الأحد، 30 سبتمبر، 2012

أوراق / التاسعة/ الانتصار العسكري والتركة الثقيلة


من نتائج سقوط النظام الليبي - التي فاجأت الجيران ودول حلف شمال الأطلسي - خروج تشكيلات أژوادية مدججة بالسلاح من رحم القوات الليبية، وقطع آلاف الكيلومترات عبر النيجر وربما الجزائر، لتأخذ مواقعها نهارا جهارا في أرض أژواد، وتباشر استعداداتها الحربية أمام أعين القوات المالية المرابطة في قواعدها المختلفة، وتحتل بسرعة البرق كامل إقليم أژواد، وتنهي وجود الحكم المالي جيشا وإدارة.
ومن الواضح في هذه الملحمة إحكام الخطة التي وضعت لتحقيق أهدافها المصيرية، دون خسائر تذكر، بفضل الكفاءة العسكرية، وانضمام غالبية المقاتلين الأژواديين العاملين والمسرّحين والمنخرطين في الجيش المالي، واختيار الوقت الأنسب، حيث كان الجميع منشغلا بما يجري داخل دول الربيع العربي، دون أن يرفعوا البصر صوب حزامه الجنوبي، حتى يروا حراكا ربيعيا آخر على يد فصيل من هذا النسيج الاجتماعي والبيئي العربي الإفريقي الإسلامي، الذي عانى منذ القرن الثامن عشر الغزو الاستعماري الصليبي والذي استعبد السكان ونهب الخيرات، وحارب الدين واللغة، ومسخ الهوية وحطم أسس المجتمع الأهلي، قبل أن يضطر كارها - في أحيان كثيرة- إلى الانسحاب تحت ضربات المقاومة التي لم تتوقف وإن تعددت أشكالها، ويغادر - في أحيان أخرى - بترتيب مرتب، يضمن استمرار النهج على يد أنظمة حارسة لمخلفاته.
لقد كان من الجلي أن الحركات الأژوادية قد استوعبت دروس نضالها الطويل الذي شاب فيه الولدان، والنكسات التي تعرضوا لها، خاصة ثورة 1990 التي قادتها حركة تحرير أژواد بزعامة إياد آڴ غالي، قبل أن تتفرق إلى خمسة فصائل موزعة الولاء - الكلي أو الجزئي - بين الدول المجاورة (الجزائر، ليبيا، المغرب، بوركنا فاصو، موريتانيا) لتكون ثمرةُ التضحيات الجسيمة التي قدمها المقاتلون والشعب الأژوادي في الداخل وفي المهجر، رزم من الاتفاقيات والالتزامات، التي صدرت عن مؤتمرات جُند لها عشرات الدبلوماسيين، وأظلتها منظمة الأمم المتحدة، بمشاركة المنظمات الإقليمية، والدول المجاورة والمانحة. وكل ما تحقق تظاهرات دعائية فولكلورية، أهم مشاهدها حرق السلاح، ووعد بماكو بإقامة حكم أقل مركزية، والتزام  المانحين بتقديم مساعدات اقتصادية لتنمية الإقليم وفك عزلته وربطه بمسيرة التنمية في مالي، غير أن كل ما نُفذ إنشاء ولاية جديدة على الورق في كيدال، بدون موارد ولا تجهيز، وضمِّ مجموعة من المقاتلين إلى الجيش المالي، واكتتاب بعض صغار وكلاء الإدارة، بينما استحوذت الحكومة المركزية على المساعدات المقدمة من المانحين، واكتتاب الأمم المتحدة بعض زعماء الجبهات المقاتلة. لذلك لم يكن أمام زعماء الحركات الأژوادية بعد عقدين من اتفاقيات تمنغاست ومماطلة الحكومة سوى الدخول في هذه المغامرة الكبيرة ورفع سقف مطالبهم هذه المرة إلى أقصاه، وهو الاستقلال (حركة تحرير أژواد) أو تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي كلها (أنصار الدين).
وكان من المنطقي – لو في مالي حكومة مسؤولة – أن تُقر بالأمر الواقع وتتعامل مع الوضع الجديد بحكمة وصدق في النيات، وتبدأ مفاوضات فورية بعد أن أعلن الطرف الثاني استعداده لها، لكن عادة السلطة المالية التعنت والاعتماد على العنف، وهو ما تغلب هذه المرة أيضا. في هذا الوقت دخلت على الخط فرنسا، الوصي المعتمد على مستعمراتها السابقة، فشجعت انقلابا عسكريا على الرئيس المنتهية ولايته، ودخلت في اتصالات علنية مع حركة تحرير أژواد، موحية بأنها خاضعة لها، عندما تدخلت بقوة لمنع تنفيذ اتفاق بين الحركة وأنصار الدين ينص على أن الدولة الجديدة ستطبق الشريعة الإسلامية.  وبذلك دقت إسفينا بين الحركتين، مما عجل بإبعاد حركة تحرير أژواد عن الساحة، وتوزيع النفوذ بين أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، وخلق حالة من الفوضى في بماكو بعد أن تبين أن قائد الانقلاب عاجز عن تحقيق ما كانت تعلق عليه من آمال، فتحملت بذلك مسؤولية في ما يجري اليوم في بماكو من فوضى سياسية وانفلات أمني، وإفلاس أخلاقي كان آخر تجلياته قتل الدعاة.
لقد كانت تصرفات فرنسا خلال سنوات ساركوزي في الإقليم عودة فجة لممارسات خلية "فرنسا - إفريقيا" التي حمت الأنظمة الفاسدة وضمنت لفرنسا الاستيلاء بأقل ثمن على خيرات تلك الدول، وخططت ونفذت معظم  الانقلابات التي أطاحت بكل من شب عن الطوق، وحاول الإصلاح في بلاده.
العلاقة بين السلطة والجريمة المنظمة
كان آخر رئيس لمالي هو الجنرال أمدو توماني توري، الذي قضى مأموريتين رئاسيتين، وهو قائد انقلاب 1991 على الجنرال موسى تراورى، حيث تفاهم مع زعماء الحراك المدني على أن يعود إلى السلطة بعد الرئيس المدني عمر كونارى، وظل مدلل الغرب لقبوله الانتظار حتى حلول فرصته، وارتبط بدوائر صنع القرار، ومنظماته المشرفة على ترسيخ أنموذج النظام الغربي للحكم في القارة، وترميم ما تهرأ منه، مثل مركز كارتر والمعهد الأمريكي للديمقراطية، وغيرهما من المراكز والمنظمات الممولة من مؤسسات الغرب، وأصبحت البلاد أحد أكبر متلقٍ للمساعدات الخارجية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بصورة فردية، لتكون واجهة في غرب إفريقيا، ومضرب مثل في الحكم الرشيد المسالم، الزاهد في السلطة! حيث لا يملك الرئيس حزبا وبالمقابل لا يواجه معارضة، وإنما الجميع في أغلبيته، مما خلق فراغا سياسيا: لا نقاش ولا جدل ولا حوارا، الكل حر في الانهماك في شأنه الخاص، على حساب قضايا الوطن. وفي هذا الجو انتشرت الجريمة المنظمة: التهريب والاتجار بالمخدرات والسلاح واختطاف الرهائن والهجرة السرية، وكلها شكلت أنشطة مربحة للمتنفذين في الحكم.
كان التهريب قد انطلق ابتداء من تسعينات القرن الفائت من الدول المجاورة ذات المنافذ البحرية: موريتانيا وسنغال وغينيا وساحل العاج وغانة وتوغو وبنين ونيجيريا والجزائر، أو البعيدة كليبيا والمغرب، وشمل في مراحله الأولى السلع المختلفة من مواد غذائية مدعومة (في ليبيا والجزائر) ومحروقات (جزائرية) وأدوية، وملابس وسيارات ... وخاصة السڴائر التي ساهم تهريبها إلى حد كبير في ظهور شبكات المخدرات. وقد ازدهر في أسواق شمال أفريقيا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بسيطرة قلّة من اللاعبين الكبار. وزوّدت تلك المستوردة منها عبر موريتانيا جزءاً كبيراً من الأسواق الجزائرية والمغربية، في حين تم توجيه تلك المستوردة عبر كوتونو في بنين ولومي في توغو، عبر النيجر وبوركينا فاسو، إلى ليبيا والجزائر. وأطراف هذه التجارة الفاعلون هم موزّعوها القانونيون، الذين يستوردونها من مناطق التجارة الحرّة مثل دبي، بدل الدول المصنعة لها مباشرة .
إن دوافع تهريب السلع وتجارتها فروق الأسعار بين الدول وتجنّب الرسوم والضرائب، وجرت بتواطؤ من فاعلين في المؤسسات الجمركية، قبل أن تنتشر في مختلف الإدارات المعنية، وتتغلغل في أجهزة الأمن والرقابة وفي قوات الجيش، وتصعد إلى الصفوف العليا في المؤسسات الحاكمة لبعض هذه الدول.
و ما أن حلت الألفية الجديدة حتى حلت المخدرات محل البضائع القانونية، وتدفقت بسرعة من مصدريْن رئيسييْن: جنوب أمريكا عبر موانئ دول غرب إفريقيا: الكوكايين، وصمغ الحشيش من المغرب عبر موريتانيا أساسا، وأصبحت مالي أكثر الدول المتلقية لهذه السموم، وفي منطقتها الحدودية مع الجنوب الشرقي الموريتاني أقيم أشهر مركز لهذه الأنشطة هو أمگدي.
ومع قيام تمرد ضباط طوارق في الجيش المالي في كيدال سنة 2006 ضد الحكومة المتهمة بعدم الوفاء بالتزاماتها المتكررة، ظهرت على السطح الصراعات بين شبكات تهريب المخدرات، وبينهم والمجموعات المهيمنة على المنطقة التي تسعى لفرض إتاوات على المهربين، الذين تفاحش غناهم ومعه بطرهم. وهكذا أصبح الإقليم وما جاوره بؤرة بؤرة لتجارة المخدرات وتوزيعها الذي يغطي المشرق حتى السودان ومصر والسعودية ودول الخليج، وأنحاء من أوروبا.
وقد دخلت حكومة بماكو على الخط بعد تمرد 2006 "فحرضت قادة بعض الجماعات ضد جماعات أخرى، واعتمدت على قبائل محددة للإبقاء على منطقة الشمال تحت السيطرة. ولمواجهة قبيلتي إيفوقاس وإيدنان اللتين ينتمي إليهما المتمردون تحالفت القيادة المحيطة بالرئيس أمادو توماني توري، مع المتمردين المنافسين، وخاصة منهم القيادات المنتمية إلى قبائل البرابيش والامهار العربيتين، وكذلك إلى قبائل إيمغاد الطارقية.
في بعض الأحيان كان المسؤولون في الدولة يتدخلون بشكل مباشر، كما فعل المقدم لمانه ولد ابوه (ولد محمد يحيى) - وهو ضابط في جيش مالي له علاقات وثيقة مع رئيس جهاز أمن الدولة - خلال اشتباك وقع في أغشت 2007 بسبب شحنة كوكايين، حيث رتّب عملية إعادتها مقابل مبلغ مالي كبير، كما شجعت الحكومة شخصيات عربية بارزة من مناطق تنبكتو وگاوو على تشكيل مليشيات لحماية مصالحها التجارية، وذلك ضمن تعبئة الزعماء العرب لمحاربة المتمرّدين؛ وترأس هذه القوات مؤقتا ضباط من الجيش المالي، هو العقيد محمد ولد ميدو.
ويمكن ملاحظة العلاقة بين الوجهاء المحليين والدولة ورجال الأعمال، وتجارة المخدرات في شحنة الكوكايين الضخمة المفترضة، التي تم نقلها في نومبر 2009 إلى شمال مالي على متن إحدى الطائرات، التي هبطت في منطقة تاركنت، شمال گاوو. ويعتقد أن وجهاء الأمهار على الأرجح – كما يقول صحفي جزائري على صلة بدوائر الأمن - هم الذين تعاملوا معها، وعلى رأسهم عمدة البلدة.
وقد وصلت التوتّرات إلى ذروتها في يناير 2010، عندما استولت مجموعة مسلحة مكونة من أفراد من قبيلتي إيفوقاس وكنته على شحنة كوكايين كبيرة كان ينقلها مهربون متحالفون مع الحكومة من قبيلتي إيمغاد والأمهار، الذين ردوا بخطف زعيم كنتي في منطقة گاوو.
كان لمثل هذه الصراعات المرتبطة بالتهريب بُعد سياسي أوسع أيضاً. فشقّة الخلاف التي كشفها الحادث الأخير ترتبط بالانقسام بين حلفاء القيادة في مالي وأعدائها. وعلاوة على ذلك، كانت قبيلتا الأمهار وإيمغاد تابعتين تاريخياً لقبيلتي كنته وإيفوقاس، على التوالي. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تندلع فيها صراعات تنطوي على تنافس بشأن علاقة التبعية. فقد اندلعت اشتباكات خلال التسعينات، حتى بعد انتهاء تمرّد الطوارق.
وقد وقعت عملية مشابهة في منطقة تنبكتو، ونجحت الشخصيات المرتبطة بتهريب المخدرات في الضغط على قيادة مالي لإنشاء منطقة إدارية منفصلة (تاودني) وعدة مناطق جديدة في سياق عملية إصلاح إداري تم اعتمادها قبل اندلاع التمرّد الأخير مباشرة. وبالإضافة إلى ذلك، تم في كثير من الأحيان استثمار الأرباح المتحققّة من التهريب في الماشية والبنية الأساسية المرتبطة بها، مثل الآبار، ما أفضى إلى تأجيج التوتّرات بين المجتمعات على الموارد" .
وكان المراقبون الخارجيون وخاصة المسؤولين في الدول المانحة يغضون الطرف عن علاقات المسؤولين في الدولة والقادة السياسيين بالشبكات الإجرامية حتى لا يضعوا النظام في ورطة، وهم يعولون عليه في مواجهة الحركات المسلحة، التي يوليها صنّاع القرار في الغرب كل اهتمام بوصفها منظمات إرهابية. يتواصل

الثلاثاء، 11 سبتمبر، 2012

كلمة محمد محمود ودادي رئيس لجنة منسقية المعارضة الديمقراطية المكلفة بالقضايا الدبلوماسية في ندوة المنسقية حول الوضع في مالي


انطلاقا من مسؤوليتها في الدفاع عن قضايا الوطن والمواطنين وهمومهم، والسهر على مصالح موريتانيا الداخلية والخارجية، وأمنها واستقرارها، ومن ثم علاقاتها الخارجية خاصة مع الدول الشقيقة والصديقة، أحرى المجاورة- تابعت منسقية المعارضة الديمقراطية باهتمام وقلق عميق الأزمة التي اندلعت بداية العام الحالي في جمهورية مالي الشقيقة، وآلت إلى فقدان الحكومة المركزية السيطرة على ولايات إقليم أزواد الذي تشكل مساحته أكثر من ثلثي مساحة مالي.
وقد ارتأت المنسقية أن تنظم ندوة، تقدم فيها رؤيتها حول الأزمة وأبعادها وتداعياتها على موريتانيا والجوار بل الإقليم كله، إذ لا ننسى أن لنا مع جمهورية مالي علاقات متشعبة قلّ نظيرها بين الجيران، حيث نرتبط معها بحدود تبلغ حوالي 2 237  كلم، معظمها مع إقليم أزواد، أما الروابط التاريخية الضاربة في أعماق الزمن، فحدث ولا حرج، حيث انتمينا كلانا إلى إمبراطوريات وممالك عظيمة كغانه والتكرور التين كان مهدهما موريتانيا، وجزئيا: ملي (مالي) فيما بعد، ثم جمعتنا دولة المرابطين التي امتدت شرقا وجنوبا حتى النهر، كما تبعت أطرافٌ من الحوض الحالي لنفوذ إمبراطورية السونغي، وفي الزمن المعاصر خضع البلدان معا للاستعمار، وشكلا مع آخرين اتحاد غرب إفريقيا، بل ظل الحوض جزءا من السودان الفرنسي، حتى سنة 1944.
وتتشعب العلاقات، لتغطي نواحي الحياة كافة: من تمازج عرقي واجتماعي وترابط ديني وثقافي، وتشابك مصالح: تجارية وزراعية وتنموية، سواء بين المواطنين أو بين الحكومات، خاصة بعد إقامة منظمة استثمار نهر سنغال التي تُعد أنجح مشروع مشترك في الإقليم بل في القارة؛ ورغم خلافات عابرة ظلت العلاقات مع مالي في جميع الحقب، وتحت مختلف الأنظمة مثالية، لما يُسندها من روح محبة حقيقية وتقدير متبادل.
ولكل من ولايات ڴيديماغا، والعصابة والحوضين الغربي والشرقي، وحتى ولايات الوسط والشمال علاقات ذات خصوصية مع مثيلاتها المالية المقابلة، ومن ضمنها ولايات أزواد، بسبب الانتماء إلى الفضاء الصحراوي الواحد الذي يجهل الحدود، ليظل مهدا للهجرات القادمة من موريتانيا وإليها، منذ أكثر من عشرة قرون، فتشكلت وشائج قربى، لم تؤثر فيها التقلبات المختلفة ولا المسافات البعيدة.
وخلال الأزمات المتعاقبة من سنة 1963 التي عاشها إقليم أزواد، وحتى تلك التي انفجرت في التسعينات ثم بداية الألفية الجديدة، كان الحضور الموريتاني بارزا سواء على صعيد إيواء المتضررين من تلك الأزمات، أو  في المساعدة على الوصول إلى حلول سلمية برغبة الطرفين: الحكومة، والحركات المنتفضة؛ وفي المقابل كان لمالي دورها المشهود في تطويق الأزمة بين موريتانيا وسنغال سنة 1989، إضافة إلى إيوائها للاجئي موريتانيا.
ستتناول هذه الندوة اليوم جوانب رئيسية من الأزمة في مالي، بشقيها المتعلقين:
 أولا: وضع إقليم أزواد الذي هو مشكلة داخلية لجمهورية مالي، يجب على الماليين أنفسهم التصدي لها - عبر الحوار - بما يضمن تسويتها بشكل دائم، وحسبما ترتضيه الأطراف المعنية، التي تتقاسم: الدين والثقافة والمصالح المشتركة، وفوق كل شيء الانتماء لوطن واحد، عريق في حضارته، وذي تاريخ مجيد. أما دورُ موريتانيا فهو الاستعداد لتقديم كل العون للطرفين، بما يسهل الوصول إلى الحل المنشود.
أما الشق الثاني فهو الإرهاب، الذي عشّش في الإقليم بعد أن مهدت له شبكات التهريب المختلفة التي بلغت أوجها بدخول أنواع المخدرات المغذية لإفريقيا والشرق الأوسط وأوربا، فتغلغلت بنفوذها في المجتمعات المحلية والمجاورة، وحتى في مكامن السلطة في بعض دول الإقليم، ومن ثم التحمت بالمجموعات الإرهابية الوافدة، بعد التقاء مصالحهما، فأصبحت مصدرا جديا لتهديد أمن واستقرار الدول المجاورة، وفي طليعتها موريتانيا، مما يتطلب معالجة حكيمة واستعدادا يضمن الدفاع عن الحدود على الحدود والداخل، بعيدا عن الأجندات الخارجية، وصراعات القوى الأجنبية ومصالحها.
وستعالج الندوة الأزمة في أربعة محاور:
الجذور والأطراف،
الرهانات والآثار
موريتانيا والأزمة،
الدروس المستخلصة لموريتانيا،





نواكشوط في ‏19‏ شوال‏ 1433/ 5 شتنبر 20012

السبت، 1 سبتمبر، 2012

أوراق عن أژواد/ الثامنة/ الترابط مع ليبيا


طاب المقام في ليبيا مع بداية ثمانينات القرن الماضي لطوارق مالي والنيجر وعربهم وبعض الموريتانيين، حيث وجدوا قواسم مشتركة مع المواطنين الليبيين، الذين عاملوهم بكرم وتسامح، وهو دين اشتهروا به على مدى التاريخ، حيث اكتشف الطرفان بعضهما البعض، فالوافدون بحاجة إلى العناية والاستقرار، وبعض القبائل الليبية متعلقة بأصول تربطها بالساقية الحمراء والصحراء، من هجرات مرتدة من تلك الأصقاع بعد ما وصلت مع الهجرة العربية (الهلالية) الشهيرة التي تشكل معظم عرب ليبيا.  وفي ظل النظام القبلي الذي هو أساس الحكم في ليبيا آنذاك، كانت القبائل تتبارى في تعزيز مراكزها ضمن التنافس على السلطة والنفوذ، حيث اكتشفت أن للكثير منها صلات "قرابة" مع قبائل البيظان، وأرادت أن تعزز وضعها حتى ولو لم يتحقق من ذلك – في النهاية - الشيء الكثير. ويتكئ بعضهم في ذلك إلى روايات قديمة عن وجود صلات قرابة، كما الحال بين أولاد سْليمان في فزان وعشيرة أولاد سْليمان البربوشية، بينما يرى معظم الباحثين أن الأمر لا يعدو تشابها في أسماء القبائل العربية على طول أوطانها من الجزيرة العربية إلى الصحراء الكبرى. ومن ذلك في ليبيا وموريتانيا: البحيحات، أولاد إبراهيم، البريكات، الجعافرة، أولاد موسى، اليعاقيب (إيديقب) أولاد خْليفة، بنو داوود (أولاد داوود) بنو رزق (أولاد رزق) أولاد عطية، أولاد سالم، الشويخات، أولاد الشيخ، الطرشان، الفقرة، أولاد عبد الله، العبيدات، أولاد عْلي، العيايشة، القواسم، القرعان (الڴرع) أولاد مبارك، أولاد ناصر (أولاد الناصر) أولاد وافي (أولاد الوافي) الهماملة (الهمال) أولاد يونس... ومن هذه القبائل مَن اسمه واحد لكنه يختلف في الأصل إذ البعض عربي والآخر أمازيغي.  أما بالنسبة للطوارق فالأمر أسهل، لأن الرابطة لم تنقطع بين مَنهم في شمال الصحراء وفي جنوبها.
 وساهمت القرابة هذه في اكتساء هجرة الطوارق الماليين والنيجيريين وعربهم في الثمانينات طابعا جديدا شجع على التحاق العديد من أسرهم بهم في ليبيا، حيث فُتح لهم باب التجنيس كبقية المواطنين العرب، باسم "الجنسية العربية" وهي غير الجنسية الليبية، التي اقبل عليها الكثيرون من مواطني الدول العربية الذين لم يجدوا فرصا في التمتع بالإقامة وحق العمل، فتوفرت لهم الخدمات نفسها التي يتمتع بها الليبيون: التموين ومجانية التعليم، ومزاولة بعض المهن، ولكن مع التجنيد في القوات  وقوات الأمن، الذي يؤمن نظريا الحماية والنفوذ، لكن هذا الوضع لم يشمل في الحقيقة من الأژواديين والأژواڴيين سوى من ليست لهم أوراق ثبوتية تخولهم الإقامة أو البطاقة القنصلية، التي كان الليبيون يتحاشون مضايقة حمَلَتها. إلا أن هناك البعض الذي حصل على الجنسية الليبية، منهم مجموعة الطرشان النيجيرية ذات الأصول العربية الحسانية المهاجرة من موريتانيا إلى أژواد ومنه إلى النيجر، فقد التحمت بالمجموعة الليبية التي تحمل الاسم نفسه واستقرت في سرت إلى اليوم.


الدخول إلى ساحات المعارك


 مع استمرار أوضاع مالي والنيجر في التدهور اقتصاديا واجتماعيا، ازدادت الاضطرابات والتناحر على السلطة في باماكو ونيامى وتوالت الانقلابات العسكرية أو محاولاتها، فتفاقمت أحوال العرب والطوارق بصورة أكثر، واستفحل البؤس، واتسعت الهوة بينهم وحكومتيْهما، التين لم تثق يوما في ولائهم، وظلت على مدى عقود من الزمن تتهمهم بتربص الدوائر بها، حتى قبل انخراطهم في عملية التجنيد. وقد تسارعت الأحداث ليتحقق ما كان مجرد اتهام، عندما دخلت طرابلس في حلبة الصراع الإقليمي والدولي المعقّد، ضمن طموح العديد من القوى الناشئة إلى ملء الفراغ، الذي تركه لاعبون كبار في الساحة، بعد أن ظلوا مهيمنين عقودا من الزمن، كمصر والهند ويوغوسلافيا (على رأس كتلة عدم الانحياز) وتزامن ذلك مع انفجار صراعات دامية في المشرق العربي بسبب محاولة إسرائيل القضاء على الثورة الفلسطينية، التي كانت في أوج عنفوانها، حيث نجحت في إرغامها على الانغماس في الشؤون الداخلية للدول المجاورة الضعيفة، فدخلت في صراعات دموية جانبية مع الأردن الذي كادت تطيح بنظامه، ثم مع لبنان الذي كانت فاعلا رئيسيا  في حربه الأهلية، ثم المشكلة الأفغانية مع غزو الاتحاد السوفيتي لها، وتفجر الثورة الإيرانية، التي كانت مقدمة للحرب المدمرة العراقية الإيرانية.
وقد أغرى هذا الوضع ليبيا التي كانت في أوج انفتاحها على العالم الذي جعلها قبلته، لما لها من ثروات نفطية هائلة، واستعداد لوضعها في خدمة أهدافها السياسية الطموحة، وخاصة محاربة السياسات الامبريالية، فانجرت إلى الدخول في مواجهات مسلحة مع مصر (سنة 1977) والسودان (1976) وتونس (قفصة 1980) وتشاد، وانخرطت في العديد من بؤر الصراع: جزر مورو بجنوب الفلبين، وباناما ونيكاراغوا، وأيرلندا الشمالية، مع أنها طرف – بشكل أو آخر - في حرب الصحراء الغربية.
  في هذه الظروف كانت طرابلس في حاجة ماسة إلى العنصر البشري، لاستعمال ترسانتها الضخمة من الأسلحة، فاتجهت إلى تجنيد الكثير من المواطنين العرب – كما سلف - الذين جذبتهم الحملة الدعائية الكبيرة التي تقدم ليبيا كقلعة للحرية والمقاومة ضد الاستعمار والامبريالية والصهيونية والميز العنصري، بديلا لمصر جمال عبد الناصر، وهو ما استجاب له في بداية الأمر الكثيرون، وغالبيتهم تنتمي إلى منظمات سياسية معارضة لأنظمة قائمة في الدول المجاورة، مما عرّض طرابلس لضغوطٍ وتشهيرٍ إعلامي، أدى في النهاية إلى تسريح غالبيتهم، أو وضعهم مباشرة تحت تصرف منظماتهم، كما الحال في السودان وتشاد. وكان ممن بقي في جيشها من المجندين مجموعات من شباب أژواد وأژواڴ عربا وطوارق، شاركوا في عمليات خارجية، من أهمها الانضمام إلى مقاومة الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982؛ ضمن قوات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، حيث دخلوا في مواجهة مع الإسرائيليين في الجنوب اللبناني، الذي قاتلوه ببسالة، فسقط منهم عدد من الشهداء، ثم اتجهوا إلى الشمال لينسحبوا مع الجيش السوري إلى دمشق، لكنهم لم يلبثوا أن لجؤوا إلى السفارة الموريتانية - على رأسهم إياد آڴ غالي - لتؤمّن لهم الحماية والعودة إلى وطنهم. وقد حاول مبعوث من أمين الجبهة العام أحمد جبريل أن "يستعيدهم" لكنهم رفضوا الاستمرار في التعامل مع هذه الجبهة، التي اتهموها بالخَوَر، وأفرادَها بالفسوق، وهم الذين جاءوا "دفاعا عن الإسلام والمسلمين"، وقد رتبت السفارة سفرهم إلى الجزائر، الأقرب إلى وطنهم.
ومع اشتداد الصراع بين ليبيا وتشاد سنة 1987، ووقوع قوة ليبية كبيرة في أيدي التشاديين في "فايا لارجو" و"وادي دوم" وشلل قوات الدروع والدبابات، وبروز فاعلية القوات الخفيفة المشكلة من سيارات الدفع الرباعي، المجهزة بالرشاشات والمدافع، اتجهت ليبيا إلى هذا السلاح، وإلى تكوين كتائب سريعة الحركة، كان فرسانُها بلا منازع الأژواديين، مثل الصحراويين قبل ذلك بسنوات. وقد شارك العديد منهم في معارك منطقة آوزو محل النزاع بين ليبيا وتشاد، قبل أن تعود إلى الأخيرة في تسعينات القرن الماضي بقرار من محكمة العدل الدولية التي أنيط بها الملف؛ كما شارك عدد محدود من رجالهم في العمليات المسلحة في أزواڴ وخاصة أژواد من سنة 1990 – 2006 ضد حكومتيهما، مع العلم أن السلطات الليبية ظلت حريصة على منع انتقال أعداد مؤثرة من الرجال والسلاح إلى الدولتين، التين ارتبطت معهما بعلاقات قوية، وجعلتهما حجر الزاوية في سياستها بإفريقيا التي استثمرت فيها طاقات سياسية واقتصادية كبيرة، فألجمت أي محاولة جادة تنطلق من أراضيها لتهديد الحكومتين، إلى جانب معطى آخر هو احترام تفاهما مع الجزائر بأن لا تتعدى حدودا معينة في نشاطها داخل الإقليمين، حتى أنها أغلقت قنصليتها في كيدال بعد فترة قصيرة من فتحها بضغط جزائري.
وقد أثبتت الأحداث اليوم أن أژواديي ليبيا كانوا يحضرون أنفسهم من زمن طويل لانتهاز أول فرصة تتاح، للعودة إلى صحرائهم وتحقيق حلم الأجيال بإقامة كيان ينعمون فيه بما حُرموا منه خلال نصف قرن:الحرية والكرامة، واستعادة الهوية الثقافية والدينية، وقد توفرت هذه الفرصة بعد اندلاع ثورة فبراير الليبية سنة 2011، وقيام حلف شمال الأطلسي بشن غاراته المدمرة، حتى سقط النظام، مما قلب الموازين في الإقليم وفي المنطقة بأسرها. فانتقل الأزواديون دون عناء إلى وطنهم ليطردوا الجيش المالي بسهولة مذهلة، وبتنسيق كامل ومحكم بين الفصيليْن الرئسييْن حركة تحرير أزواد، وحركة أنصار الدين، ويحكموا سيطرتهم على الإقليم المترامي الأطراف، ومدنه وبلداته، وذلك رغم التباين في الأهداف المعلنة، فالأولى علمانية لا ترضى بغير الاستقلال بينما تعلن الثانية أن مطلبها تطبيق الشريعة الإسلامية ولا تتحدث عن الانفصال. يتواصل