الثلاثاء، 9 يونيو، 2015

عرض عن كتاب الداهية بن محمد فال المختار موريتانيا وقضية الصحراء، من الحرب إلى الحياد، قراءة في الحصيلة والآفاق



عرض  بقلم/ محمد محمود ودادي

   أشكر المعهد الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية على دعوته للمشاركة في هذه الندوة، وأثمن عاليا جهوده للإسهام في تلبية حاجة الدارسين والمهتمين، بل الجمهور، في الوصول على مبتغاهم المعرفي في بلاد ما تزال في بداية طريقها إلى توسيع حقول المعرفة، كما أثمن مجهود مركز الجزيرة في اهتمامها المتواصل بالمؤلف الموريتاني.
  لقد قرأت هذا الكتاب المؤلف من 270 صفحة، وبابيْن وأربعة فصول وملحقات عديدة، وذلك بطريقة سريعة ومتقطعة، لكني خرجت بأنه إسهام في موضوعه، فهو عرض مكثف عن الصحراء الغربية وعلاقات كل من موريتانيا والمغرب بها وكذلك الجزائر، إضافة إلى تطرقه لأحداث موريتانيا الداخلية، وخاصة النشأة، ومدى ارتباط ذلك بالموضوع، موظفا هنا أهم وثيقة موريتانية مكتوبة حتى الآن عن نشأة الدولة والمصاعب التي اعترضتها، وخاصة علاقاتها بالجيران والإقليم، ثم عن القضية الصحراوية والحرب التي اندلعت حولها، أعني كتاب الرئيس الراحل المختار بن داداه: موريتانيا على درب التحديات.
   ويمكن تلخيص الرؤية الموريتانية في قضية الصحراء في أنها ذات أبعاد وطنية وإقليمية وحتى دولية، ولاهتمام موريتانيا بها وتشبثها بأن تكون طرفا في جميع الجهود والتحركات المحلية والإقليمية والدولية، لتقرير مصيرها، مقدماتٌ كثيرة، أن الطبقة السياسية الموريتانية كانت مقتنعة بأن الصحراء جزء من موريتانيا ومعها ـ إلى حد ما ـ  أزواد في مالي. وهو ما يجسده خطاب الرئيس المختار الشهير في أطار سنة 1957 الذي ذكره المؤلف دون فقرته الأكثر التصاقا بوجدان جل المواطنين: "..أن موريتانيا لا يمكن أن تنهض إلا بجناحيها: الصحراء الغربية وأزواد"؛ إضافة إلى أن تحقيق الوحدة مع الصحراء هو اكتمال للسيادة الوطنية وتعزيز الفضاء الشنقيطي البشري والثقافي، ومن ثم الاقتصادي والسياسي، مما سيحصن استقلال موريتانيا ويدعم مكانتها الإقليمية، سواء مع أقطار المغرب العربي، أو دول غرب إفريقيا؛ وكانت الفترة التي شهدت تقاربا بين نواكشوط والرباط والجزائر، منذ سنة 1969 مليئة بالآمال والتوقعات ببناء جسور من الثقة بين الأطراف الثلاثة، الخارجة من سنوات من القطيعة والتوتر، فالتقت وجهات نظر قادة هذه الأقطار في حينه، حول هدف محدد ومعلن، هو إخراج الاستعمار الإسباني من الصحراء الغربية، فشكلوا "مجموعة" ثلاثية في مؤتمر نواذيبو سنة 1970، نسقت للضغط على إسبانيا وحرمانها من سياسة فرق تسد التي كانت تلعب عليها لتماطل في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومهد هذا التفاهم الثلاثي ـ كما كان متوقعا ـ لتوقيع اتفاقية حدود بين الرباط والجزائر، وطي صفحة الخلاف المزمن بين موريتانيا والمغرب، لتثبّت الحدود نهائيا بين الأقطار المغربية الثلاثة، بعد أن ظلت سببا رئيسا في الخلاف بل الصراع أحيانا.
  
   وقد استطرد المؤلف محطات مهمة، منها أن  الموقف المبدئي لموريتانيا كان رفض التقسيم لأنها تعتبر الصحراء موريتانية، مثل الموقف المغربي منها تماما، لكن الرئيس المختار قبِل التقسيم، خضوعا لواقع ميزان القوة والضغوط الخارجية، ومنها العربية والإفريقية والأروبية.

  وكما قال المؤلف، فإن التقسيم تم في التفاهم السري بين المختار والحسن، الذي توج باتفاق فاس سنة 1974، ثم تلته المرافعات أمام محكمة العدل الدولية سنة 1975، والتي كان يراد منها تثبيت الاعتراف بحق كل طرف أمام هيئة دولية؛ فقد قُبلت "المجموعة الموريتانية" ندًّا للدولة المغربية ذات الإدارة العريقة، وهي سابقة قانونية كرستها المحكمة الدولية، وبذلك حُسمت المطالبة بموريتانيا - وهو مكسب عظيم - حيث اعترف المغرب "بالمجموعة الموريتانية" وأن لها "صلات خاصة مع بعض قبائل وادي الذهب أي تيرس الغربية" مقابل اعتراف موريتانيا للمغرب بـ"علاقات مماثلة مع بعض قبائل الساقية الحمراء". وقد لاحظ المؤلف أن المحكمة حرصت على أن تقرير المصير المنصوص عليه في قرار الجمعية العامة هو الاستفتاء المباشر، بينما اعتبرت موريتانيا والمغرب أن تصويت المجلس الوطني الصحراوي (برلمان المستعمرة) بالأغلبية لصالح اتفاقية مدريد، تقرير مصير، مثل الجمعيات الوطنية في المستعمرات السابقة التي أُعلن استقلالها دون تنظيم استفتاء شعبي، ومنها موريتانيا، بينما ردت پُوليزاريو بأن ذلك يتجاوز الحقيقة، لأن أعضاء برلمان الإقليم لم يكنوا حاضرين جميعا، بل ساندها بعضهم وحضروا إعلان الجمهورية الصحراوية في فبراير 1976، مؤكدة تشبثها بنص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 حول تقرير المصير.
 
وقد ضم الكتاب بين دفتيه معلومات كثيرة يحتاجها - بلا شك - القارئ، وإن كان القليل منها جديدا بالنسبة للمتتبع، كسير الحرب وخسائرها، وملابسات انقلاب 1978 وما آلت إليه سياسة اللاسياسة بالنسبة للبلد عامة، ولقضية الصحراء، وعلاقات الحكم الجديد بأطرافها، بل بالعالم الخارجي كافة. ومن أمثلته على ذلك "اتفاق الجزائر بين موريتانيا وپوليزاريو، في 5 أغشت 1979، والظروف الغامضة التي اكتنفت توقيعه، حيث كان إذعانا للجبهة التي فرضت انسحاب موريتانيا من تيرس الغربية - دون إخطار شركائها في اتفاق مدريد - في موعد رُتب له أن يكون سريا، لكن المغرب اطلع عليه، فبادر باحتلال تيرس الغربية. ولم يحقق الطرفان الموريتاني والصحراوي أي مكسب"؛ وهو ما كشف هشاشة بعض التسريبات إلى الصالونات (محل الحل والعقد للحكم الجديد) عن وجود "تفاهم سري يجعل الجبهة تترك تيرس الغربية بيد موريتانيا، وتتفرغ لمواجهة المغرب" ويصوغ "الصالونيون" في ذلك مقولة تريد تغطية واقع الكراهية آنذاك بين الطرفين "بأن حرب الصحراء لم تكن بين عدوين، وإنما صراع إخوة، سينتهي بالتصالح، وأن احتفاظ موريتانيا بجزء من الصحراء سيكون لصالح المجموعة؛ فالرابح في عرف البيظان أن من يُبقي على جزء من "لَمْدنّه والماشية" بعد الغارة، يكون قد خدم المجموعة كلها".

  وقد اعتمد الكاتب بالنسبة لمعظم معلوماته عن الطرف الموريتاني على ما وجد بين يده منشورا من قبل الدارسين الموريتانيين القلائل، الذين تعرضوا للموضوع، خلال الخمس عشرة سنة الماضية، وهو غير كاف، خاصة أن المعلومات متوفرة ولكنها تحتاج إلى التجميع والتدوين، فالكثيرون من شهود العيان ما يزالون على قيد الحياة. كما أهمل الكاتب مصدرا رئيسا للمعلومات هو ما نشر باللغات الأجنبية الأوربية، سواء من كتب أو دراسات أو مقالات، صادرة عن مراكز بحث، أو مؤسسات حكومية غربية، أو صحف ومجلات، وتلك ظاهرة تتكرر في المؤلَّف العربي في موريتانيا. لكن الكتاب ضم بين دفتيه وبتفصيل، وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالنزاع، وعلى الخصوص، مشاريع التسوية المختلفة التي قدمتها لأطراف النزاع والتي لم تراوح مكانها.

  وقد حاول المؤلف أن يكون متجردا وموضوعيا وهو ما لا يمكن التأكد من أنه سينجح فيه، نظرا للاصطفاف الذي ما يزال قائما بين جمهور المعنيين من الأطراف المختلفة، ولأدلجة الخطاب السياسي والإعلامي، الذي يضيّق كثيرا من هامش التجرد لدى أي كاتب، خاصة في موضوع كهذا. وقد تجلت تلك الصعوبة عندما حاول أن يقترح مشاريع حلول للخروج من الأزمة الحالية، حيث استخدم تارة عبارات تكاد تكون "وعظية" من قبيل "تغليب المصالح المشتركة، وإقامة المغرب العربي" بعد أن برهن  - من خلال سرده للوقائع السياسية ووجهات نظر الأطراف المعنية - على استحالة ما يتمناه، لعمق الهوة بين الأطراف، ولرسوخ انعدام الثقة، مقترحا أن يُترك الأمر بيد الأمم المتحدة، وهو أمر غير واقعي أيضا، أمام فشلها الذريع في القضية.
   وعلى كل، فله السبق في هذه المحاولة التي ينبغي للدارسين التركيز عليها، لكن المسؤولية تبقى على عاتق قادة الأطراف المعنية، وهم المغرب وپوليزاريو والجزائر، وموريتانيا الذين عليهم مقاربة جديدة للخروج من المأزق الذي تعيشه دولهم وتعيشه قضية الصحراء، حيث يرى د. ددود بن عبد الله: "أن على هذه الحكومات رفع اليد عن شعوبها بإدخال إصلاحات حقيقية، أو اكتمال ما تم حتى الآن، لتولد أنظمة حرة منبثقة عن إرادة الشعوب، التي ستعرف مصالحا، وأن تضع هذه الحكومات الصحراويين في ظروف من الحرية والشفافية، ليعبروا عن إرادتهم، سواء في الساقية الحمراء ووادي الذهب أو في مخيمات تندوف، وموريتانيا، أو في الشتات، وعندها سنكون على الطريق الصحيح لإيجاد حل نهائي للقضية"  لكن ذلك كله مرهون بقدرة الشعوب على فرض التغيير على حكامها وتحقيق الحرية والعدالة والحكم الرشيد وإقامة دولة القانون. وقد يكون هذا جوهر أمل المؤلف في أن نجاح الربيع العربي سيساهم في ربط علاقات أخوة بين شعوب المغرب العربي، والإسهام في حل القضية الصحراوية.
ورغم هبّة الثورة المضادة فإننا على يقين من أن عصر الدكتاتورية والتسلط، والنهب والفساد، والاحتقار، مآله الزوال، وأن الشعوب العربية لا بد أن تصل إلى إقامة أنظمة تُدخل العرب العصر، الذي حُرموا من الدخول فيه طيلة ما يناهز القرن، فسيصلون إلى إقامة أنظمة انتقالية تؤسس لأحكام ديمقراطية تحترم القانون، مما سيكون مفتاح حل الكثير من المعضلات ويضمن بقاء كياناتنا بل شعوبنا المهددة في كثير من مواطنها بالسقوط.

نواكشوط 20/08/1436 – 06/06/2015

الأحد، 9 نوفمبر، 2014

محمد بن سيدي بابا في ذمة الله


  توفي ليلة الخميس الماضي 13 محرم 1436 – 14/11/6م في نواكشوط محمد بن الداهي بن سيدي بابا، عن عمر يناهز الواحدة والسبعين، بعد مرض عضال كان متلبسا به منذ فترة؛ تاركا ابنا ما يزال في نهاية المرحلة الثانوية، وابنتين، وثلاث أخوات؛ وترك في الآن نفسه فراغا في الرشيد ومجتمعه المتمدد في تكانت ومعظم ولايات الوطن.
تربى الفقيد في أسرة دين ومروءة وشهامة، في كنف أبيه الداهي الذي توفي عنه مع البلوغ، وأمه فاطمه بنت خواه، وبين أخواته وأخيه (مات مبكرا) فشب على البرور بالوالدين والأسرة، التي توسعت بزواجه، الذي أضاف لهذا العقد النفيس: فارسا وزهرتين. فتشكلت أسرة هي اليوم مضرب المثل في التقى والورع والمروءة، والثقافة الواسعة من أدب وشعر وسيرة ومناقب، فهي مرجع الباحثين والدارسين للمجمع، وجميع أنواع الثقافة المحلية، مع الإبداع، وعلو الهمة، مما يكرس إرثا ضاربا في أعماق التاريخ.
 كان محمد، عارفا بأمور دينه، مشاركا في الفنون المتداولة في محيطه،  شاعرا بالعامية، جغرافيا، قل من يضاهيه في معرفة جبال تكانت وسهولها، وأوديتها، ومنابع مياهها، وأشجارها، وتركيبتها السكانية، إضافة إلى معرفة واسعة بمجتمعه والمجتمعات المجاورة، راوية للشعر الفصيح والعامي، ولمناقب الرجال،  صدوقا صبورا، شجاعا، يعاف الخنى، ويأبى الضيم، والمذلة، يكرم الجار، ويقري الضيف، ويقدس العهد ويفي بالوعد.
 زرته يومين قبل وفاته، بعد ما سمعت بخطورة نوبة حلت به، حيث كنا نتحادث بالهاتف فقط، بسبب صعوبة التنقل في المدينة وضيق الوقت، وخاصة أنني لم أكن أتصور خطورة المرض الذي يعانيه، ويلح عليّ أنه من سيزورني في البيت. وخرجت بعد زيارتي وحديثي معه مطمئنا إلى حد ما، وأن نوباته عابرة، خاصة وأنه أشفى لي الغليل بتفصيل وروية في موضوع سألته عنه.
وفي نوبته الأخيرة قبل وفاته، استدعى الابن وأوصاه، بحضور عدد من أفراد الأسرة، وطمأنه أن لا ديون عليه، وحدد له أماكن بعض الأمانات والودائع، وقال لإحدى القريبات التي كانت تريد أن تدلّك قدميه "لا جدوى! إذ مرت من هناك المنية، فلم أعد أحس باللمس"  ثم نهَر أحد الحاضرين الذي كان يداعبه، ليحاول تخفيف ما هو فيه: "اتركني وما هو أنفع لي" وقرأ الفاتحة وبعض الآيات، ثم شرع في الشهادة، حيث لم يفقد الوعي إلا في آخر رمق. وبذلك مات محمد على ما عاش عليه من المثل التي تربى عليها.
  وأول ما يتبادر للذهن أمام هذه الشجاعة، ما ذكر لي الثقاة الراوين عن شهود عيان عن موت جد أبيه لأمه محمد المختار بن الحامد؛ عندما حلت به المنية وهو في ركب من الحجاج عند ميقات ذي الحذيفه حوالي سنة 1915 - وهو مهاجر من بلاده بعد الاحتلال الفرنسي - حيث كان يعاني من مرض اعتبره رفاقه خفيفا: فالتفت إليهم وقال: "سترون اليوم موت الشجعان" فتمدد على الأرض وتغطى بقطعة قماش، وما لبث أن انقطع دون حراك.
  وفقدت تكانت بموت محمد بن سيدي بابا علما بارزا قل مثيله، كما فقد الرشيد وجهه الأدبي الثقافي المتميز، وفوق ذلك فقدت الأسرة الأب والأخ والابن، وفقد الأصدقاء الزميلَ والرفيق المؤنس، المنجد عند الملمات، رحم الله الفقيد وأدخله فسيح جناته ورزق الأهل الصبر وحسن العزاء، وبارك في الخلف، إنا لله وإنا إليه راجعون.

السبت، 7 يونيو، 2014

مصلو تفرغ زينه يستقبلون رمضان بدون الإمام أحمد بن محمد فال



  
 


دأب سكان حي "سـوكـوجـيــــم" على صيام شهر رمضان الفضيل وقيامه، يستقبلونه بفرحة، يصومون نهاره ويصلون ليله، كباقي مساجد العاصمة الكثيرة لله الحمد، مجتهدين في أعمال البر من بذل للفقير والمحتاج؛ يأدون الفرائض الخمس في المسجد، يجتهدون في الوصول باكرا لأخذ أمكنتهم خلف الإمام في صلاة العشاء – رجالا ونساء - في ساحة المسجد، ثم صلاة التراويح.
وقد ظل خلال العقدين الأخيرين القارئ الحافظ أحمد بن محمد فال بن سيدي بابا، إمام هذا المسجد، الذي يقبل عليه سكان الحي المترامي الأطراف، بل جيرانهم من الأحياء الأخرى، خاصة في رمضان.
  وفي 27 من رجب الماضي وافت المنية الإمام أحمد في تونس وهو في رحلة استشفائية من مرض عضال قاومه عدة سنوات بصبر وشجاعة، فكانت رزية لمصلي المسجد ورواده، ورزية لهذه البلاد بفقد أحد حفظة كتاب الله العزيز.
  لم أكن من الرعيل الذي عايش آخر فصل من قصة نجاح هذا الرجل العبقري الصبور، ولكني سمعتها من المصلين القدماء، وهي تحويل كشك من الصفيح، كان مخزنا لمعدات شركة سوكوجيم، إلى مصلى ومقر كُتّاب لتعلم القرءان وحفظه، ثم إلى مسجد. وقد استمتعت بعد عودتي من الغربة الطويلة إلى الوطن منذ ثماني سنوات بارتياد بيت الله هذا، المريح بموقعه العامر بجماعته، خلف إمامهم.
  زرت معظم أحياء نواكشوط لأطلع على التوسع الذي حدث، فوجدت مدينة عامرة بالمساجد من أحجام وأشكال مختلفة، في نهضة مباركة تعوض عن الإخفاق في مجالات أخر، وصليت في العديد منها، فبُهرت بعدد الجمهور المصلي، ونوعيته، التي يمثل الشباب غالبيتها، بعد أن لم يكن في العاصمة خلال خمس عشرة سنة من إنشائها إلا جامعان وثلاثة مساجد، حيث كان الناس يعتاضون عنها بالصلاة في منازلهم. وإضافة إلى ذلك بُهرت بعدد من الأئمة، لحفظهم وحسن تلاوتهم، وتنوع مقرئهم، من ورش وقالون إلى قراءة حفص الوافدة، وإن كان البعض من الأئمة الشباب يقلدون مُقرئي الحرمين الشريفين حتى كأنك تسمع عبد الرحمن السديس أو سعود الشريم أو على بن عبد الرحمن الحذيفي.
  وفي مسجدنا ينتمي الإمام إلى المدرسة الشنقيطية وخاصة إلى محاظر القرءان في أفلّه والعصابة والحوض، التي هي - لله الحمد - احتياطنا الاستراتيجي في حفظ القرءان وتعليمه، فهو صمام أمننا في مواجهة الجهل والزيغ والانحراف، يتلو في الفرض بقراءة ورش وفي التراويح بقالون، متوخيا التخفيف لقصر المد عند الأخير وبطريقتنا المحظرية المؤثرة. وعندما ينتصب هذا الرجل المائل إلى القصر والنحافة، ويُحرم للصلاة مندفعا في التلاوة، تجد نفسك خلف عملاق من جنود الله لا يكاد محرابه يسعه، تتهادى كلمات القرءان من فيه بسلاسة وعذوبة، رحمةً على المومنين ووبالا على الغافلين؛ في ملحمة مع النفس والشيطان أمام الخالق الديان، وفي اقتفاء حرفي لما صح من صفة صلاة رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام؛ ويزيد خضوعك وخشوعك انضباط هذا الرجل في حركاته وكأنها  مبرمجة على جهاز آلي، فالوقت هو الوقت، وقدر القيام والسجود والركوع محدد، والهيئة هي نفسها طوال السنة: لباس نظيف، يكاد يكون من مقاس واحد، يغطي الجسم كله ولا يزيد، لا ترى إلا المُحيا والرقبة والأيدي والسواعد والسيقان، دون أن يظهر السروال، بينما تُتوّجُ العمامة ذاتُ الذؤابة هامتَه البيضاء، مما جعلني أقول لبعض الإخوة إن الإمام بانضباطه يشبه من تدرب في الجيوش، قبل معرفتي بقصته الكاملة أياما قبل رحيله. إنه باختصار مدني متحضر ومنضبط، كمن لم يتأثر بالبادية وبعض مسلكياتها التي تشوب سلوك معظمنا اليوم حتى في بيوت الله.
                                       رحلة الحياة
  ولد فقيدنا في موضع يُدعى بيظة الماء في الأطراف الجنوبية الشرقية لأفلة (الواقع آنذاك بين ولايتي العصابة والحوض) قبل حوالي ستين سنة، في أسرة صيتُها بالأمانة والصدق منثور في الحي والقبيلة، وعندما بلغ سن الدراسة تولى أمرَه زوج خالته محمد المختار بن سيدي بن عُمارُ، متنقلا به في أطراف البادية إلى حيث المرعى والكلأ من وادي أم الخز المنبثق إلى الشمال الغربي من جبل العاگر، حيث منازل القبيلة، التي تتجه جنوبا في بعض الأحيان زمن الصيف إلى ضفاف أعالي نهر سنغال وحاضرته خاي. وما أن كسر "اذْهَابَة" (حفظ القرءان دون المقرء) حتى عاد الصبي الحافظ إلى والديه، ليبدأ قراءة علم التجويد، ويأخذ السند (الإجازة في قراءتي ورش وقالون عن نافع)، وهو في هذه الفترة مساهم في رعاية الماشية والقيام بنصيبه من شؤون الأسرة وإعالتها مع إخوته. ثم اتجه إلى تدريس القرءان للصبيان لدى الأقارب، كمصدر للعيش بعد سن البلوغ، كعادة أقرانه من حفظة القرءان الشباب، المتخرجين في المحاظر المحلية التي كان من أشهرها محظرتا محمد فال بن القاسم، ومْحمد بن اچّوهَ. وهكذا تنقل في أطراف الولاية والبلاد، حتى حطت رحالُه في أكجوجت ليعلّم الصبيان لدى بعض الأسر.
وقد تاقت همته إلى الدخول إلى الجيش، ربما لكسر حاجز العزلة، الذي ضربه الاحتلال على القبائل التي حاربتهم فمنعوا عنها اقتناء السلاح أو استعماله، مما ولد عزلة لدى غالبية الشعب والابتعاد عن السلطة الوطنية وأدواتها، والتي ظلت في نظر الكثيرين امتدادا لإدارة الدولة الفرنسية الظالمة، حيث منعوا التعامل معها خلال الستين سنة من الاحتلال. وقد ترسخ هذا النهج في مناطق المقاومة أكثر من غيرها، مثل أفلّه والعصابة التي ظلت جبالها – كما تگانت - سنوات عدة معقلا للمقاومة المسلحة (أهل الكديه) قبل انتصار المحتل الغاشم. أليس مستقر جزء من قبيلة إمامنا في حاضرة بوگادوم المجاورة لرأس الفيل، حيث ضريح شيخ المجاهدين الأمير بكار بن سْويدي أحمد؟ ومن المنطقة نفسها التي واجه فيها مقاتلو أفله والعصابة الغزاة المحتلين في  الجحافية، والبيظ وعلب الجمل و أجار ولد الغوث، ، بقيادة سيدي بن الغوث، ومن نفس المجموعة التي استشهد أبطالها في انييملان، من أمثال محمد الأغظف بن الشيخ بن الجوده، وحد بونا بن جدُّ بن عبد الرحمن خْليفه  من ضمن حوالي أربعين شهيدا منهم في هذه المعركة.
أُرسل الشاب أحمد إلى المغرب في دورة تدريبية في سلاح المدرعات، ليعود سائق مدرعة، ثم أبعد من الجيش سنة 1987 في الحملة التي شُنت على البعثيين، وراح ضحيتها المستعربون من أمثاله. فما كان منه إلا أن عاد إلى مهنته المباركة الشريفة تعليم القران، الذي جره إلى قلب العاصمة، فاكتتبته شركة سوكوجيم حارسا لمعداتها، في الكوخ الشهير؛ ليكون صاحبُنا مركزا دينيا واجتماعيا، حيث شكل محطة استقبال للأهل القادمين من مواطنهم للاستشفاء وقضاء الحوائج، أو العبور، كما توسعت الأسرة، وكبر بعض الأولاد، الذين حفّظهم القرءان إلى جانب التعليم في المدارس الرسمية، ليتخرج البعض منهم، بينما يواصل الصغار الرحلة المباركة، وقد أنتدب أحدَهم العامَ الماضي ليصلي بالناس التراويح.
إننا لنبتهل إلى المولى الرحمن الرحيم أن يحسن مثواه ويتغمده برحمته، مرددين مع الإمام الشاطبي:
 وإنّ كتابَ الله أوثقُ شافـعٍ  وأغْنى غِناءٍ واهبًا مُتفضِّـلا
وخيرُ جليسٍ لا يُمل حديثـُه وتَردادُهُ يَزداد فيـه تجَمـــــُّلا
وحيثُ الفتى يرتاعُ في ظُلماته من القبر يلقاه سَنًا مُتهلِّـلا
يُناشد في إرضائـه لحبيبـه  وأجدرُ به سُؤلا إليه مُوصلا 

الأحد، 3 مارس، 2013

نظرة الرئيس المختار بن داداه لما يجب أن يتحلى به رئيس دولة من صرامة وأخلاق وتعامله مع الرشوة

في كل مرة تثار فيها مشاكل موريتانيا أجدني مدفوعا إلى العودة إلى مذكرات الرئيس المختار "موريتانيا عبر التحديات" لعلي أجد فيها ما ينير الرؤية. ومن ذلك ما كتبه في الفصل الرابع عشر بعنوان {ما جعل الله  لرجل من قلبين في جوفه} وهذا جزؤه الأول الخاص بالرشوة ومواجهتها، الذي أنقله إلى القارئ الكريم:

  "لقد حاولت على الدوام، مدة بقائي أن يتطابق تصرفي فيها مع تصوري الأخلاقي للمسؤولية. وهكذا فإن المسؤول في نظري، وخاصة المسؤول السامي، مطالب ببذل قصارى جهده في الابتعاد عن مواطن الشبه في جميع المجالات الأخلاقية والمادية. ومن الضروري أن يتحلى بالصرامة تجاه نفسه ليكون قدوة حسنة للآخرين، وأن يفرض وجوده بالفضيلة لا بالاستبداد، وألا تكون رغبته احتكار السلطة والمال. وعليه في الوقت نفسه ألا يكتفي بتحاشي الرشوة بل تلزمه محاربتها بكل عزم وفى أي شكل مادي أو أخلاقي كانت. ولا فرق في نظري بين المحاباة والمحسوبية وبين الرشوة الصارخة والمكشوفة. فالكل مذموم ويستحق الإدانة. إن لين جانب المسؤول حيال الإخلال بواجبه ذنب لا يغفر. ولهذا السبب كنت دائما أعاقب بقسوة كلما أبلغت عن حالة من هذا النوع نظرا لأن إهمال العقاب يجعلني متمالئا مع المتهم بالخربة.
   وهكذا تصرفت في كل مرة أقتنع فيها بأن مسؤولا ساميا – وزيرا كان أو سفيرا أو واليا أو مديرا أو رئيس مصلحة – أصبح غير نزيه. ولا تقف العقوبة عند تجريده من الوظيفة، بل كنت أطلب في الوقت نفسه متابعته قضائيا. وخير شاهد على ذلك إلقاء القبض على وزراء وسفراء الخ. ولم يكن هذا النهج محل إجماع، حتى في صفوف الطبقة الحاكمة، بل إن كثيرًا من الناس داخل البلد وخارجه اعتبره صارما جدًا.
  وبالفعل، فقد نصحني كثيرًا بعض أعواني ومسؤولون سياسيون آخرون بالتسامح، وكانوا يبحثون عن ظروف مخففة لصالح المرتشين منبهين في الوقت نفسه على ما ينجم عن اعتقال وزير من فضائح يمكن استغلالها، مثلا، من قبل المعارضين للنظام للنيل من نفوذه وصيته عندما تعرض مساوئ بعض المسؤولين السامين في وضح النهار. وهذا خطر قائم حسب رأي هؤلاء. أما في الخارج فقد تتضرر سمعة البلد من ذلك…
  ولم تتغير إجابتي لهؤلاء، إذ أعتبر أن إنزال العقوبة بمسؤول سام غير شريف لا يشكل فضيحة، بل إن الفضيحة الحقيقية تكمن في تركه دون عقاب وقد ثبت عليه عدم النزاهة الأخلاقية أو المالية.
  أما مفهوم المسؤولية فيتناسب عندي مع الرتبة التي يحتلها الشخص في سلم الدولة. فكلما ارتقى إلى مسؤولية سامية كلما كان خطؤه جسيما. وعليه فإن ممارسة مسؤولية، مهما كانت درجة سموها، لا توفر حصانة لصاحبها، بل إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فالذنب يعظم أو يصغر حسب الموقع في المسؤولية. لمذا؟ لأن سلوك المسؤول السامي، طيبا كان أو سيئا، إنما هو أسوة للآخرين خاصة من يتبع منهم لسلطته، في حين أن تصرف الموظف البسيط التابع أقل تأثيرا.
  وعليه فإن العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع درجة الخطأ من جهة، ومع أهمية الوظيفة التي يمارسها المخطئ في سلم الدولة من جهة أخرى. ويتطلب الأمر في المقام الأول، إرساء قواعد عدالة موضوعية حقا، تخدم الجميع، وهو طموح يصعب تحقيقه في الواقع، ولكن ينبغي السعي إليه دائما. وفى السياق نفسه، قرر المكتب السياسي الوطني لحزب الشعب الموريتاني في شهر فبراير من عام 1970 التعليق المؤقت لأي عضو يتعرض لمتابعة قضائية، على أن يعاد دمج المعني إذا أثبتت العدالة براءته. وبالمقابل فإن إدانته تقتضى، حسب الإجراءات، طرده نهائيا من المكتب السياسي الوطني.
   إن الطرح السابق يلخص بإيجاز جهودنا الرامية إلى تهذيب أخلاقنا وسلوكنا السياسي والإداري قدر الإمكان. فقد نجحت تلك الجهود على الأقل في الحد من آثار الرشوة والمحاباة وأمراض أخرى مشابهة، وإن لم تقض عليها بصورة نهائية. فلم يعتقد مسؤول قط، مهما كان منصبه، أنه فوق القانون. فالكل مقتنع بأنه سيعاقب سياسيا أو قضائيا أو هما معا حسب الحالات، وذلك عندما تثبت عدم نزاهته.
   ويمكننا القول دون تباه بالنصر إن حالة البلد في هذا المجال سنة 1978 لم تكن الأسوأ مقارنة بنظيراتها السائدة في بعض بلدان منطقتنا. فخلال ثماني عشرة سنة مثلا لم يثبت على المسؤولين السامين من عمليات الاختلاس سوى بعض حالات تمت متابعتها قضائيًا. وكان البحث عن المختلسين في تلك الفترة على أشده من قبل مراقبي الدولة ومفتشي المالية. وأشير في الأخير إلى أن هذه السياسة نجم عنها تعميم عدد هام من الرسائل وجهتها شخصيا إلى الوزراء ومراقبي الدولة والولاة.    
ومن غير المستغرب أن تثير هذه السياسة استياء من تعرضوا للعقوبة جراء الأسباب التي تم عرضها، وأن تكون الحال كذلك بالنسبة لذويهم وحلفائهم، وهي السياسة التي سماها البعض "صرامة المختار السقيمة". يتبع

الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

جميع الحقوق محفوظة، يحظر نشر مواد المدونة أو الاقتباس منها دون ذكر المصدر