السبت، 28 يوليو، 2012

"أوراق" عن أزواد/ السادسة/ سنوات التيه

لم ينته عهد موديبو كيتا في نونبر سنة 1968 إلا بعد أن دمر أزواد اقتصاديا واجتماعيا وسلبه أغلى ما يملكه أهله: العزة والكرامة، فأذلّ كبراءه واستباح حرماته، ليحل الغضب محل الكبرياء الذي عرف به الأزوادي بين جيرانه، وساد اليأس ربوع أرض موسى آگ أمستن وفيرهُن والميون بن حمادي، ومحمد بن رحال. وكادت الحِلَلُ العامرة بمخيماتها الكثيفة المتراصة تختفي، ومعها قطعان الإبل البيضاء والشقراء البديعة، والأغنام الوافرة، كما اختفت سباقات الهُجن الذلولة التي لا تحتاج سوى تحريك الخطام، دون عصى أو نسعة، المزينة بالرواحل ذات القرابيس العالية، المبطنة بالأحزمة الجلدية والشعرية المتدلية، بألوانها المزركشة الأصيلة، تحت رجال أشداء ذوي قامات فارعة، بدراريعهم السوداء والبيضاء، وعمائمهم الطويلة، الممتشقين بعزة وكبرياء سيوفا قهرت الطامعين على مدى التاريخ، وضاعت مكتبات عريقة غنية بنفائس الكتب، في خضم هذا التشتت غير المسبوق.
وأصبح مصير الإقليم بيد الضباط والجنود الذين كانوا يد الناظم البائد الباطشة، بعد أن استولوا على السلطة، التي لم تغير في شيء، اللهم تفكك النظام الاشتراكي الذي ظل يحسب على الناس أنفاسهم ويقيد تصرفهم بأموالهم. وسار الجديد على خطى القديم باعتبار أزواد منطقة أمنية، أهلها محل اتهام دائم بالإرهاب والتمرد.
وصادفت هذه الفترة موجة الجفاف الماحق التي ضربت منطقة الساحل والصحراء سنوات متتالية، في سابقة لم يعرفها السكان المعتادون على دورة القحط لا تدوم إلا سنة أو سنتين، يتبعه الغيث والخصب، كما تبينه  حوليات المراكز الحضرية. فلم يكن السكان إذن مؤهلين لمواجهة الكارثة، وتصرفوا كما كانوا يفعلون، ينتقلون بمواشيهم إلى المناطق الرطبة وضفاف الأنهر، ليقايضوا منتجاتهم بالمواد الغذائية، لكنهم وجودوها منكوبة، إذ لم يكن أحد يدرك أبعاد الظاهرة ولا مداها.
ومن هنا كان على الحكومة المالية أن تتصرف بسرعة وفعالية كما في الدول المجاورة: موريتانيا وبوركينا فاصو وبنسبة أقل النيجر. ففي موريتانيا مثلا أُعلن النفير العام وسخرت الحكومة ما لديها من إمكانيات لمواجهة الجفاف، فنشطت الإدارة والحزب الحاكم ووسائل الإعلام لمؤازرة السكان وتنويرهم بأبعاد ما حل بهم، وطلبت العون الخارجي، ثم اتخذت على الفور إجراءات عملية، تمثلت في إلغاء العشر نهائيا عن الماشية، ووضع برنامجي عرف بخطة التدخل السريع، اضطلع بتوزيع المواد الغذائية والدوائية وحفر الآبار، تحت إشراف وزير الصحة والشؤون الاجتماعية د. عبد الله بن ابّاه، الذي وضعت تحت تصرفه تجهيزات القوات المسلحة والحرس ورجالهما، فأضافوا الفعالية على هذا الجهد الوطني، خاصة بإشرافهم على أسطول السيارات الذي جاب المناطق المتأثرة، المنتشرة في غالبية أرض الجمهورية، حيث تحقق المطلوب في الوقت المناسب، رغم انعدام الطرق المعبدة في تلك الحقبة. وكانت تلك بدايات إقامة مفوضية الأمن الغذائي، التي اعتبرت تجربة رائدة استنسختها عدة دول.   
أما في أزواد فكانت وطأة الجفاف أشد لأن الحكومة لم تكن مبالية به، فتركت السكان يواجهون مصيرهم وحدهم، لا مرشد ولا معين، واستمرت في جباية الضرائب على الماشية، ومتابعة الرقابة على تنقل السكان بحيث لا يحق لهم الاقتراب من ضفاف النهر إلا بمسافات معينة؛ ولم تصل سنة 1973 حتى نفق جل الثروة الحيوانية، وانتشرت المجاعة في أصقاع الإقليم، وأصبح الناس عاجزين عن توفير ضرورات الحياة الأساسية من مأكل وشرب وملبس وسكن، فتشتت الرجال لا يلوون على شيء في الاتجاهات كافة بحثا عن وسيلة لإنقاذ من تركوا خلفهم من نساء وصبوة وعجائز في مخيمات قرب الآبار، والتي أصبح جلب مائها غاية في الصعوبة بعد نفوق الماشية؛ وكان الرجل يصحب معه في رحلة الميرة تلك كل ما بقي له من دواب صالحة للبيع، وبقايا الأثاث: من زرابي وطنافس ومصنوعات جلدية وخشبية، كما جلبوا معهم كتبا مخطوطة نفيسة وحلي النساء ومقتنياتهن،  بل إن البعض اضطر أن يترك عياله في العراء ويأخذ الفروة ليقايضها بمواد غذائية.
ومع طول الوقت أصبحت أكثرية الأسر معدمة، لا تملك ما تقايض به الطعام،  فمات الآلاف من الناس جراء الجوع وتبعاته، غالبيتهم في مخيمات، ذكر شهود عيان أنها كانت مسكونة بأناس شديدي الهزال، لا يقدرون على الخروج إلى الزائر، خوفا من الظهور في أوضاع غير لائقة، منها العري، مما يذكّر بما مرت به العديد من المناطق الموريتانية إبان الحرب العالمية الثانية، تحت الاحتلال، حيث لبس الناس الجلود وقطع الوبر المحاكة للخيام، حتى أن بعض الأحياء البدوية كانت لا تملك إلا دراعة واحدة يتعاقب عليها رجاله، عندما يتعين على أحدهم الخروج للقاء زائر؛ وقد قيل في السبعينات إنه لو لم تكن لموريتانيا حكومة مركزية لمات جل سكانها الذين كانت نسبة البدو منهم – حينها - تزيد على 70% .
  وكنا في منكبنا البرزخي نسمع بعض الأخبار عن مأساة أهل أزواد التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام الغربية المكتوبة، من بينها صحيفة "لموند" الباريسية التي نشرت سلسلة مقالات للكاتب الصحفي الشهير "فيليب دَكْرينْ" عن الجفاف في مالي،  نقل فيها صورا مخيفة عن حالة السكان في أزواد، متهما الحكومة المالية باستخدام الجفاف لتصفية حساباتها السياسية والأمنية مع السكان، وانتقد سكوت العالم عن هذا الوضع البشع.
 وقد قامت مجموعة من الشباب في نواكشوط بتكثير هذه المقالات وتوزيعها على الرئاسة والوزارات، مطالبين بوقفة تضامن مع الأشقاء الأزواديين، ومستنكرين الصمت على أفعال باماكو. لكن  أحدا لم يتحرك، لإنقاذ هذا الشعب أو التخفيف من محنته، لا في الدول الغربية ولا الأمم المتحدة أو التجمعات الإقليمية،  حيث لم تكن الصحوة العالمية لمؤازرة حقوق الإنسان وحماية الأقليات التي شاهدناها مع بداية انهيار الكتلة الشيوعية قد ولدت بعد؛ وذلك رغم وجود حركة تكاد تكون كونية يقودها اليسار، تدافع عن حركات التحرير في إفريقيا وفلسطين وفيتنام.
  والّفتة الوحيدة للدول الغربية ومنظماتها الإنسانية، كشركات الصليب الأحمر، كانت إرسال بعض المواد الغذائية والأدوية إلى حكومة باماكو، دون مراقبة على تصريفها، فاستحوذ عليها الضباط القابعون في السلطة، واستمرت المعاناة وتشعبت، ولم يلتفت أحد إلى أن جوهر المشكلة السياسي،  حيث تصر حكومة على ممارسة التمييز على جزء من شعبها، والتخلي عن مسؤوليتها اتجاهه، مما يتنافى وواجباتها الدستورية وما يفرضه القانون الدولي والشرائع السماوية وتقاليد التعايش والمساكنة.

بداية التشرد

   اكتملت هجرة سكان البادية إلى المدن والمراكز القريبة من مصادر المياه، وانتشرت الفروات وأقفاص الحشائش، على أطرافها، بينما أصر قسم منهم على البقاء في الأرض التي ألفوها، حيث بقيت على الألسن مآثر بعض رجالهم من تجار ووجهاء وزعماء قبائل بذلوا أموالهم وجاههم لمد يد العون لهم حتى تحسنت الظروف مع الثمانينات، ومن هؤلاء السلطان بادي بن حمادي.
 ولم تحرك السلطات الرسمية الحضرية ساكنا لتخفيف وطأة المجاعة على الواصلين الجدد، فآثر عدد من أرباب الأسر مواصلة الرحلة إلى الجنوب داخل مالي وإلى الدول المجاورة لها في الجنوب، وهكذا ظهرت في شوارع لاگوص وكوتونو ولومى وأكرا وأبدجان مشاهد غير مألوفة، وهي تسول صبية غرباء، بنين وبنات، بزي غير مألوف وبشرة بيضاء ينتشرون على قارعة الطريق، وعند إشارات المرور، لإعالة ذويهم الذين اختاروا أشجار الشوارع مأوى لهم.
واتجهت أعداد من سكان المناطق الوسطى والشمالية مثل أُولمدَنْ والهگار وإفوقاس وكل السوق إلى مدن الجزائر الجنوبية كتمنغاست، وعشائر الاتحادية الكنتية إلى آدرار، حيث يرتبط هؤلاء وأولئك مع سكان الجنوب بوشائج القربى، فاستقبلتهم السلطات الجزائرية برحابة صدر، وآوتهم ووزعت عليهم بطاقة التموين التي انتشرت بين الأزواديين إلى عهد قريب، إضافة إلى ذلك لقي هؤلاء الترحاب من أبناء عمومتهم الجزائريين، فشكلوا جسرا للتواصل، وانتعشت التجارة وتبادل المنافع مع الإقليم وبدأ الاطمئنان يعود إليه بعد أن أصبحت أجزاء منه في حكم التابع للجزائر، التي ظلت على مدى سنوات لاعبا لا غنى عنه بالنسبة للمناطق المتاخمة لجنوبها، ونجحت في إقامة علاقات متميزة مع أولائك الجيران، رغم تربص الدوائر الغربية وإعلامها للصيد في المياه العكرة بين دول شمال إفريقيا وجنوبها. يتواصل





الأحد، 22 يوليو، 2012

"أوراق" عن أزواد /الخامسة/ موديبو: كما قَتَل قُتل

اغتالت القوات المالية أهم زعماء مالي السياسيين، و"انتصر على ثوار إفُوقاس في أزواد بقتل حاميهم الروحي"  فاكتملت للرئيس موديبو كيتا الزعامة الداخلية، وغادر باماكو بأيام قليلة بعد مجزرة 30 يونيه 1964 إلى القاهرة لحضور ثاني قمة قارية تحت مظلة، منظمة الوحدة الإفريقية الناشئة، واقتسم بذلك الأضواء المسلطة على الزعماء الأفارقة الثورين، إضافة إلى الهالة التي أحاطت به عن دوره في النزاع الحدودي الجزائري المغربي. فانعقدت القمة تحت رئاسة الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان في أوج سطوع نجمه المحلي والدولي، حيث استقبل في السنة نفسها القمة العربية وقمة عدم الانحياز.
  وقد انعقدت القمة في مقر جامعة الدول العربية، في جو من المظاهر الاحتفالية المبهرة، حيث صادفت إحياء ذكرى  ثورة 23 يوليه المصرية، التي بذلت فيها القاهرة طاقاتها لتظهر أنها أهم زعيمة للقارة والعالم العربي، ومع الهند ويوغوسلافيا إحدى الدول التي تقود حركة عدم الانحياز، الرافض لمنطق تبعية الغرب أو الشرق؛ كما وقع في هذه المناسبة ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية الذي كان مفكرون وكتاب قد انكبوا على إعداد مسودته، منهم محمد حسنين هيكل، ودعي القادة إلى حفل بهيج في نادي الضباط بالزمالك، غنت فيه أم كلثوم أول لحن لمنافسها الكبير محمد عبد الوهاب أنت عمري، بتقديم أشهر مذيع مصري جلال معوض، كما أقام عبد الناصر حفل عشاء في حدائق قصر القبة، غنت فيه فرقة رضا، المؤلفة من شباب الجامعات، وأقيم في مدينة نصر عرض عسكري وشبابي وعمالي دام عدة ساعات، ظهر فيه من الأسلحة ما اعتُبر ردعا لكل من يحاول التحرش بمصر.
  وقد جرت محاولة لتعكير جو القمة هي وصول رئيس وزراء الكنغو اليوبولدفيل موسى تشومبى إلى القاهرة فجأة ليحتل مقعد بلاده، غير أنه أعيد من حيث أتى لأن مصر والدول الثورية لا تعترف به، لكن حادثا آخر جرى بطريقة لم تكن في الحسبان، كان له وقع مؤلم على بعض الوفود، وخاصة مالي وغانا وغينيا.
  هذا الحدث هو الكلمة التي ألقاها رئيس جمهورية مدغشقر، فيلْبيرْ تْسيرانانا، في جلسة علنية بحضور جميع القادة، حيث كال سيلا من النقد اللاذع لمعظم الحاضرين وخاصة الزعماء الثوريين، تارة بروح مرحة وابتسامة عريضة، ومرات أخرى بجد وصراحة مفرطة، وأعلن منذ الوهلة الأولى أنه لا يشاطر الحاضرين تفاؤلهم بمستقبل القارة في ظل القمع وعدم التسامح، ضاربا المثل بكل من رؤساء غينيا وغانا ومالي بأسمائهم، حيث يتشدقون بالثورية والحرية، وهم يقتلون مواطنيهم، ذاكرا بالاسم زعيمي مالي الذين لم تجف دماؤهما بعد: سيسوكو وديكو. ثم هاجم النفاق السياسي، خاصة في العلاقات الدولية، قائلا "إن تماديتم في هذا النهج سأبقى في جزيرتي خارجا عن إفريقيا، ولن أكون مثلكم في النفاق، فرئيسي هو الجنرال دڴول، وسأذهب إليه مباشرة لأقدم له تقريرا عما جرى هنا، ولتكونوا مثلي وتعترفوا بأنكم تابعون لموسكو وپيكين". وقد ظل الحاضرون - بمن فيهم أعضاء الوفود والمدعون والصحفيون - مشدوهين بين غاضب مستنكر، ولاه مستمتع بهذا الخطاب الطويل، وهو ما انطبق على الرؤساء أنفسهم، خاصة موديبو ونكروما الذيْن كانا في أشد حالات العبوس، يلوح أعضاء وفديهما خلفهما بأيديهم استنكارا للحديث، أما عبد الناصر وبورقيبه وسنغور والحسن الثاني، وغالبية الرؤساء فقد تابعوا بإصغاء وكأنهم في مسرح، بينما لم يتحكم المختار بن داداه وأحمد بن بله، وعدد من الوزراء من كبت نوبة الضحك التي أصابتهم.
**
 مرت الأيام وسقط موديبو كيتا بانقلاب عسكري في 19 نونبر 1968، وأُرسل إلى كيدال، ليعيش في ظروف صعبة، وإن كانت أقل قسوة مما عرفه معارضوه السياسيون الذين اختارها لهم، ثم ينتقل إلى الجنوب الأكثر رطوبة، ويتقابل في أحد الأيام أمام المستشفى مع زعيم آخر ما يزال في السجن من بقايا ضحاياه، هو محمد آعلي آڴ الطاهر الأنصاري، الذي خاطبه "موديبو، هل عرفتني، أنا محمد آعلي الذي كنت أعطيك - وأنت تلميذ - البسكويت وغيرها من الأشياء التي تطلب". وكان أبشع إرث تركه موديبو كيتا لبلاده ما استنّه من نهج في القمع والتعذيب والتصفية الجسدية لمعارضيه، حيث اتَبعت ذلك الطغمة العسكرية التي أطاحت به، وأصبح النهج السائد، وكان هو ضحيته عندما مات مسموما في 16 ميه 1977، وكاد النهج هذا يقضي على طبقة الضباط الحاكمين، المتكالبين على السلطة والمال.

 

نهاية النقيب بازاني في تاودني

مما يستدل به الأزواديون على احتقارهم من قادة مالي جعل مدنهم التاريخية وبلداتهم الشهيرة أوكارا لأنواع الفجور والإجرام، ومراكز للتعذيب السياسي والقتل الممنهج خارج القانون، حتى اقترنت أسماؤها بذلك، بعدما كان صيتها كمواطن للعلم والذهب والملح، ملهم أطماع العالم منذ القرون الوسطى. ومن هذه البلدات سبخة تاودني التي يقع فيها مركز إداري وعسكري للحكومة المالية، على بعد 700 كلم شمال تنبكتو، في نقطة هي الأخفض عن سطح البحر في الكرة الأرضية، عوض البحر الميت. وحوض تاودني يطلق في المصطلحات الجيولوجية على مساحات شاسعة تشمل مناطق من أزواد وتمتد إلى داخل الشمال الشرقي الموريتاني؛ أما صحراؤها فهي قاحلة لا شجر فيها ولا نباتا، تُصليها شمس حارقة في غالبية أيام السنة، حيث تكون درجة الحرارة صيفا 50 درجة نهارا و40 – 45 ليلا، وفي الشتاء 20 – 30 درجة في النهار و10 – 0 ليلا. "يوجد عند السبخة بئر يدعى حاسي صالح نسبة إلي أحد الصالحين، ماؤه مالح، يقع على عمق 50 مترا، وهو في هذه البلاد القاحلة المعطشة هدية من السماء، غير أن الإنسان لا يستطيع شربه إلا بخلطه مع مواد تساعد على تحمله، مثل تجمخت، (دقيق ثمر شجر الدوم [التيدوم] الذي ينبت في الجنوب] أو دقيق الذرة أو اللبن الرائب، والاغتسال به يحتاج إلي مجهود وتقنية، حيث يمنع رغوة الصابون، ولا يزيل وسخ الجلد، مما يحتم خلطه بالحصى الصغير مع الدلك بقوة، ومع ذلك فلولا الماء المالح لمات الناس من الإمساك.
  يحكم مركز تاودني نهاية 1969 الملازم كانتاو الذي يجمع بين يديه كل السلطات، وقد أوكل إليه أمر مجموعة من السجناء العسكريين المحكوم عليهم بالمؤبد، وعلى رأسهم النقيب بازاني (ديبيى سيلاس جارا) الذي عرفناه فيما سبق قائدا للكتيبة التي أشرفت على سحق التمرد في أزواد، حيث أدين بمحاولة انقلاب بعد أن كان واليا لمحافظة موبتي.
 كان الملازم كانتاو الآمر الناهي، ومهمته الأولى هي إلحاق أشد أذي بالسجناء المحكوم عليهم بالإعدام أو السجن المؤبد الذين أرسلوا إليه في هذا الفضاء السحيق الذي لا صلة له بالعالم الخارجي. وللدلالة على الاستبداد الذي يفتخر به، أعطى لنفسه اسم إمبراطور قبيلة الموشي (مورو نابا) الذي بيده مصير شعبه حياتا أو موتا، لا يعرف قاماتهم إذ لا يراهم إلا راكعين له. وكان سجناء تاودني يسجدون لسيدهم الجديد حتى يغمسوا رؤوسهم في الأرض مقبلين جزماته، فيرد عليهم التحية بوضع قدمه بقوة على رقبة كل منهم حتى تندس في التراب. وإضافة إلي الأوامر التي تلقاها من قادته استعمل كل ما خطر بباله من بطش ليجعل نهايتهم الموت البطيء. وهكذا بدء بتحويلهم إلي عمال لقلع عدائل الملح الذي يتولاه عادة عمال محترفون يتوارثون المهنة، التي تعد قاسية جدا خاصة على من لا يعرفونها.
توجد في تاودني – كما سلف - سبخة غنية بالملح المتراص في حصائر منتشرة تحت طبقة رملية، يقوم عمال مهرة بتقطيعه في شكل قوالب لتكون جاهزة للنقل، لذلك اعتبر الضابط أنه العمل الأكثر مشقة والأنسب لسجنائه، وهو في الوقت نفسه فرصة لتطييب خواطر رؤسائه بإهدائهم ملحا وفيرا بلا ثمن. وقد فتح مقلعا بعيدا عن أمثاله ليفسح المجال أمام جنوده لإطلاق النار على السجناء في حالة محاولتهم الهروب، دون أن يعرض العمال العاديين للمخاطر.
كان المقلع الجديد يبعد 12 كلم عن المركز العسكري، يرغم السجناء على قطعها جريا على الأقدام المثقلة بالسلاسل في ذهابهم وإيابهم، يسبق ذلك ضرب مبرح عند الساعة الرابعة صباحا، موعد الانطلاق، وتكون العودة عند الساعة الخامسة مساء، تتخلل ذلك استراحة لمدة 5 دقائق لتناول الغداء المكون من حب الدخن الأحمر الغليظ نصف مهروس، لم يكتمل نضج طبخه، وهو عادة يحضر كعلف للماشية، لكنه هنا يخلط بالتراب والحصى ( أرارش).
ولم يكن للسجناء الحق بعد يومهم الشاق المنهِك في فسخ ثيابهم مما جعل أجسادهم مرتعا للقمل، مثل ثيابهم المتلبدة من شدة الاتساخ، والتصاق الحصباء المبللة بالعرق، والتي تتساقط قطعا بعد أن تيبس. وليس للمصابين منهم الحق في استراحة مرضية، بل يحملهم زملاؤهم إلي المقلع يوميا، ويتركون مرميين في الرمضاء، حيث تصل الحرارة 50 درجة في الظل. وكان الملازم كانتاو فخورا بما حققه من نجاح في استخراج عدائل الملح، وبما أصاب السجناء من ضعف وهزال.
وفي أحد أيام يناير، وكتهنئة للسجناء بالعام الجديد، أعادهم إلي المقر قبل الوقت المحدد، مما جعلهم يتصورون أنها لفتة رحيمة، خاصة وأنهم سقطوا على الأرض عند وصولهم لشدة الإرهاق. وعند مدخل المركز كانت هنالك عديلة ضخمة نقش عليها كانتاو "أول عديلة استخرجها الخونة يوم فاتح يناير 1970 " ثم غادر وهو يتضاحك قائلا "لقد أعدتكم باكرا اليوم حتى تقرؤوا في ضوء النهار هذا الإهداء المنقوش تكريما لكم، وسترسل في الغد إلي القيادة العليا كشاهد على إسهامكم الفعال والطوعي في الإنتاج الوطني في جنة الصحراء هذه.
واتهم الملازم السجناء بمحاولة رشوة أحد جنوده الذي فرض عليه شهادة زور، ثم أبلغهم أنهم سيعدمون في الصباح، مما كان له وقع لا يتصور عليهم، وعند بزوغ الشمس ساقهم مقيدين بالسلاسل ليجدوا أمامهم فرقة إعدام مؤلفة من 12 جنديا، مما صدق لديهم تهديده، وبادرهم: بأنهم لم يذكروا خلال استجواباتكم السابقة جميع شركائهم في المؤامرة، لذلك سيترك لهم حياتهم إن أقروا بهم اليوم، لكنهم رفضوا الرد عليه كرجل واحد، فكانت العقوبة الضرب بأعقاب البنادق والعصي حتى تقيئوا الدماء.
ثم جاءت للملازم فكرته السادية لبناء حصن في تاودني مساحته 2500م2، فأمر السجناء بحفر بئر بأدوات قليلة وصنع 100 طوبة من الآجر لكل منهم في اليوم، وهو رقم خيالي لهؤلاء التعساء الذين يُختم يومهم - في معظم الأحيان - بالضرب المبرح على كل الأعضاء دون أي سبب.
وكان البناء يسقط كل ما علا، لجهل السجناء بالمهنة؛ وعندما مات أحدهم من شدة التعذيب والجوع رفض دفنه في مقبرة السبخة لأن السجناء لا يستحقون ذلك، وأمر بإلقائه بعيدا عن الحصن، مما جعل زملاءه يعودون إليه في الصباح ليدفنوا ما أبقت بنات آوى من جثمانه.
وكان الملازم يتباهي بإنجازه ويقارنه بالأهرامات التي بناها الفراعنة في مصر [إنه إنجاز سيخلده له التاريخ] وهو ما تحقق بالفعل حيث بقي الحصن الذي أملته إرادة رجل مريض بجنون العظمة، وكلما هبت عاصفة رملية يكون صداها في الحصن كصياح وأنين كل من سكب دمه على طوب هذا البناء المنحوس. وقد تناوب على قيادة المركز العديد من الضباط وصف الضباط، لم يكونوا كلهم بقسوة الملازم كانتاوو إلا أن الأقل تشددا يلقون العقاب، وأقله الحرمان من ترفيع الرتب حتى التقاعد.
ورغم اكتشاف مؤامرة جديدة لإسقاط النظام في باماكو واعتقال القادة السابقين من قبل الرئيس إلا أن من حلّوا محلهم كانوا أشد قسوة من سابقيهم الذين نقل العديد منهم إلي تاودني ليعيشوا مع من لم يمت من السجناء الأولين.
وقد رفعت عن النقيب "بازاني" الرقابة، إذ لم يعد يشكل أي خطر، وأصبح من بين السجناء مجرد جثة متحركة، ، بلا لحم ولا أعصاب، مثل التمساح الجائع، يزحف في تنقله على يديه وركبتيه، تاركا خلفه خطوطا عميقة في الرمال الحارة، من السهل اقتفاؤها، ولم يعد له من العمل إلا جمع بعر الإبل حول البئر لغرض الطهي، وقد قيل إنه فقد ملكة النطق بسبب العزلة الطويلة التي يعيشها، لكنّ من نظر إليه عن قرب يرى بقية بريق، يشكل نوعا من التحدي لسجنائه. وأمام تعلقه بالحياة تجرأ الملازم كانتاو على اتخاذ قرار خطير العواقب أمام التاريخ وهو قتل هذا السجين الذي كان بلا شك الهدف النهائي، وطريقة التنفيذ متروكة له. وفي أحد الأيام استدعى الجندي الطارقي الشاب سالم آگ سالم ودار بينهما الحديث التالي:
-    سالم، هل صحيح أن أخاك قتل في التمرد (1963)؟
-    مع الأسف نعم، وما أزال أبكيه، يرد الجندي
-    هل ترغب في معرفة ظروف موته، وقاتله؟
-    إنني أجهل ذلك، لأنني كنت صغيرا. آه! نعم، وألف نعم! إنني أحب أن أعرف القاتل، وبالي لن يهدأ قبل أن أقوم بالواجب المقدس، وهو الثأر لدم أخي
-    اسمع جيدا. كان أخوك شجاعا بين الشجعان، عرفته قبل التحاقه بالتمرد، وأنتما تتشابهان كقطرتي ماء. لقد قاتل من أجل قضيته، لكنه فوجئ مع صحبه بسبب وشاية، خلال عملية تمشيط للجيش، دارت خلالها معركة دامت صبيحة يوم كامل. وبعد استنفاد ذخيرتهم استسلم أخوك ومن بقي معه من زملائه، ورفض بإباء الإدلاء بأية معلومات لمحققي شعبة مخابرات المكتب الثاني رغم التعذيب، بل بلغت به الجرأة حد البصق في وجه الضابط الذي يستجوبه، موقعا بذلك صك موته.   
كان أخوك يفضل الموت وسلاحه بيده، لكن ذلك لم يقع، بل أجبر على شرب قدح من البنزين، ثم صُب على جسده المتبقي وهو حوالي ثلاث لترات، وأشعلت النار فيه، لكنه قابل ذلك برباطة جأش ودون أن يطلب الرحمة أو يُصدر أنينا، حتى انفجر كالقنبلة. وكان الضابط يتوقف بين الحين والآخر ليرى وقع سرده التمثيلي للقصة على الشاب الطارقي، الذي انكسر قلبه وهو يبكي بدموع حارة، يرتعد جسمه من شدة الغضب والتأثر، منتظرا أن يكشف له اسم القاتل، إلى أن سمع: هل أنت مستعد لأخذ الثأر لأخيك، عندما أكشف لك عن اسمه؟
-    كيف لي بذلك؟ وكيف الوصول إليه؟
-    قل لي نعم، وسأقدمه لك في الدقائق الآتية
-    نعم! نعم! نعم!
-    حسنا، ياصغيري، إنه النقيب بازاني، الذي قتل أخاك الأكبر
-    لا، هذا غير ممكن!
-    إنها الحقيقة بعينها، وهو الآن نحو البئر، فهو لك ، سالم، افعل به ما تريد، اقت...
ولم ينتظر سالم إتمام الجملة فطفق يعدو مطلقا صيحة الحرب، كما يفعل أجداده عند الهجوم، وفي الطريق أخذ دبوسه متجها إلى البئر، مواصلا صيحاته. وفي هذا الوقت كان النقيب بازاني الذي يجهل أن مصيره قد تحدد، منبطحا على وجهه فوق الرمال الساخنة يضع يديه على رقبته ليقيها حر الشمس، بعد أن أنهى نوبته من جمع البعر حول البئر. وقد وصلت إلى مسامعه صيحات سالم كالصدى، ولم تكن غريبة عليه، لأنه سمعها من قبل في الجبل، ثم بدأت تقترب، غير أنه كان يجهل أنها موجهة إليه.
وقريبا من جسد النقيب بازاني المشوه توقف سالم، والنقيب رافع رأسه إليه ليتلقى في الوجه حثوة تراب أثارتها جزمات الجندي الطارقي الشاب، وعند فتح عينيه عرف دبوس الراعي البدوي المخيفة ذات الرأس المدبب كراس الثعبان، وتكشيرة في وجه سالم، ورغم حاله الضعيف حافظ النقيب على بعض الوعي، مدركا أن أجله قد حان، حيث نزلت العصا على رأسه ليلفظ أنفاسه الأخيرة. وبذلك فقد النقيب ديبيى سيلاس ﭽارا، "أسد الصحراء" سيد كيدال، قاهر التمرد، معركته ضمن صراع الحياة الفانية.  
  إن الإرادة الإلهية تسوقنا حتما – فرادى وجماعات – إلى مصيرنا، كما ساق النقيب بازاني معه إلى هذه النهاية المفجعة معظم الضباط وضباط الصف الذين شاركوا في حملة كيدال، خاصة الملازم سام الذي أشرف على قتل فيلي دابو سيسوكو وحامادون ديكو وقاسم تورى، فقد ظلت تربطهم سلسلة خفية حتى الرمق الأخير من حياتهم" . يتواصل 


الأحد، 8 يوليو، 2012

"أوراق" عن أزواد /الرابعة/ موديبو كيتا: زعامة على جثث رجال الدين والسياسة


  كانت سنتا 1963 و1964 فاصلتين في تكريس النظام الاشتراكي نهجها لمالي، وموديبو كيتا قائدا أوحد له، وزعيما إقليميا، بعد أن صالح كلا من المختار بن داداه (بإغلاق مقرات "جيش تحرير موريتانيا" وإبعاد زعيمه) واليوبولد صينغور، وموريس ياميوڴو، الذين خاصمهما طويلا بسبب رفضهما الاستمرار في مشروع الوحدة بينهم، وظل يعتبرهم عملاء لفرنسا والدول الاستعمارية، بينما اختار هو التحالف مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية، ليصبح أحد أركان نادي الزعماء الثوريين في القارة السمراء (عبد الناصر، أحمد بن بله، كوامي نكروما، سيكو تورى).
  وساقت له الأقدار فرصة سطع بها نجمه، عندما اختارته منظمة الوحدة الإفريقية وسيطا - إلى جانب الإمبراطور هيلى سيلاسي – في النزاع الحدودي المباغت الذي اندلع بين الجزائر والمغرب في 8 أكتوبر 1963، وسُمي حرب الرمال، واستمر ثلاثة أسابيع. وقد نجح الوسطاء في جمع  الملك الحسن الثاني، والرئيس أحمد بن بلّه في باماكو مع نهاية السنة، وهو ما استغله الرئيس المالي دبلوماسيا وإعلاميا، حتى أصبح في أعين الكثيرين أحد حكماء المنظمة التي كانت في أمس الحاجة لكسب الصدقية بعد مولدها العسير، قبل ذلك بعدة أشهر في أديس أبابا؛ حيث كان على رأس أهدافها - مع استكمال تحرير القارة - تحقيق الاستقرار والنمو، الذي كان مستحيلا في ظل الحرائق التي تندلع هنا وهناك بين دولها، التي ترك لها الاستعمار حدودا، شكلت ألغاما كانت تفجر بين الحين والآخر نزاعات خطيرة.
  وكانت الثمرة المباشرة لهذا النجاح في الجمع بين الجارين توطيد علاقاته بهما، وكسبهما إلى جانبه في محاربته لثوار أزواد، حيث قبلتا التخلص من ثوار أزواد أو مناصريهم الموجودين في أراضيهما، فسلمت الجزائر مجموعة منهم برئاسة قائدهم انتالّه آڴ الطاهر، وسلمت المغرب محمد آعلي آك الطاهر، ليوضعوا في السجن طيلة حكم موديبو كيتا، وجزء من فترة موسى تراورى ؛ وتحقق لباماكو ما كانت تحتاجه من تأييد، خاصة من دول الشمال الإفريقي الأقرب إلى أزواد جغرافيا وعرقيا وثقافيا، واطمأنت إلى أنها قادرة على استئصال المعارضة السياسية في الداخل، والثورة الأزوادية، وبذلك تكون في مأمن من الضغوط الخارجية.
وهكذا واصلت كتيبة النقيب "بازاني"  في أزواد مطاردة الثوار في المناطق التي ينشطون فيها كثيرا بآدرار إيفوقاس والجبال المتاخمة للجزائر والنيجر، ونجح إلى حد كبير في عزلهم عن مصادر تموينهم الدائمة، وهي مخيمات البدو، التي حاصرها الجيش في مجال ضيق قرب دشرتي كيدال ومنكّه، أو أبعدها إلى ضفة نهر النيجر، حيث الكثافة السكانية وسهولة الرقابة، إضافة إلى ما زرعه في نفوس السكان المسالمين من خوف نتيجة القمع الوحشي.
  ظل "أسد الصحراء" في حيرة من أمره أمام العجز عن القضاء على المجموعات المتحركة الباقية من الثوار، والتي تحرمه من كسب المعركة وإعلان الانتصار، رغم التعزيزات التي أُرسلت له، فتلقى التوبيخ من قيادته العليا، مما زاده شراسة ووحشية في التعامل مع السكان. وخضع للرأي الذي ظل سحرته يحاولون إقناعه به، وهو أن مفتاح نصره يكمن في القضاء على شيخ دين ضرير تقيم حلته بين المخيمات البدوية التي ينتمي إليها معظم الثوار، وأنه مَنْ يمنع الجيش من الوصول إلى معاقلهم لأنهم محصنون بحكمة الاستتار التي يُرقيهم بها.

"يوم النصر العظيم"

أخذ "أسد الصحراء" بالنصيحة وقرر التخلص من الشيخ، فعبأ وحدة عسكرية مؤللة، ضمت أشد رجاله بأسا من ضباط وجنود، إلى حلة الشيخ فحاصروها، وجمع الرجال والنساء تحت تهديد السلاح، ثم اتجهوا إلى خيمته، التي وجدوا فيها بعض أبنائه بقيادة أكبرهم سيدْ مْحمد ومجموعة من المريدين، الذين تحفزوا لمواجهة المعتدين، لكن الشيخ نهرهم قائلا "لا طائل من وراء ما تريدون، هذه إرادة الله التي لا مرد لها، ولتعتنوا بأهلكم وعيالكم وحلّتكم"؛ وباشر الجنود نقله دون أن يشرحوا أسباب الاعتقال أو يتركوا لأحد من أفراد أسرته فرصة مرافقته، أو اصطحاب بعض متعلقاته.
  وبعد ساعات من السير وصلت القافلة إلى مقر القيادة، فأنزلوا الأسير، واحتجزوه في مكان ضيق، دون أن توجه إليه أية أسئلة، في انتظار الوقت المحدد لخروجه "حيث كان النقيب قد بعث رسله لإبلاغ سكان كيدال والأحياء البدوية المحصورة حولها بالتجمع في الساحة العمومية، في يوم موعود، لحضور حفل خاص" . وعندما اكتمل الحشد، تحيط بجنباته قوات مدججة بالسلاح خرج "أسد الصحراء" بلباس الميدان، يداعب بيده خيزرانة القيادة، ويحف به حراسه وأركان حربه. "وأمام الجمهور، وفي يوم مشمس (سنة 1963) أمر بوضع حبل المشنقة في رقبة الشيخ ليعلق على عمود منصوب وسط الساحة، يقابله مدفع رشاش من عيار 12.7، وخاطب النقيب الجمهور قائلا: [إن من ترونه اليوم هو الرجل الذي يدّعي القدرة على توفير الحماية لأزواجكم وأبنائكم وإخوانكم، ويعتقد فيه الكثيرون، مما يدفعهم إلى الموت كالعميان. وقد قررت اليوم امتحانه أمامكم جميعا، ولن أغشه، فأسمح له بلبس كل حجبه، وإن خرج منتصرا، فسأضع على صدره الأوسمة، وأُصبح أحد مريديه المخلصين] ثم أعطى إشارة لآمرِ بطّارية المدفع الرشاش، وانطلق أمر جامد [النار] فقذف الرشاشُ ثلاث دفعات [گوگوگ! [گوگوگ! [گوگوگ!] حيث اهتز في كل منها الشيخ، قبل أن يسقط على رؤوس أقدامه فوق الأرض  ثم صاح النقيب "بازاني" على الجمهور المذهول [صفّقوا] فانطلق التصفيق ومعه الزغاريد، غير أن النقيب لا يجهل أن الزغاريد كانت للشيخ حتى بعد موته.
  وكل من يعرف أوساط البدو المؤمنين، يدرك أن الغيب والأسرار جزء من حياتهم، (وعليه فقد) خسرت الثورة أكبر معركة وهي النفسية، حيث أن الشيخ الذي سقط تحت الرصاص قبل قليل، كان قوة معنوية لها، ولم يبق لقادتها بعد اليوم أي حظ في النصر، إلا بالاعتماد على الشجاعة والجسارة" .
  إن الشيخ المعني هنا هو سيدي حيبللّ (حبيب الله) بن الشيخ عابدين بن سيد مْحمد الكنتي بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي، وقد كان لاغتياله صدى مدو في أنحاء أزواد بل في جمهورية مالي وفي الدول المجاورة لها، خاصة موريتانيا التي تناقل الناس فيها الخبر بعد وقوعه بعدة أشهر، بسبب بعد المسافات وندرة الاتصال. وكان أول ما اشتهر به سيدي حيبللّ أنه في العشرية الأولى من القرن الماضي - وعند ما كان معتقلا في مدينة باسام بكوت ديفوار مع إخوته، لحملهم السلاح ضد الفرنسيين  – حقق إنجازا اعتبر خارقا، كان سببا في إطلاق سراحه، وهو تصديه لأحد الزواحف الذي يبتلع البشر والماشية، ظهَر قرب إحدى القرى القريبة منهم، والتي استنجدت بالإدارة المحلية، التي عجزت عن القضاء عليه، لاختبائه في الغابة كل ما حس بالخطر؛ وعند ما علم الشاب السجين بالحكاية أعلن أنه قادر على قتله، ولا يريد إلا تزويده بسيف، فأعطي له، وتمكن من القضاء على هذه الدابة ، مما كان سببا في إطلاق سراحه دون إخوته، الين مات منهم البعض في السجن.
   ومن المعروف أن والدهم الشيخ عابدين كان من أوائل من حمل السلاح وقاد عشرات الحملات الجهادية ضد الاحتلال من سنة 1894 حتى سنة 1916، فكبده خسائر فادحة، قبل أن ينتقل إلى جنوب المغرب، ويقيم  حضرته التي ظلت منطلق الغزوات على قوات الاحتلال في أزواد وضفاف نهر النيجر والشرق والشمال الغربي من موريتانيا، وهو ما واصله أبناؤه حتى الثلاثينات من القرن الماضي، هم الذين استشهد منهم في الجهاد ستة.
   وبعد إطلاق سراحه عاش سيدي حيبللّ في مضارب أهله بمنطقة آدرار إفوقاس التي ولد فيها سنة 1884. وقد أصيب في مقتبل العمر بمرض الجدري ففقد بصره، لكن ذلك لم يزده إلا حيوية ونشاطا وعلوّ همة. فكوّن حلة عامرة، وانكب عليه الناس من كل حدب وصوب، لما ظهر على يديه من كرامات، ولسريان الحكمة في يديه، ولكونه مرجع أزواد والمنطقة كلها في معرفة سر الحرف، كما اشتهر بالكرم والإنفاق في سبيل الله، وكان يوزع الطعام والحليب وأتاي والسكر مجانا على أسر حلته ، الذين يحظر عليهم اقتناءها بأموالهم الخاصة.

فيلي دابو سيسوكو


حامدون ديكو

 اغتيال زعماء المعارضة

أما الفعلة الشنيعة الثانية التي ارتكبها الرئيس المالي موديبو كيتا فكانت اغتياله في ظروف غير إنسانية لكل من فيلي دابو سيسكو وحامدون ديكو ورجل الأعمال قاسم تورى، الذين حمّلهم مسؤولية مظاهرات التجار الكبرى في باماكو في 20 يوليه 1962 ضد التأميم وإنشاء الفرنك المالي. فقد بعثهم بعد الحكم عليهم بالإعدام الذي خففه إلى المؤبد إلى كيدال ليعيشوا في ظروف شديدة القسوة، نفسيا وماديا فكانوا يقومون خلال النهار بتنفيذ أشغال شاقة لا تكاد أجسامهم تتحملها، وفي الليل يسقطون على حصير بال لا يكادون يتحركون من شدة الإرهاق، وهكذا دواليك خلال سنتين.
  وقد وصف العقيد آسيمي دنبلى مؤلف كتاب التحويل الأخير طريقة قتلهم: "في ليلة من ليالي كيدال الحارة تلقى النقيب "بازاني" رسالة مشفرة استدعى بعد قراءتها الملازم "سام" الذي يثق فيه، وخاصة لتأدية المهام العويصة، التي تضاهي أسرار الدولة، وذلك لكونه كتوما وفعالا ومتعلقا بشخصه؛ وكان فحوى الرسالة ثلاث كلمات [التحويل النهائي للطرود الثلاثة]  أي السجناء السياسيين الثلاثة إلى مكان آخر، حرصا على سلامتهم، كما أخبرهم رئيس المركز الذي تحدث إليهم. وعند ما أرادوا اصطحاب بقايا ملابسهم وفرشهم البالية أُفهموا أنهم سيتلقون أحسن منها في المركز العسكري القادم. وغادرت المجموعة في اتجاه تازيجومت مقر مركز عسكري أكثر أهمية. وكان الرجال المرافقون يعتبرون أنهم في مهمة عادية، ويجهلون تماما الطبيعة السرية لرحلتهم. والوحيد الذي كان على اطلاع على حقيقة الأمر هو ضابط الصف الذي يقود القافلة، الذي أُخبر بأنه سيلتقي في منتصف الطريق الملازم "سام" بأحد الأودية بين مركزي بوڴيسه وتازيجومت. وعندما وصلت القافلة إلى المكان المحدد كان الملازم "سام" في الانتظار، حيث توقفت السيارات وطُلب من السجناء ومرافقيهم التوجه إلى مرتفع حجري. وبما أن الثورة في أزواد لم تهزم بعد قام ضابط الصف بتوزيع جنوده في مواقع قتالية حول المجموعة، حتى لا يتعرض لمفاجأة غير سارة، وأبقى الملازم "سام" معه مجموعة من الجنود والڴوم المسلحين ببنادق كلاشنيكوف الرشاشة. وعندها بدأت الشمس تميل، وتنزل الغربان والنسور على شجرة شوك قريبة، كما لو كانت تنتظر حدوث شيء ما في هذا الموقع الضائع في الصحراء.
  ثم قام الملازم بوضع السجناء الثلاثة أمامه وأبلغهم بصوت متأثر بقرار القيادة العليا. إنها لحظة قاسية أن يسمع فيها إنسان أنه سيغادر هذا العالم بعد عدة دقائق!
  وكان الضابط سيترك الجثامين مرمية في الصحراء كالكلاب لو أن حمادون ديكو لم يطلب وضعهم في قبور، ومن الصعوبة بمكان أن يرى إنسان رجلا كالهيكل العظمي، وليس لديه ما يخاف عليه، مصمما على أن يبقى واقفا، مرفوع الرأس في وجه ضابط مخيف ذي دم بارد. وأمام هذا الطلب الجسور رد الملازم "فليكن! وليحفر كل منكم قبره بسرعة، فالوقت ضائع" ووحده ديكو حفر قبره بحجر حاد، كما كان يفعل الإنسان البدائي، رغم وجود أدوات لذلك في سيارات القافلة، أما سيسوكو وتورى فلم يفلحا في إنجاز المهمة، لتقدمهما في السن وشدة تعبهما. واعتبر الضابط أن الحُفر التي أنجزت بشق الأنفس، أحسن من خندق جماعي، وكافية كقبور، وعندها أمرهم بالتوجه إليها والنزول فيها، فساروا بهدوء وسكينة، رافضين مساعدة الجنود المشفقين عليهم، ودون أن تصدر منهم أي حركة تفسًّر على أنها من أجل البقاء في الحياة لثوان بائسة. وفي اللحظات الأخيرة خاطب فيلي دابو سيسوكو الضابط قائلا "أيها الملازم افعل واجبك كجندي، لكن واجبك كضابط لا يسمح لك بالغرق في الخزي، وكما أحُس لا تطلق الرصاص علينا من الخلف، وإلا فإن هذه الفعلة ستلاحقك طيلة ما تبقى لك من العمر".
  عندئذ، وجد الضابط نفسه في مواجهة ضميره، وأمرهم بالبقاء وقوفا، ينظرون أمامهم دون حراك فرقة الإعدام على بعد 15 مترا، دون أن يغمضوا أعينهم لحظة، أو يصدر عنهم صوت أو أنين، في مواجهة الأسلحة المصوبة إلى صدورهم.
صاح الملازم سام "الفرقة! استعداد! اشحنوا المسدسات
وسُمعت قعقعة الآلة المخيفة.
-    بزخَات
-    النار
ودوى الجبل كله لضجيج رصاص المسدس الرشاش الذي اخترق أجساد الرجال الثلاثة فحصدها. ولم ير الضابط أي ضرورة – عكسا للقاعدة – أن يطلق على كل منهم رصاصة الرحمة؛ مما يطرح التساؤل: هل كان هذا إعداما حسب الأصول؟. أليس هذا اغتيالا، بعد ما أُلغي حكم الإعدام، وحُوّل إلى المؤبد؟.
  صاح الملازم سام في الجنود قائلا [اطمروهم بالتراب] لكن الحُفر لم تكن عميقة لتغطي الجثامين، مما حتم ردمها بالحصى الخشن (أرارش) بينما كانت أكفانهم الدراريع الملطخة بالدماء.     
   ورغم أنهم مسلمون لم تُقرأ عليم {الفاتحة} ولم يصلّ عليهم، غير أنه في نهاية الفعلة المخزية رفع أحد الڴوم المسلمين – بدل تلاوة شيء من القرءان الكريم – صوته قائلا {الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!}؛ ثم أبلغ الملازم رؤساءه إنجاز مهمته في رسالة مشفرة، فحواها [تمدرس الأطفال]."  وكانت الرواية الرسمية أنه خلال نقلهم إلى موقع جديد، جرى اشتباك مع الثوار، فحاولوا الهرب مما اضطر الجنود إلى إطلاق النار عليهم. يتواصل

الأحد، 1 يوليو، 2012

"أوراق" عن أژواد/ الثالثة/ النهج الاشتراكي: رفض في مالي وثورة في أزواد

فشل اتحاد مالي وإعلان الاستقلال


في 4 إبريل 1959 حدث تطور مهم هو قيام اتحاد باسم مالي بين سنغال والسودان وحدهما، بينما كان الطموح ضم مستعمرات فرنسا في الغرب الإفريقي، التي قبل البعض من زعمائها الفكرة في مؤتمر بماكو من العام نفسه، كفلتا العليا وداهومى، بينما رفضتها موريتانيا لأسباب وجيهة، تتعلق بتركيبتها السكانية وموقعها الجغرافي الذي يحتم عليها مراعاة التوازن في علاقاتها بشمال إفريقيا وغربها، وهو المنطق الذي أقنع به المختار بن داداه حليفه وصديقه سيد المختار بن يحيى انچاي، مما جر عليه غضب قادة الدولة الجديدة.  أما هوفويت بوانيى فكان ضد الفكرة أصلا، مما حدا بواغدڴو وكوتونو إلى التراجع باكرا عن موقفيهما، ويكونان مع أبدجان ونيامى مجموعة دول الوفاق. وقد أعلن استقلال الدولة الجديدة في 20 يونيه 1960، لكن عقدها أنفرط أقل من شهرين بعد ذلك، وأعلنت سنغال الانفصال، وأبعدت موديبو كيتا بطريقة مذلة، وكذلك الوزراء السودانيين في الحكومة الاتحادية والضباط وكبار الموظفين بالقطار إلى بماكو، يوم 21 أغشت، ثم يعلن استقلال السودان من جديد في 20 شتنبر 1960، باسم مالي. 
  لم يكن في أژواد أي أثر للاحتفال بهذه المناسبة، لأن الغالبية تعيش في عالمها المنعزل، أما القلة المتابعة للأحداث من الوجهاء فكان صدمة لهم، لأنهم كانوا يتوقعون إقامة المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية التي مُنّوا بالانضمام إليها والانفصال عن السودان، لتتحقق مطالبهم الوطنية في دولة خاصة بطوارق الصحراء الكبرى والمجموعات المهمشة ذات الأصول الأمازيغية في شمال تشاد.
  ومما يؤكد الاتهامات لفرنسا بأن مشروعها بتكوين موطن للأقليات الأمازيغية في الصحراء لم يكن إلا للإبقاء على الجزء الأكبر من الجزائر، كونها لم تحرك ساكنا خلال فترة الاحتلال، لتنصف تلك الأقليات وتعتني بأقاليمها التي تشكل أحيانا مساحاتها الجغرافية أغلبية أراضي الدول المعنية كأژواد، الذي ظل مربوطا بالسودان، لا يتمتع بما للأقاليم الأخرى من حظوة في التنمية والخدمات، ولا هو إقليم متميز بحكم إداري يضمن له تسيير شؤونه الذاتية، ويراعي خصوصياته الجغرافية والثقافية ونمط عيشه، ويعتني بتنمية موارده.
وفور قيام الدولة الجديدة تنمرت على أهل أژواد، في سعي واضح لتقتل في وجدانهم أي أمل في التميز عن بقية أقاليمها؛ فشددت قبضتها على الأرض والسكان، واستهدفت خصوصيتهم الثقافية، فشرعت في محاربة اللغة العربية، بمنع أي دعم حكومي لتعليمها في المدارس الرسمية، وضايقت المدارس الأهلية من كتاتيب ومحاظر، حتى التي تتمتع بشهرة إقليمية في جوامع ومساجد تنبكتو وڴاوو، أو في المراكز والبوادي، وبذلك كانت الحارس الأمين لمشروع فرنسا بالقضاء على اللغة العربية والحرف العربي، الذي كان أحد ركائز السياسة الفرنسية في مستعمراتها ، وكان ذلك سببا رئيسيا في التنافر بين السكان والأجناس الذين وحدهم على مدى التاريخ الإسلام واللغة العربية وحرفها. وقد ألغت السلطات الرسمية اسم أژواد من الأدبيات الإدارية والسياسية، ووزعت الإقليم إلى ولايتين ثم ثلاث، أسماؤها أرقام متسلسلة.
 
  
موديبو كيتا يستعرض شباب حزبه
 
 أصبح تطبيق القرارات التي اتخذها المؤتمر الطارئ لحزب الاتحاد السوداني الحاكم نهاية 1960 باعتماد الاشتراكية نهجا سياسيا، فتشكلت فورا شركات عمومية تسيطر على الاقتصاد والتجارة، فهيمنت الدولة على كل الأنشطة الاقتصادية من زراعة وتجارة وتنمية ماشية. وشرعت في تطبيق ذلك على البدو الرحل، فعبأت موظفي الإدارة المحلية وشباب الحزب لجمع مخيماتهم في أماكن قريبة من المراكز الحضرية، لتسجل في دواوينها المواشي وملاكها، بعد أن كان الأمر في العهد الفرنسي مجرد إقرار المالك بجزء يسير من مواشيه، يدفع عنه العشر، وتبع ذلك قرار أكثر غباءً، وهو إخضاع تجارة الماشية مع الدول المجاورة، وحتى مع بعض ولايات مالي الأخرى، لأذون خاصة، تحدد عددها ونوعها.
  وقد ظهرت على الفور معارضة بعض السياسيين والتجار والمزارعين لهذا النهج، ومن أبرزهم زعيما حزبين صغيرين يرأسهما اثنان من الزعماء السياسيين هما فيلي دابو سيسوكو، وحمادون ديكو، والتاجر قاسٌم تورى مما أدى بهم إلى الاعتقال، ثم الاغتيال، واشتد القمع مع اتساع المعارضة ليشمل التجار والمزارعين والمنمين، في مالي كلها، وكان لأژواد نصيبه، حيث تمت مضايقة تجار تنبكتو المنتشرين في المدن الرئيسية المالية، قبل أن تؤمم ممتلكاتهم أو تخضع للرقابة.
  وما أن حلت سنة 1963 حتى وصل أژواد ما حل بمالي الأخرى، من خنق للحريات السياسية والكساد الاقتصادي، وتدهور أوضاع البادية التي زادها حدة شح الأمطار الذي كان مقدمة لموجات الجفاف التي ضربت أژواد ومعظم مناطق الساحل والصحراء، مع تبخر مشروع المناطق الصحراوية نهائيا بعدما سكّن الخواطر فترة من الزمن، واستقلت دول الساحل ضمن حدودها الموروثة عن الاستعمار، وبسطت الجزائر سيادتها على صحرائها الشاسعة. وقد عبر عن حالة اليأس هذه بعض الزعماء الأژواديين الذين خاضوا معركة حصول أژواد على وضع سياسي وإداري يخرجه من محنته، ويضمن للسكان كل حقوقهم، معتبرين أن فرنسا قد خانتهم. وكان أبرز تلك الشخصيات محمد آعْلي بن الطاهر الأنصاري، وهو شخصية سياسية من الطراز الأول، ينتمي إلى قبيلة كلنصر، كرّس حياته لقضيته، فزار مع موريتانيا بعض الدول العربية، مثل الجزائر والمغرب وليبيا ومصر والسعودية، والتقى بزعمائها، مناشدا إياهم دعمه في حق أژواد في الخروج من قبضة الحكم المالي المتشدد، لكنه اصطدم بجدار من التحفظ والخوف لدى الأقربين، وجهل عرب المشرق بالقارة الإفريقية البعيدة عن مجالهم التقليدي كالسودان والحبشة وما جاورها .

ثورة في أزواد وقمع وحشي

  نتيجة للحالة المأسوية في الإقليم انطلقت احتجاجات عديدة في المدن والبوادي شارك فيها شباب ورجال، فواجهتها السلطات بالقمع والاعتقال الذي لاقوا فيه أنواع التنكيل، ولم تجد شفاعة رؤساء القبائل والوجهاء، لإطلاق سراحهم بل نقلوا إلى سجن كيدال سيئ الصيت، ليجدوا أمامهم معتقلين من سياسيي مالي البارزين، المعارضين للنظام، فعم الغضب ربوع أژواد، واندلعت ثورة 1963 التي قادها الطوارق، وخاصة أبناء قبيلة إفوُقاس المعروفة بقوة الشكيمة ورفض الضيم، وكان أحد رموزها انتالّه آڴ الطاهر سليل إحدى أهم أسرهم، فسيطروا على حاميات معظم مناطق الشمال الشرقي ذات التضاريس الجغرافية الوعرة كآدرار إفوقاس، وتلك الموجودة في الشمال الغربي من بوجبيه نحو تاودني حتى الحدود الجزائرية. وقد لقيت الثورة تعاطفا كبيرا من جميع السكان من طوارق وعرب، فانضمت إليها أعداد مهمة من الشباب، وأنهكوا خلال أشهر قليلة القوات المالية، باعتمادهم تكتيكات حرب العصابات، التي أبدعوا فيها، معتمدين على معرفتهم الجيدة للأرض وتعاطف السكان بشتى طوائفهم.
  واعتبر موديبو كيتا أن هدف ثورة أژواد هو انفصال الإقليم، بدعم من الخارج، لأسباب عنصرية أو لزعزعة النظام، فاعتبر من واجبه سحقها بدون هوادة، مما جعل المؤرخين يعتبرونها أكثر قسوة من تلك التي شنها الفرنسيون على مجاهدي المنطقة إبان احتلالها في القرن 19. وعلى الفور عبّأ موارد البلاد المالية، وشكل كتيبة تضم الوحدات المقاتلة الأساسية التي تركتها فرنسا وعلى رأسها القوات المحمولة (المظلات) التي صارت أفضل كتيبة ضمن جيش الدولة الوليدة، وقد أبلت بلاء حسنا في الكونغو عندما أُرسلت إليه سنة 1961 ضمن قوات الأمم المتحدة، رغم أنها فشلت في حماية پاتريس لومبا أحد قادة الاتجاه الثوري الاشتراكي الإفريقي، الذي ينتمي إليه موديبو كيتا.
  وقد تولى قيادة هذه القوة النقيب "بازاني" وهو ضابط شاب انخرط باكرا في قوات النخبة الفرنسية، وشارك سنوات عدة في حرب الجزائر ضد المجاهدين، حيث اعتبرته فرنسا من الأبطال ومنحته أرفع وسام للشجاعة، كما أنه يتمتع بخبرة كبيرة في القتال بالمناطق الجبلية والصحراوية مسرح تحركه الجديد؛ وقد اختار معه في قيادته مجموعة من الضباط وصف الضباط والجنود الذين خبرهم في القوات الفرنسية ثم في الكونغو، والذين لا يعصون له أمرا، وأُعْطي جميع الصلاحيات، بحيث لا يعود في قراراته إلى رئيس أركان الجيش ولا إلى وزير الدفاع، مما شكل سابقة قوبلت بتذمر من المؤسسة العسكرية .
  وكان أول قرار يتخذه القائد الجديد الذي تسمى بأسد الصحراء عزل المنطقة الشمالية التي تجري فيها العمليات بخط وهمي اعتبره أحمر، يلامس دشرة كيدال، ويمتد ف الجنوب الشرقي حتى حدود النيجر، وفي الشمال الغربي حتى حدود الجزائر وموريتانيا، وأمر السكان الرحل بإخلاء هذا الحيز خلال شهرين، والاستقرار جنوبه؛ ودخل في معارك طاحنة مع الثوار الذين انتصروا عليه في معظم المعارك، مما جعله يلجأ إلى التكتيك الذي خبره في حرب الجزائر، وخاصة منه التنكيل بسكان المخيمات؛ والتعذيب الممنهج الذي فاق في قسوته – أحيانا - ما تعلمه النقيب في قوات المظلات الفرنسية مع البدو والمزارعين الجزائريين. وأدت به الخسائر الفادحة التي تكبدتها قواته من جراء الكمائن، إلى ابتكار صنوف من العذاب لم تخطر ببال، منها "إرغام المتهمين بممالأة الثوار بالسير مسافات شاسعة على الأقدام، في لظى حر الصحراء وتحت شمسها اللافحة، حتى الإشراف على الهلاك من شدة الإنهاك والعطش، فيقدموا لهم أواني بها بنزين يتصورونه ماء، فيكرعون فيه حتى يبتلعوا جرعات منه، وإذا لم يعترفوا بالتهم تصب عليهم بقية البنزين، وتوقد فيهم النار، فيتحولون إلى عبوات شاردة، يطلقون الصراخ، في مشهد لا يمكن لبشر أن يتحمله"  وكان نصيب نساء أژواد المتهمات باستدراج ضباط الجيش حتى يتمكن منهم الثوار، ضربا آخر مبتكرا من الوحشية "فقد تلقى ضابط تهنئة أسد الصحراء على أنه غسل يديه بدم ساخن لسيدة متهمة بالتعاون مع الثوار، عندما وجدها في أحد معاقلهم ". يتواصل