التعامل مع العالم الخارجي وقادته ومسؤوليه.
اقتصرت معرفتي للمؤلف على ثلاثة لقاءات، أولها على مائدة عشاء بدعوة منه في منزل أمين عام الوزارة - أياما قليلة بعد تعيينه - ضمن مجموعة من السفراء السابقين: عْلي بن علاف والشيخ سيد أحمد بن بابا أمين وأحمد بن غْناه الله والتقي بن سيدي، إضافة إلى عبد الله بن الشيخ بن أحمد محمود الوزير السابق، وأول وال لموريتانيا لتيرس الغربية سنة 1976 بعد تقسيم الصحراء الغربية.
وخلال العشاء طلب الوزير سماع آرائنا حول مشاكل البلاد الخارجية والتحديات الآنية، وعلى رأسها قضية الصحراء والعلاقات مع الجيران وبقية العالم، ودور موريتانيا العربي والإفريقي، وحضورها في المنظمات الدولية والإقليمية، إلا أن الحديث لم يتطرق لنهاية المسلسل الانتحابي الذي توج بتنصيب رئيس جديد وتشكيل حكومته، رغم أنها كانت ما تزال حديث الساعة. وقد أرسلت للوزير مساهمة مكتوبة عن رؤيتي بشان المواضيع المذكورة وعن جوانب من أوضاع الوزارة والسفارات، لأن روابطي بهذا القطاع - الذي قضيت ثلاثين سنة من العمل فيه بالخارج - ما تزال حية في الذاكرة.
أما اللقاء الثاني فكان زيارة مجاملة له في مكتبه، والثالث بعد ذلك بثلاث سنوات خلال ندوة مشتركة بين نادي نواكشوط الدبلوماسي ومندوبية اللجنة الدولية للصليب الأحمر في نواكشوط عن "تفادي الصراعات في إفريقيا وإدارتها" حيث تولى هو باسم النادي جانب الاتحاد الإفريقي في الموضوع. وقد أدهش الحاضرين - وأنا منهم - بمعرفته الدقيقة لهذه المنظمة وأهدافها ومراحل تطورها، وما تقوم به تجاه الصراعات في القارة، ذلك أنني عايشت تلك المنظمة منذ إنشائها سنة 1963، حيث موريتانيا من الدول المؤسسة، التي أولت كل اهتمامها للقارة التي كانت ملاذنا لفرض سيادتنا في المنظومة الدولية، ثم لكوني قضيت خمس عشرة سنة مندوبا لجامعة الدول العربية لديها، مما مكنني من حضور جل مؤتمراتها ومن ثم الإلمام بالمشاكل والاطلاع على المشاريع المختلفة. وعندما قرأت تنبأ سفير إثيوبيا لدى منظومة الأمم المتحدة في جنيف لمحمد السالك يوم 20 من إبريل 2007 أي أسبوعا قبل تعيينه بأنه سيكون وزير الخارجية في الحكومة الجديدة، تذكرت رد أحد ممثلي الاتحاد الإفريقي في جنيف - في معرض سؤالي عن سفير موريتانيا الذي لم أكن أعرف سوى اسمه وأنه من الشباب الدبلوماسيين المحترفين – "نعم هو بخير وجدير بالاحترام والتقدير" وفي هذه الشهادة تعبير عما يكنه الأفارقة للسفير من تقدير، اكتشفنا جوانب من أسبابه في حديثه عن بعض القضايا ذات الصلة بالقارة وعلاقاته بسفرائها، حيث كان لاعبا رئيسيا في المجموعة الإفريقية والعربية في جنيف وحتى في الأمم المتحدة بنيو يورك.
وقد رأيت أن أخصص مقالين لهذا العمل، أولهما عبارة عن نقل فقرات من المقدمة للقارئ العربي الذي يجب أن لا يحرم طويلا من هذا النص، والثاني في شكل ملاحظات حول بقية الكتاب المؤلف من تسعة فصول.
المقدمة
بقراءتنا للمقدمة نجد أننا أمام كاتب متمرس بأسلوبه وثقافته الواسعة المتشعبة ومعلوماته الغزيرة وقدرته على التعبير المباشر، وفوق ذالك منهجيته المحكمة، التي جعلته يوجز مواضيعه التوطئة ليعود إليها بلف ونشر مرتب، مع نجاح في الترابط المنطقي والسياق التاريخي. وقد أشار عند الوهلة الأولى - بشكل عابر - بمنطلقات أساسية، مثل التعريف المقتضب بمولد الكاتب ومكانه، وبعض الآراء السياسية في مرحلة المراهقة في المدرسة التي سيظل لها ذكر في صلب القضايا الوطنية بعد مرحلة النضج، وبداية المسار، بتخرجه في أول دفعة من الشعبة الدبلوماسية في المدرسة الإدارية سنة 1984، تاريخ التحاقه بالخارجية، وتولي رئاسة قسم الأمم المتحدة، ثم الانتقال، مستشارا في البعثة الدائمة في نيويورك، دبلوماسيا محترفا تدرّج في السلك حتى أصبح سفيرا بعد ثلاث عشرة سنة في جنيف لدى منظومة الأمم المتحدة؛ وهو أمر طبيعي في السلك الوظيفي، خاصة لمن يثبت الجدارة، والاعتماد على الجهد والمثابرة؛ مما يؤكد أنه حتى في ظل أنظمة فاسدة ليس النجاح مربوطا دوما بالتزلف والانخراط في كرنفالات المواسم السياسية، فصاحبنا "لم يحضر قط أنشطة الحزب الحاكم  -آنذاك - ولم يشارك في مسرحية بناء فصول محو الأمية ولا حملات الانتخابات الرئاسية". وهو يعتبر الظهور على خشبة الأضواء مناف لقيمه و"للمهنة التي اختار" منسجما مع قناعته بأن "موظف الدولة لا يحتاج إلى إثبات الولاء، وهو الذي يقوم بواجباته الوظيفية والوطنية رعاية للمصالح العامة ودفاعا عن قضايا الوطن". إذن نحن أمام مسؤول غير ملوث يعرف مأموريته ويتحمل تبعاتها دون حاجة إلى رقيب، بل إلى من يؤازره لتحقيق المصلحة المشتركة.
 وتعرفنا المقدمة على شمائل نصطحبها طيلة قراءة الكتاب: اعتزازه بالبلد وقيمه، من صدق وصبر وواقعية، والتي ظلت زاده في تجربته الثّرة خلال مسيرته الدبلوماسية، وكلها مرتبطة عن قرب بهذه "الأرض ذات الطبيعة القاسية، التي ترعرع فيها أجدادنا وأقاموا بها إمبراطوريات عظيمة ساهمت في نشر الحضارة العربية الإسلامية والإفريقية الزنجية، كما تصدوا ببسالة لصد الاستعمار الأجنبي عنها" ولذلك نراه ينحاز إلى الورثة الطبيعيين لهذه القيم: "الجيل الأول الذي تولى مقاليد الأمور في موريتانيا بعد الاستقلال، ورفع التحدي بتكريس السيادة الوطنية ووضع أسس دولة في مجتمع لم يعرف في تاريخه حكما مركزيا داخليا، تقاس صلابتها (الأسس) بدرجة استعصائها على معاول الهدم الواسع الذي يقوم به الحكم العسكري مذ سنة 1978" إذن هو وريث شرعي لتاريخ هذا البلد الذي "امتاز أهله بقوة التحمل والعزة والتعفف والرضا بالقليل، وبروح التضامن التي كانت مصدر اللحمة الاجتماعية".
• لم يخيب الكاتب الأمل في التصريح بآرائه ثم أفعاله - بعيدا عن تقية العجز- كما عودنا البعض، فهو يكتب ل "تمكين الأجيال الجديدة من أن تطْمئن على تاريخ بلادها، عبر ما دونه أولائك الذين تحملوا مسؤوليات وطنية، داعيا كل من عاشوا هذه الأحداث إلى تقديم رواياتهم". فكتب بأدب ورزانة، وبلغة الواثق في النفس العارف بأبعاد قضايا الوطن وتأثيرات الخارج، معتمدا المعلومة والتحليل الموضوعي للأسباب التي جرتنا إلى ما نتخبط فيه من أزمات في مقدمتها "النكوص عن قيم المجتمع الحميدة، نتيجة التغيرات الاجتماعية والفتور والانفتاح على المجتمعات الأخرى، وتسيير النظام العسكري وعمى بصيرته الذي ولّد صفات جديدة انتشرت في المجتمع الموريتاني، مثل الانتهازية والفراغ، وتلاشي صدقية المؤسسات وتدهور القيم وضعف الضمير الوطني، لينتشر صراع الهويات".
• لم يترك فرصة تفوت إلا وندد بالقبلية وتعارضها مع الدولة والعصر، لأنها تشكل تحديا حقيقيا لبقاء موريتانيا ومستقبلها، وهي التي صارت أساس الحكم ومصدر إلهام معظم النخبة والشباب، حتى رأينا رجالا من الرعيل الأول يتنكرون لماضيهم بالانهماك في إحياء القبلية! وشبابا يتكتلون عبر وسائل الاتصال الاجتماعي "فيس بوك" باسم القبيلة! ومثل القبلية النظام العسكري وقادته الذين تحول الموريتانيون في ظلهم إلى شعب خانع، يتصرفون فيه على هواهم، مع الأقارب والحلفاء، مدجِّنين شرائح واسعة من النخبة، التي تحولت إلى أدوات طيعة ينفذون بها مآربهم في جمع المال وتكديسه، بينما الموريتانيون يعيشون في الفقر المدقع يتخطفهم الجوع والمرض.
وحدثنا - تمهيدا لمعالجة قضيتن مهمتين يجب حلهما لصون الوحدة الوطنية - عن:
• محو آثار الرق
• المهجرين الذين خُصص لهم فصل في الكتاب. لكنه كان حريصا على أن يعطي لكل ذي حق حقه، وأن يكبح جماح الاندفاع، عكسا لما تعودناه [إما ضد أو مع]. وعن أحداث 1989، ونتائجها "  إن جزءا من المواطنين تعرض للقمع والتهجير إلى الدول المجاورة، وبقي الجرح نازفا، مما يجعل من المحتمل قيام مجموعات مسلحة بأعمال تهدد السلم الاجتماعي والوئام الوطني سواء من تلقاء نفسها أو بإملاء من قوة أجنبية. وجرت هذه الأحداث المؤلمة رغم أن الشعب الموريتاني ظل على مدى تاريخه في وئام وانسجام بين قومياته المختلفة التي يشكل الإسلام حصنا منيعا لوحدتها، لكن حاجز اللغة بقي عائقا رغم الاعتراف بأن التعددية تشكل ثراء كبيرا ينبغي صونه بتعليم اللغات الوطنية، وبجعل العربية لغة غالبية السكان اللغة الموحِّدة ". وقد لاحظ "تراجع هذه اللغة بسبب إدخال الاستعمار تعليم اللغة الفرنسية ثم بسبب اختطافها من طرف القوميين العرب المتناسين أنها استُعملت بشكل واسع من طرف السكان الكور" .
إن إثارة موضوع اللغة العربية في غاية الأهمية ما دمنا نريد التصدي لأهم القضايا التي لها تأثير مباشر على لحمة الموريتانيين وهويتِهم كبلد مسلم عربي إفريقي ليس له من صيت أو موطئ قدم في الإقليم ومن ثم في العالم إلا بإشعاعه الديني ونبوغه الثقافي العربي، وهو ما ينسجم اليوم مع تطلعات الأشقاء في سنغال ومالي وتشاد ونيجيريا والنيجر... الذين يولون كل الاهتمام لتعليم اللغة العربية ونشرها ويعولون على الدور الموريتاني.
ونبه الكاتب إلى أن من أسباب تذمر الكور سيطرة البيظان على الثروة، والذي تجلى أكثر فأكثر بعد "وصول ائتلاف قبلي سنة 1984 إلى الحكم، وعزز قبضته على الاقتصاد الوطني. مع ملاحظة أن الغبن عام، حيث لا توجد شخصية من الحوض أو العصابة ضمن الأغنياء الجدد أولائك". وأشار إلى أن الكور استاءوا في المجال الخارجي من انسحاب موريتانيا من الجامعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا دون شرح للأسباب.
• ثم أثار القضية الكبرى الأخرى التي يعاني منها المجتمع ونسيجه الاجتماعي، وهي "آثار ظاهرة الرق البغيضة، والتحدي الذي يشكله اندماج الأرقاء السابقين" منبها إلى "أن الظاهرة منتشرة في جميع مكونات المجتمع، وتمتد إلى خارج الحدود في جميع منطقة الساحل والسودان، لكنه يلاحَظ  أكثر لدى المجموعة العربية بسبب اللون" وذكّر بأن "الأرقاء السابقين هم أكثر شرائح المجتمع فقرا وتهميشا، رغم أن آلافا من المواطنين الذين لم يخضعوا للرق يشاطرنهم هذا الوضع، وهو وضع ظالم اجتماعيا وخطير سياسيا وعقيم اقتصاديا، ومن ثم فهو أكبر خطر يهدد المجتمع الموريتاني، حيث يمكن استغلال يأس هذه الجماهير المعدَمة من قبل تيارات متطرفة ومن قبل دول خارجية لزعزعة البلاد لذلك كان لا بد من مواجهة هاتين القضيتين لمنع خطر الانفجار"
• وتمهيدا للدخول في معمعة الحكم ومعاركه كان لا بد من وصف المشهد السياسي ولاعبيه، فجاء عنوان "صفات القيادة" الذي أعطى فيه للرئيس ما هو أهل له: "الاحترام والتعليم والتجربة وللوزير الأول الشباب والحيوية" مقابل "طبقة سياسية صاغها بشكل كبير الحكم العسكري، متعودة على ممارسات نقيضة لالتزامات رئيس الجمهورية عن الإصلاح وإعادة السلوك الأخلاقي للحياة العامة. فكان من الجليّ أن نجاح التجربة الديمقراطية أو فشلها وإعادة تأسيس الدولة مربوطة بالطريقة التي سيسير بها الرئيس العلاقة مع هذه الطبقة السياسية وبقدرته على مقاومة ضغطها ومناوراتها". ولإكمال الصورة ذكّر بأن الرئيس "رغم تأييده من رئيس المجلس العسكري (الحاكم) وكبار أعضاء المجلس لم يحصل في الشوط الأول إلا على 25% من أصوات الناخبين؛ وتقدم في الدور الثاني على منافسه بأغلبية  بسيطة، رغم انضمام الزين بن زيدان ومسعود بن بلخير إليه. ودلت الأرقام على شفافية الانتخابات وخاصة على وعي ويقظة الناخبين الذين صوتوا بكل حرية".
وكان منطقيا "دمج هذه العوامل واستخلاص رؤية عامة على ضوئها يتم الدفاع عن مصالح البلاد ووضع أسس سياسة خارجية على المدى الطويل؛ أبرزها أربع أولويات: القضاء على التناقضات الداخلية، إزالة العوائق البنيوية، تقوية الإمكانيات المؤسسية، إبراز المصادر الطبيعية عبر مساهمة المهارات المحلية ورأس المال الخارجي الضروري. وعليه يجب تعبئة الطاقات الوطنية لرفع هذه التحديات، مما يحتم على الجهاز الدبلوماسي أن يستعد للإسهام بأقصى ما يمكن في تحقيق هذه الطموحات. ومهما كانت السياسة الخارجية عادلة ومحكّمة فلن تحقق نتيجة ذات بال إذا لم تنفذها دبلوماسية فعالة وكفئة، وبالعكس فإن جهازا دبلوماسيا جيدا لن يحقق نجاحا معتبرا  إذا كانت الأهداف المحددة خاطئة وغامضة" وبعد أن استطرد رؤية بعض الرواد في تعريف الدبلوماسية كـ"أداة لتحقيق مصالح الدول وتنفيذ سياستها اليومية" لاحظ "أن من ميزاتها الاستمرار، لأن المحيط الجيوستراتيجي والإكراهات التي تواجهها كل دولة تكاد تكون ثابتة؛ وفي حالتنا كانت سياستنا جامدة طيلة عقود من الزمن ولم تكن تقاد باختيارات واضحة ومدروسة. كما لم تستخلص دروسا من سرعة التاريخ الناتجة عن انتهاء الحرب الباردة."
وانطلاقا من ذلك حدد الوزير المحاور الرئيسية للسياسة التي سيقودها:
• تعميق العلاقات مع الدول المغاربية
• تأكيد انتمائنا لاتحاد المغرب العربي، والسعي لبعث أجهزته والعمل مع تونس وليبيا – إن أمكن – لحمل الجزائر والمغرب على المزيد من المرونة، إذ بدون هذين البلدين لا يمكن تحقيق أي تقدم.
• تعزيز العلاقات مع دول غرب إفريقيا وخاصة القريبة مالي، سنغال، غامبيا، غينيا بيساو، الرأس الأخضر.
•   تنشيط العلاقات مع دول غرب إفريقيا الأخرى ووضع أسس شراكة مع المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا على أسس قواعد منظمة التجارة العالمية.
• استعادة العلاقات المميزة مع جميع الدول العربية مع عناية خاصة بدول مجلس التعاون الخليجي.
• تطوير الشراكة مع الاتحاد الأوربي، مع العناية بالروابط الخاصة مع ألمانيا وإسبانيا وفرنسا.
• تعزيز الشراكة مع جمهورية الصين الشعبية.
• العمل على رفع العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية لتكون على مستوى العلاقات السياسية.
• تعميق العلاقات مع اليابان
• وضع أسس للعلاقة مع الدول الصاعدة لكسب أكبر قدر من المزايا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية من تقلبات توزيع الثروة على المستوى العالمي".
أما الخطوات التي تمكّن الجهاز الدبلوماسي من أداء مهمته فهي:
• " إنجاز برنامج للتكوين والتدريب لموظفي الوزارة
• السهر على تسيير الوارد المالية بطريقة سليمة
• تحسين وضعية العاملين الدبلوماسيين
• تحديث الإدارة المركزية والبعثات الدبلوماسية والقنصلية
• تصور سياسة صحيحة للمحفوظات ووضعها موضع التنفيذ
• توخي الصرامة في منح الوثائق الإدارية.

الجزء الثاني
استقبل الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله يوم 1 ميه 2007 وزير الخارجية الجديد محمد السالك بن محمد الأمين صبيحة وصوله إلى نواكشوط، بعد أن تسلم مهامه، حيث عبر له عن رؤيته للوضع الجديد بالقول إن التحدي الذي يواجهه (الرئيس) أكبر مما يتصور، لأن الدولة وبنيتها قد تحللت منذ وصول الجيش للسلطة سنة 1978، وأن القيم الأخلاقية قد سجلت تآكلا خطيرا، ومع ذلك فإن انتخابه قد أثار آمالا عريضة، وأن قطاعات واسعة من الشعب تنتظر تغييرات عميقة، على رأسها استعادةُ دولة العدل والإنصاف، خاصة وأن الأشد فقرا من المواطنين هم الأكثر معاناة من الاستبداد والفساد. ويمكنه الاعتماد على الشرائح الكبرى التي ستكسب من تنفيذ برنامج إصلاحي عادل وعميق لدحر مقاومة المجموعة القليلة المتنفذة التي ظلت تحصد المكاسب من ضعف الدولة". وقدّم له عرضا عن السياسة الخارجية والإصلاحات الضرورية لتفعيل الوزارة وجعل الدبلوماسية أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إنه لأمر جديد وغير مألوف - خلال العقود الثلاثة الأخيرة - أن يقوم وزير خارجية بشرح مهامه وتوجهاته إلي رئيس الدولة. فقد فصلتنا صحراء قاحلة عن العصر الذي احتلت فيه الدبلوماسية الموريتانية مكانة سامقة في وجدان الموريتانيين، وحظيت باحترامهم وعناية رئيسهم الذي تولاها أزيد من سنة، فعرف أهميتها وارتباط بها، وهو ما كرسه الدستور وأصبح دستوريا أو عرفيا في معظم الأنظمة الرئاسية. وظلت الدبلوماسية الركيزة التي نعتمد عليها لفرض وجود موريتانيا على الساحة الدولية، والعنصر الحاسم في بناء السمعة التي حظيت بها البلاد، وأعطتها وزنا أكبر مما هي عليه، وأعطاها بقاء حمدي ولد مكناس وزيرا لها عشر سنوات استمرارية، ساعدت في التحكم في السفارات والموظفين وغطت على الكثير من النواقص البنيوية وضعف الإمكانات المادية، وساهمت علاقاته الشخصية في ربط صلات متينة مع نظرائه في العالم العربي والإفريقي بل لدى معظم الشركاء، فكان المردود إيجابيا. ومع وصول الجيش إلي السلطة تغيرت هذه الوضعية مئة وثمانين درجة بحيث أصبح وزراؤها الأقل استقرارا، حتى أن أحدهم لم يقض إلا عشرين يوما. وتدنت كثيرا مكانتها لتصبح دائرة تابعة لمدير ديوان رئيس الدولة، ليس فقط بغيبة الوزير بل بحضوره وبرغبة منه - أحيانا - حتى لا يتحمل أي تبعات. فرؤساء البعثات يتصلون مباشرة بمدير الديوان، بينما يتولي الأمين العام مهمة التسيير الإداري وتنفيذ تعليمات الرئاسة، وحتى أن التمثيل في المحافل الخارجية ونقل الرسائل إلى القادة لم يعد من مشمولات وزير الخارجية، إذ لا يحتاج – في نظر الديوان - إلى خبرة ولا تجربة. وبشكل عام خرجت الوزارة نهائيا عن دورها "الشكلي" فما بالك بالقضايا الجوهرية كالقيام بالمبادرات وتقديم الأفكار الجديدة ووضع الاستراتيجيات وخطط التنفيذ، فالوزراء مجرد كتبة ينفذون ما يملى عليهم، والخارجية والإعلام مراكز"حساسة" لا بد للعاملين فيهما من إثبات الولاء وخدمة الحاكم والبطانة. 
من هنا نفهم سلسلة الإرباكات التي تعرض لها الوزير في عمله وخاصة مع الديوان الذي يعتبر نفسه وريثا لسابقيه، في عملية استنساخ الماضي التي طبعت التجربة وساهمت في البلبلة والتذبذب الذي يتحدث عنه الكتاب؛ وقد مرَد مديرو الدواوين الرئاسية المتعاقبون على خلق مراكز من العاملين حولهم ممن ليس لهم عمل ولا مكاتب لتدمير الوزراء، بمتابعة عملهم اليومي غير متورعين عن استخدام الكذب، حتى يتسمم الجو ويسود الشك. ومن المحزن أن ذلك يسبب الضرر الكبير لعلاقات موريتانيا والتزاماتها ومواقفها. ويُحسب للوزير تثمينه للنتائج الإيجابية التي تحققت وإسداءه خدمة جليلة بالكشف عن الاختلالات التي عانت منها مؤسسات الدولة: رئاسة ووزارات وبعثات دبلوماسية؛ كما يؤدي واجبا بإطلاع الرأي العام على عمل الحكومة وسياسات البلد ومواقفه؛ لكن المقام لا يتسع هنا لسرد ما أورد.
  ومنذ الوهلة الأولى يسجل الوزير "أن قطاع الدبلوماسية أساسي، إلا أنه في حال يرثى لها، فموريتانيا تُبحر بدون رؤية منذ 1978 بلا سياسة خارجية واضحة أو منسجمة، ترتجل حسب الظروف، وهي لا تستطيع أحيانا الوفاء بالالتزامات التي تتحملها بين الحين والآخر، ووجودها في المحافل الإقليمية والدولية شكلي، فكما قال فيصل القاسم "لا تُستشار عندما تحضر ولا تُنتظر عندما تغيب" ومن ذلك أيضا ما جاء في تقرير بعثة من صندوق التنمية التابع للأمم المتحدة زارها سنة 2000: "إن موريتانيا المتأثرة بالثقافة العربية والإفريقية لا تنتمي لأي منهما". أما على المستوى الإداري فإن الوزارة ملغومة من الداخل على مدى جيل على الأقل بسبب العدد المفرط من العمال عديمي الكفاءة. والإمكانيات الموجودة على قلتها لا توزع بين البعثات حسب ارتفاع المعيشة ولكن حسب تأثير رئيسها".
لقد كانت الورقة الرابحة التي يملكها الوزير لتغيير النظرة السلبية إلي البلاد وإقناع الشركاء من أشقاء وأصدقاء بالدعم والمؤازرة هو إقامة مؤسسات ديمقراطية حيث "شكلت الهالة التي تمتعت بها البلاد صبيحة إقامة المؤسسات الديمقراطية ورقة رابحة" عكسا لما نتذكره عن الورقة التي كان معظم من يصل إلي السلطة بانقلاب يقدمها للمانحين أن الخزينة فارغة لا تتوفر على ما تدفعه رواتب للعمال. وظل يشرح لمحاوريه المزايا التي يمكن أن تُجنى من احتضان التجربة الموريتانية الجديدة سواء في إفريقيا أو العالم العربي أو بقية العالم الذي تتشابك مصالحه، إضافة إلي تعزيز العلاقات مع المحاورين وفتح مجالات للتعاون المثمر، وأنجعُه المنظمات الحكومية التي "توفر الإطار الأمثل للتعاون الدولي. فالدول الصغيرة يمكن أن تحقق تأثيرا يتجاوز بكثير حجمها الحقيقي إذا استغلت التحالفات الجهوية أو السياسية التي تنتمي إليها لتوسيع تأثير مواقفها". وكانت الأسبقية للدبلوماسية الجديدة هي الإسهام في النمو الاقتصادي والاجتماعي الذي له تأثير على حياة الشعب المنتظر لما يساعده، لأن موريتانيا هي رقم 155/177 دولة فقيرة في العالم، تنتمي إلى المجموعة الرابعة الأكثر فقرا. وكان أول ما استهدفه التوجه الجديد: المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء خاصة الدول المجاورة، والعالم العربي، مع التركيز على دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما تجسد في الزيارات التي قام بها الوزير لهذه الدول.
أفكار ومبادرات
يتميز الكاتب بروح المبادرة وخصوبة الخيال الفكري حيث لا نجد فصلا خاليا من فكرة أو مبادرة، ومن ذلك:
- السعي لإقامة فريق باسم "أصدقاء الديمقراطية في موريتانيا" يكون راعيا للتجربة الديمقراطية وضامنا لاستدامتها، مؤلف من الشركاء الرئيسيين (ألمانيا واسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا) على أن تلتحق بهم دول أوروبية أخرى (إيطاليا والنرويج والسويد)، واقترحت أن تلتحق بهم ثلاث دول إسلامية (ماليزيا وقطر وتركيا) وقد رحب بالفكرة دون تردد رئيس وزراء إيطاليا، كما رحبت بها الدول الأخرى، لكن بعضها طلب مهلة زمنية للدراسة. وقد أحسست التردد لدى مستشار الرئيس بوش للشؤون الإفريقية. وعلى كل فأزعم إنني لو تابعت هذا المشروع أكثر لأمكن إنجازه. ولو تحققت إقامة هذا الفريق لكان لها تأثير على الأحداث اللاحقة."
- إقناعه مجلس وزراء اتحاد المغرب العربي بأن يقدموا لموريتانيا الدعم الذي تحتاجه على غرار ما يفعل الأوربيون مع الدول الأقل نموا، لذلك قرروا "عقد ندوة المستثمرين المغاربيين ونظرائهم من مجلس التعاون الخليجي في نواكشوط. إضافة إلى سعي الوزير الليبي إلى أن يقوم رؤساء الدول المغاربة بزيارة موريتانيا معا، ولو تم لكان له وقع كبير، ويساعد على إحياء مؤسسات الاتحاد الميتة منذ فترة طويلة، والمبنية أصلا على خطأ، وهو تساوي الأعضاء في المساهمات، حيث استحت موريتانيا من أن تثير وضعها الخاص، انطلاقا من نظرتها لقيمة الكبرياء، المتناقضة اليوم مع القواعد التي تسيّر المجتمع الدولي، إذ لا يمكن لأية مجموعة أن تطلب من أعضائها دفع ما لا طاقة لهم به"
- السعي لخروج موريتانيا من اللاموقف من مشكلة الصحراء الغربية التي نعتبر - مثل الجزائر - مهتمين بها، فلا نزيد على تكرار عبارة "إننا مع كل حل يرضاه طرفا النزاع" أمام جميع الزوار مما يجعل من غير المجدي لنا وللأطراف الأخرى والوسطاء كالأمم المتحدة تبادل الرأي معنا. فقد حان الوقت لتكون موريتانيا حاضرة في هذا الملف الذي يرهن مستقبل العلاقات المغاربية والاتحاد المغاربي، ومن ثم مستقبل شعوبنا. وقد أشار الوزير إلي أنه لم يفصح عن بعض الأفكار التي طُرحها على الرئيس في هذا الشأن، وذلك - ربما - ضمن التزامه بأن لا يكشف ما قد يكون له تأثير على مصالح البلاد.
-  - اقتراح المشاركة في قوات الأمم المتحدة في دار فور، مما سيعزز مكانة البلاد في الأمم المتحدة ومع الشركاء، وترشحها لمقعد غير دائم في مجلس والذي تخلت عنه لليبيا رغم معارضة الوزير. وكان الرئيس معاوية بن الطائع قد عرض سنة 1992 إرسال كتيبة إلي دارفور ضمن قوات الأمم المتحدة لكن أمريكا رفضت بسبب تبعيّات موقف موريتانيا من احتلال الكويت.
- عقد اجتماع وزاري لمجموعة (5+5) حول التضامن الرقمي في يونيه 2008 بنواكشوط.
- التمكن من إدخال موريتانيا في مجموعة الشراكة الأورو-متوسطية بعد عشر سنوات من التأجيل.
- إقناع الصين الشعبية بتحويل المساهمة السنوية في ميزانية الدولة إلي تشييد أبنية عمومية.
- حرصه في مؤتمر آناپولي المنعقد في رحاب الحكومة الأمريكية بواشنطن في نومبر 2007 على أن يتحدث عن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 حول تقسيم فلسطين، وهو ما لم  يقم به أحد حتى أصحاب الشأن.
وقد خصص الكتاب صفحات عديدة للعلاقات بين موريتانيا ودول الجوار، حيث يُلاحظ تعقيد تسييرها لأسباب موضوعية أحيانا ونفسية وتراكمية في كثير من الأحيان، لذلك نرى حرصه الشديد على أن يتعامل معها جميعا بالندية، فقد رد علي الرئيس – بشأن - وشاية نمت إليه عن رسالة حادة قد يكون وجهها إلي الرئيس الدوري الليبي لوزراء خارجية اتحاد المغرب العربي، يرفض فيها قرارا لم يُستشر عليه - قائلا "إن دولة لا تحرص على أن تُحترم ليس لها شركاء وإنما أوصياء، وبالتجربة، فإننا لن نكسب احترام تلك الدول بابتلاع الأفاعي، وأرى أن على الدولة الصغيرة أن تكون أحيانا متشددة وإلا فإن شركاءها سيتجاهلونها تماما. واخترت بهذه الرسالة أن يحترم الآخرون القواعد التي وضعناها معا. فالمثل الصيني يقول إن السمك الكبير يبتلع الصغير الذي يتغذى بدوره على القريدس؛ وفي المغرب العربي نحن "القريدس" لكن علينا اليقظة حتى لا نُؤكل. وقد قدم الوزير الليبي للسفير في طرابلس الاعتذار، فأبلغ السفير الرئيس بعد ذلك أنه لم يشعر بالتقدير إلا بعد تلك الرسالة"
ويلفت النظر في الكتاب المعرفة الدقيقة بتاريخ البلاد التي زارها على تنوعها، فقد ذكّرنا بأن دمشق هي أول مستوطنة بشرية على أرض المعمورة وأن صنعاء أول عاصمة في التاريخ، وبمكانة الشناقطة في السودان، ولم يبق له إلا أن يذكّرنا بمحمد صالح الشنقيطي رئيس أول جمعية تأسيسية فيه قامت بإعلان الاستقلال وصادقت على دستوره، ولا شناقطة اليمن والأردن والكويت ومصر وليبيا، ولعل ذلك من باب توخي الاختصار، كما نبهنا إلى أن أول دستور حديث في العالم العربي هو ما استنه البايْ محمد الصادق في تونس عام 1861 مما يفسر رفض شعبها لخنق حرياته.
 ويضاف إلي هذه الميزات التمكن من الأساليب التي يُتعامل بها، من ذلك طلبه لعدد من القادة التدخل لتحسين علاقات موريتانيا مع دول أخرى، والحضور الذهني لتصحيح معلومة أو إسهام في حديث أو تنبيه خلال لقاءات يحضرها بين الرئيس ونظرائه؛ وتلك أيضا من مهام وزير الخارجية في الأنظمة غير الاستثنائية.
**
يضم كتاب الأمل الخائب مقدمة وتسعة فصول هي: وزير الخارجية، وضع التوجيهات المحدِدة للسياسة الخارجية موضع التنفيذ،مجلس الأمن، إسرائيل، قضية الصحراء الغربية، اللجنة الوزارية المكلفة بعودة اللاجئين، وحل الإرث الإنساني، إصلاح وتحديث الجهاز الدبلوماسي، نتائج مشرفة، الستار الحديدي.
لقد عالج الوزير جميع هذه المواضيع بعمق لأنها كانت في صلب مهامه وأشبعها تحليلا، عارضا وجهة نظره وما أنجزه وما لم يتمكن منه، والعقبات التي واجهته، والنواقص التي تعاني منها وزارته، مع ربط المشهد كله بالموضوع الجوهري، وهو التجربة الديمقراطية ومآلها المحزن، موضحا دور كل اللاعبين، ومحددا لكل منهم مسؤوليته وعلى رأسهم الرئيس سيدي محمد بن الشيع عبد الله. وبذلك يرفع سقف النقاش السياسي، الذي ظل متقوقعا حول الهم اليومي، واجترار معلومات قديمة مجتزأة، وتخمينات، دون تحديد المسؤوليات. وينبغي أن يشكل الكتاب إغراء للسياسيين وخاصة أقطاب التجربة المعنية بالإدلاء بدلوهم.

غرائب وطرائف

- توعُّد الرئيس الفرنسي نيقولا سركوزي لأحد معاونيه أمام رئيس الجمهورية ووفده في الأليزى!
- إبدال كاتب الدولة الفرنسي لاسم الرئيس وبحضوره باسم وزيره الأول الزين بن زيدان ثم تصحيح الخطأ.
- العثور على اتفاقية بين موريتانيا وجزر الرأس الأخضر بشأن الجرف القاري بينهما سنة 2003، حيث قُدمت للبرلمان لإجازتها، حتى نتمكن من مد مياهنا الإقليمية 200 بحري طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق البحار.

تصويبات

أقيمت العلاقات مع سوريا سنة 1966 وسبقتها مصر بسنة، ولم تقدم من المساعدات إلا في الثمانينات وهي كلها في مجال المنح؛ أم سفيرها فكان في نواكشوط سنة 1987.
- جاك لبريت هو ثاني سفير لفرنسا لدى موريتانيا بعد الاستقلال.
- قطعت موريتانيا علاقاتها بإيران بعد العدوان على موكب أمير الكويت أمام قصره، حيث كلفت بإعداد "تقدير موقف" حول الموضوع، نصحت فيه بعدم القطع، وقبل أن أسلمه بساعات أُذيع القرار!.


الأحد، 21 أكتوبر، 2012

أوراق عن أژواد/ الثانية عشرة/ قبائل الطوارق


يتوزع الطوارق على التقسيمات الاجتماعية المعروفة لدى إخوانهم وجيرانهم العرب من حيث تركيبة الهرم الاجتماعي، فهنالك على رأسه حمَلة السلاح أصحاب السلطة السياسية، وتمثلهم عدة قبائل تتفاوت في الأهمية موزعة بين مناطق إقليم أژواد الشاسع، ثم حملة القلم إيڴلاد (الزوايا أو الطلبه) ويتمتعون بالنفوذ نفسه الذي لأمثالهم من العرب، ثم تأتي الطبقات الاجتماعية الأخرى من أتباع أو تياب متحالفين، إضافة إلى الصناع التقليديين الذين هم في الآن نفسه أصحاب الفن والطرب، ثم بيلاّت وهم الأرقاء السابقون.

ويتحدث غالبية الطوارق بلغة تماشغ التي تكتب بحروف تيفنياغ التي يعود للطوارق الفضل في المحافظة عليها، وهي اليوم المعتمدة في الفضاء الأمازيغي من غرب مصر (واحة سيوه) إلى المغرب الأقصى. وينحدر الطوارق حسب أغلب الباحثين من خمس هجرات متتالية إلى الصحراء الكبرى وحتى ضفاف نهر النيجر، وهي لمطة وهواره (القادمة) من غرب ليبيا ومسوفه أو كل تادمكت، وڴداله ولمتونه. ومن هذه القبائل انحدر إلمْدَنْ الحاليين وكل تادمكت وإڴلاد والفروع التابعة لها.

وكان لمطه هم أوائل الطوارق الذين احتلوا المناطق الواقعة غرب الأيَر في نهاية القرن السابع الميلادي، ومنهم انحدر إلّمدن - كما سلف - وقد جاءوا من منطقة طرابلس الغرب، بينما بقي جزء من القبيلة في أماكنها الأصلية، بينما اتجهت أفخاذ منها إلى جنوب المغرب وإلى تْوات، ولحقت بها قبيلة هواره التي احتلت المناطق الجبلية للصحراء الوسطى، ومنها انحدر الهوڴار. وكانت لمطه هي التي انحدرت منها أول سلالة حكمت لمدة قرن (ابتداء من 1009م) نهر النيجر، متخذة من منطقة ڴاوو الحالية قاعدتها. أما مسوفه فكانت هجرتهم في القرن الثامن مع بداية الفتح الإسلامي للمغرب العربي حيث احتلوا معادن الملح في تغازه قبل أن يسيطر عليها البرابيش، واستقر أحفادهم أي مسوفه في منطقة افَاڴيبين (رأس الماء) أما كل تادمكت فقد استقروا في منطقة تِلمسي في الشمال الشرقي لڴاوو، وكان ذلك حسب عديد من الباحثين مع بداية التاريخ المسيحي، وأنشئوا مدينة بهذا الاسم يقال إن معناها: شَبِيهَةُ مكّة. وعندما هيمن العرب عليها عبر تجارهم ودعاتهم أيام قيام دولة المرابطين في الغرب سموها السّوق، وأصبحت مركزا للتبادل ورحلات القوافل بين منطقة النهر وروافده وطرابلس وتوات، وصارت مركزا إسلاميا كبيرا، منه انطلقت الدعوة عبر نهر النيجر إلى بعض مناطق الجنوب في بوركينا فاسو الحالية وبنين وغرب نيجيريا.

وكان من ضمن القبائل التي حملت لواء الدعوة مجموعة من أصل شريف هم إفوغاس المنتمين إلى إدريس الأول، ومنهم أُطلق الشرف على عدد من المجموعات المرتبطة بهم، وعرفوا بلقب كلسوق (كل السوق) نسبة إلى المدينة إلى الحاضرة، وانطلاقا من القرن العاشر الميلادي اتجهت قبائل إفوقاس وكلسوق إلى ما يعرف اليوم بآدرار إفوقاس، بينما اتجهت مجموعات من سكان كل تادمكت إلى الجنوب واستقرت في الضفة اليمنى للنهر مقابل ڴاوو.

وقد وصلت بعض قبائل ڴداله ولمتونه في القرن الحادي عشر إلى نواحي تنبكتو، وارتبطوا بالهجرات العربية الحسانية القادمة من جنوب المغرب وشمال موريتانيا، إليهم تنتسب قبائل كلنصر.

وإذا ما عدنا إلى خمسينات القرن الماضي نجد أن القبائل الطارقية موزعة كالتالي:

أولا - إڴلاد (الزوايا) وأتباعهم

1. كلنصر، ويعود نسبهم إلى أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم لكن استقرارهم في وسط الطوارق جعلهم يتحدثون لغتهم ويتماهون معهم في العادات والتقاليد ومن ثم فهم مثال للقبائل العربية التي (تطرقت) وينتشر التعليم العربي والإسلامي فيهم بكثرة، ومنهم اشتهر علماء وشعراء، وينقسمون إلى الأفخاذ التالية: الشرفاء، كل تچبس، إنتابن الفاو، إيدنان، كل تاشرير، كل أوروزيل، كل رزاف، بانكور، إدكاكامن، إنتابن هانيبونڴو، كل تينتوهون، كل إنتابوريمت، كل دوكونى، إنتاچيت، كل تينبوكري، كل أبوكاخ، كل إينوكندر ويطلق على هؤلاء كلنصر الغرب، وجيرانهم البرابيش؛ أما كلنصر الشرق الموجودون في تلمسي فيتألفون من: كل حامد طال، كل هَندا هَندا، كل إنكومّن، كل انتورشاون، كل إنابالاهن، إنتّولك، كل إيناڴوزم، كل إمڴشارن (مغشاره) كل غزان، كل إيبادان، كل إنچارن، وهؤلاء جيرانهم كنته. وينتجعون في الوسط وكذلك الغرب حتى ڴوندام.

2. كل هوسا، ويضمون الأفخاذ التالية:كل هوصه الأصليون، كل كمرت، كل طاهروديان، كل تنبوراق، كيلَيْ، كل تينتهون، كل تاداك، كل إندابي، كل طبقات، شرفاء ڴلاڴه، كانيْ، هنڴبير، بيبى فاڴبين.

3. شريفنغ (الشرفاء) وهم عرب تطرقوا، لكن الكثير منهم ما زال يحتفظ بشجرات نسبه العربية، ويوجد البعض منهم في كورمه مع كنته أو إفلان، والباقي في الصحراء، ويتوزعون إلى عدة أفخاذ:إنَتابن، كل إواطه، فاتي كويْ، كل هديده، داباروكويْ، كل أراڴونڴو، بيلّة دبي، بيلة فاڴبين.

ثانيا - قبائل الشوكة وأتباعهم


إن مواطن القبائل ذات الشوكة، الرئيسية المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية، وهي التي ظلت تاريخيا تهيمن سياسيا وعسكريا على معظم الإقليم، حتى وصول الفرنسيين مع نهاية القرن 19، ومن أبرزها:

- - إيلّمدن وكانوا أهل الإمارة، وينقسمون إلى غربيين وشرقيين، معظمهم اليوم في مالي والباقون في شمال النيجر، وجنوب الجزائر، ويتوزعون إلى:إموشغ (النبلاء) كل إهارن، كل تهيتات، إغطافنن، إلوغمان، إودالن، إمنان، إمغران، إشد نهارن، إمضضغن، كل ولي.

إفوغاس، وهي قبيلة عربية شريفة تنحدر من إدريس الأول، وكانت من قبائل مدينة السوق التي ورثت مدينة تادمكت بعد اندثارها، وقد انحدر منها العلماء والصالحون، وإليها ينتمي العام والمربي الشهير سيدي عالي بن النجيب شيخ الشيخ سيدي المختار الكنتي. وبالإضافة إلى هذا الدور فهي قوية الشكيمة مهابة الجانب، تستوطن بشكل رئيسي في جبال آدرار (آدغاغ) وتيمترين على الحدود مع الجزائر، التي لها امتدادات بها وكذلك النيجر. وانطلقت منها على مدى التاريخ جميع الثورات والانتفاضات ضد الفرنسيين ثم ضد الحكومة المالية، حتى الثورات المعاصرة والحالية التي يقود أبناؤها أجنحتها الرئيسية اليوم: حركة أنصار الدين وحركة تحرير أژواد.

ويتوزع إفوغاس من الأفخاذ التالية: كل تينبوكورت، كل أباغ، تل كاتن، إيريَڴين البيض ويشتعينين، إيريَڴين الكحل ويلينين، إيبهاون، إيمزڴرن (أهل الذكر) إفرقومس، إيقلاد، إيمدّدغن (يسكنون النهر مع إمغاد) تاراقازا، كل تلميط، كل تشادّين (أهل النخل في تسليت)إبراهيم الدغوغي، الأنصار، والبعض من إفوغاس يسكن النيجر وهم كل تَدَينْ، كل تغليت، يقضاض (الطيور) ومن القبائل المنضوية تحتهم: إڴدلن (ڴداله) أهل السوق (بعض من كل السوق) إيدنان، كل تغليت، إرڴناتن، الكناته (من كنته) إيضبيلالن، يغوزاون، إمغاد وهم أتباع من قبائل شتى، كل أغلال، إيبوعلليتن، إينهاضن (حدادون) وولاؤهم لكل القبائل.

- الهڴار وهي على الحدود المالية الجزائرية، وقاعتها اليوم في تمنغاست بالجنوب الجزائري، ويوجد البعض منها داخل الشمال الشرقي لأژواد، ومن فروعها: كل أغلال، كل أغري، تاغت نلت.

- إيدنان، ويضمون: تالكاست (وهم من الأنصار) إينهرن (الغزلان) تايتوق، كل تيرغست.

- إدوسحاق: وهم من أصول عربية، ومن قبائل العلم.

- كل السوق: تحدثنا عن مكانتها العلمية التي ما تزال قائمة، ولها فروع متفرقة بين قبائل أژواد العربية والطارقية، ويتحدثون العربية إلى جانب تماشغ.

- شَمنمّاس (شام أنماس = الشام الأوسط) وهي من أصول عربية وتنتجع في الوسط وفي أقصى الجنوب حتى بوركينا فاصو.

- إمغاد، وهو خليط من أتباع جميع القبائل ويوجدون بين قبائل الطوارق والعرب. يتبع

**

للمزيد من الاطلاع يمكن الرجوع إلى:

1. HAUT- SNEGAL – NIGER T 1Paris Maisonneuve et larose 1972

2. PAUL MARTY: les kounta de l,este – les brabiche les iguellad, T.1ernest leroux paris 1920.

3. PAUL MARTY : la région de Tombouctou , T.2-

4. صحراء العرب الكبرى لمحمد سعيد الكشاط دار الرواد طرابلس – ليبيا 1994.

5. أژواد أو صحراء التينرى " " "مؤسسة ذي قار سنة 2000.