الثلاثاء، 21 سبتمبر 2010

أبيات لمْحمد بن الطلبة الأباتي

سأل الأستاذ حبيب بن أحمد في صفحته في "فيس بوك"بداية شهر يونيه الماضي عن قائل الأبيات التالية:
قد أيقظت دمن قفر مرابــــــــــــعها    تليد ماضي الهوى ونائم الشجن
يا عين جودي بما قد كنت صائنة     من الدموع على تذكار ذي الدمن
هذى منازلنا وذي مـــنازلنا وتي     منازلنا فــــــي سالف الزمـــــــن
العينَ فالنّيرَ فانجيْلاَنَ يا عجبًا     صــارت مراتع أهل البحر والســفن
إنه مْحمد بن الطلبه الأبّاتي (بتفخيم الباء) الذي عاش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حتى رأى موطنه محتلا من الفرنسيين (أهل البحر والسفن) الذين كانوا يحمون معظمه في الخريف والشتاء، لخصوبة مراعيه، وقربه من سبخة "أشاميم" من أجل "إبل المخزن" كما كان يقال.   
والمنطقة هذه تقع في أقصى جنوب آدرار في "ظلعة الشعرانية" على ضفة منخفض "الخط" الفاصل بين آدرار وﺘﮕﺎنت، التي ينتمي إليها الشاعر.
وما يزال الناس يرددون أشعار مْحمد لما لها من طلاوة، ورومانسية، حيث وجدت له قطعة لدى محمد بن سيدي بابا في الرشيد، الذي كان موطنا لأهل أبات المشهورين بعلمهم وتقواهم، والذين كانوا يملكون فيه حدائق نخيل غناء،  إضافة إلى موطنهم الرئيسي شرقي التامورت.
 تنــــــــــاءت بك الأيام أي تناءِ       وأثْوتك أرضٌ غـــــــير ذات ثواءِ
تجاوزتُ أمَّ البيض والقلبَ بعدها      وخلـَّــفتُ مَقْطيرَ العريضَ وَرائي
وأصبــــحتُ أرجوا لِوادَانَ أَوْبةً        وَوَادانُ عندي كان أرضَ جَلاء
ألا ليت شــــعري هل أبِيتن ليلةً        بخيْرانَ إذ هَضْبُ الظِّباء حَذائي
وهل تر عـــــيني لأﮔْشَــطَََ مَرةً       وفي رَمْل ﻟََﻌﮕﺎلِيَ كان شــــفائي
بلاد بها قَطّعتُ نَظْم تَمائمـــــي          وجرّبتُ فيها للشـــــباب رِدَائي
لياليَ يدعوني الهوى فأُجيبه      وحيث له أدعـــــــــو أجاب دُعائي

السبت، 21 أغسطس 2010

نحن ورمضان 1

تشهد العاصمة حياة رمضانية تضاهي مثيلاتها في الدول الإسلامية العربية، حيث يشتد الإقبال على المساجد، لتلاوة القرءان الكريم ودراسة الحديث النبوي الشريف، وتلقي الدروس في العبادات وخاصة الصوم.
ومن المظاهر المؤثّرة استعمال باحات المساجد، وغيرها في صلاة العشاء والتراويح، ومنها باحة الملعب الأولمبي الكبير، الذي تتحول مسارب المشي والركض فيه إلى  صفوف من المصلين بالمئات.
وقد شهد هذا الشهر الإعلان عن انطلاق إذاعة للقرءان الكريم، تبث على الموجة الترددية  لكن ما حدث اليوم في الجمعة الثانية من رمضان، لفت نظر مصلي جامع حيّنا، وهو قراءة الإمام لنص مرقون، مكرس للإشادة بقرار ولي الأمر (رئيس الجمهورية) بإنشاء الإذاعة وكذلك بِنيَته في إقامة جامع بالعاصمة يتسع لخمسة عشر ألف مصل، ثم تثمين الحزام الأخضر الجديد الذي ستنطلق حملته يوم غد.
وقد لفتت أنظار المصلين قراءة الإمام لخطبة مكتوبة، لأنه كالغالبية الساحقة من أئمتنا يرتجلون، كما تشوقوا إلى معرفة كنه الموضوع، الذي انجلى عندما وصل الإمام إلى موضوع التشجير، ومكانة الشجرة في الإسلام مستشهدا بالآية الثالثة من سورة الرعد المختومة بـ [... إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون] حيث قرأها في النص [يعملون] ثم فطن وقال [يعقلون] عكس ما كُتب في هذا النص.
وهكذا زال الاستغراب جزئيا، ورجح المصلون أنه نص معمّم من الوزارة الوصية على المساجد، ثم تأكد الأمر عندما وقف أحد المصلين ليقول باستياء "كان الأجدر أن تخصص الخطبة لمواضيع رمضانية، أو جزء منها، وأن يُبتعد عن الحملات ..." حيث رد إمامنا الجليل " .. لقد جاءوا بها وقرأناها، إذ لم يكن فيها ما يخالف الشريعة".
وعلى كل فلم تستغرق الخطبة اليوم إلا حوالي تسع دقائق، بدل المعدل في جامعنا وهو خمس وعشرون دقيقة.
الصواب مع من يا تُرى؟ الوزارة التي لا تريد أن يتجاوزها الركب؟ أو مَن يعارضون إقحام المساجد في الحملات الإعلامية السياسية حفاظا على وحدة المصلين؟

الخميس، 17 يونيو 2010

نحن والتاريخ الهجري 3


لم يعرف الموريتانيون في حياتهم تاريخا غير القمري الهجري، فاعتمدوا عليه في مناحي أنشطهم المختلفة، حيث لم يحدثنا التاريخ عن تقويم آخر غيره، عُرف في هذه البلاد من قبل، ولا في البلاد الملاصقة، باستثناء التاريخ المسيحي الروماني في الشمال الإفريقي، والذي اختلط بعضه عند السكان  ببعض التقاويم الأمازيغية التي لم  تصل إلينا.
   وقد أعطى الموريتانيون للأشهر القمرية أسماء اجتهد  البعض في تقديم دلالات سائغة لها، نورد بعضها للقاضي مْحمد بن أحمد بن ودادي حيث يقول:
1 – عاشور (محرم) رأس السنة الهجرية، سموه بذلك لوقوع عاشوراء فيه، وهي مناسبة يُحيِيها المسلمون بالعبادة من صوم ونافلة وصدقة، لأن فيها انتصر سيدنا موسى عليه السلام على فرعون.
2 – التْبيع (صفر) فتحاشوا ذكره  باسمه، لتشاؤم العرب به، سمي صفراً لوباء اعترى الناس فيه فاصفرت ألوانهم, أو لأنهم كانوا فيه يغزون القبيلة فيتركونها صفراً من المتاع, وكان الناس يتشاءمون منه لأن الحروب التي توقفت في الأشهر الحرم تعود فيه فينتشر الخراب والدمار. فسموه التابع: لما قبله.
3 – المولود (ربيع الأول) سموه بذلك لمولد الرسول صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر منه.
4 – الابيظ الاول (ربيع الآخرة)
5 – الابيظ الثاني أو الوسطاني (جمادى الأولى)
6 – الابيظ الثالث أو التالي بمعنى الأخير (جمادى الآخرة) وقد سموها هذه الأشهر البيض الثلاثة، لخلوها من حدث بارز.
7 – اﻟﮕصير (القُصيّر) الأول (رجب).
8 – اﻟﮕصير (القُصيّر) الثاني (شعبان) وقد سميا بذلك لوقوعهما قبل شهر رمضان، الذي يحتاج صومه وقيامه إلى إرادة ولوازم مادية، لذلك سُميا القصيران، ترقبا لتلك المعركة مع النفس.
10 الفطر الأول (شوال) وسمي بذلك لوقوع عيد الفطر المبارك فيه.
11 – الفطر الثاني (ذي القعدة) وقد أُتبِع لصاحبه، لخلوه من حدث خاص مميز.
12 – العيد (ذو الحجة) وسمي بذلك لوقوع عيد الأضحى فيه. ولم يسموه الحج، باسم هذا الحدث الكبير، لصعوبة تأدية هذه الفريضة عليهم، لبعدهم عن الحرمين الشريفين.
وقد قرأت لمحمد بن عبد الله الحمدان في "المجلة العربية" السعودية (عدد384 بتاريخ محرم 1430هـ ـ يناير 2009) أن أهل نجد كانوا يطلقون على بعض الأشهر القمرية الأسماء التالية: محرم: العُمر، صفر: سِفر بسين مكسورة، شوال: الفطر الأول، ذي القعدة: الفطر الثاني، ذي الحجة: الضحية.  
وجاء في المقال أن لبعض الأعراب (البدو) أسماء لبعض الأشهر مثل: رجب: غَراء،  شعبان: قُصيّر بتشديد الياء، لأنمها ينقضيان بسرعة، فيأتيهم رمضان الذي لا يريدونه، وأن أعرابيا قيل له: لقد جاء رمضان، فأجاب لأُبدِّدنَّ شمله بالأسفار. 
تتواصل الأوراق بعد اﻟﮕيطنه بإذن الله

الاثنين، 14 يونيو 2010

نحن والتاريخ الهجري 2



تواجه موريتانيا اليوم تحديا حقيقيا باستلاب هويتها وطمس وجهها العربي المسلم، واقتلاع ثوابتها الحضارية من لغة وتاريخ وثقافة وفن، بفعل الهجمة المتواصلة لقوى الهيمنة الاستعمارية بفرض ثقافتها وحضارتها، دون مقاومة ولا حتى شعور بالخطر، بينما نندفع كلنا ـ إلا ما رحم ربك ـ نحو هاوية المسخ.
ومن الثوابت التي في طريقها إلى الاقتلاع من التدوين وحتى من الذاكرة تاريخنا الهجري الإسلامي، الذي ظل مرجع الشعب والقيادات التقليدية من قضاة وأمراء في تعاملهم اليومي ومرجعيتهم، واستمر ذلك أيام الاحتلال ـ مع إضافة التاريخ المسيحي المفروض. أما اليوم ونحن نعيش الذكرى الخمسين لنيل الاستقلال، فلم تعد لنا صلة بهذا التاريخ إلا ببدء سنته، أو بمناسبة صوم رمضان والحج وعيدي الفطر والأضحى، وهي حالة ترسخت في المدن ، وتنتقل كالنار في الهشيم إلى البقية الباقية من السكان في الريف.
وقد بلغ الأمر حد أن الكتب المنشورة ـ حتى من قبل من هم معروفون بتوجهاتهم الدينية ـ لا تحمل سوى التاريخ المسيحي، مثلها عناوين الندوات، كتلك التي أشرف عليها الشيخ يوسف القرضاوي أخيرا في قصر المؤتمرات، وهو ما لم يسترع أي انتباه.
أما في المكتبات التجارية فلا توجد رزنامة (تقويم) واحدة تحمل تاريخنا الهجري، كما لا تجده في الرزنامات المطبوعة بأناقة وباللغة الأجنبية دون حرف واحد باللغة العربية، التي توزعها الوزارات والبنوك والشركات الوطنية بمناسبة رأس السنة المسيحية، وكأنها صنعت من أجل الدعاية للتاريخ المسيحي، ولفرنسا والدول الغربية، حيث تزخر بمعلومات وافرة عنها كالجغرافية الطبيعية والأنهار والمدن، وشبكات الطرق والقطارات، وشركات التأمين والبنوك، بينما لا تحمل إلا النزر القليل عن الجهات التي طبعتها، ولا عن موريتانيا والعالم العربي وإفريقيا.
أما الدوائر الرسمية بما فيها القضاء وكذا القطاعات الخاصة فهي بعيدة عن التاريخ الهجري بعد السماء عن الأرض.
إننا لا ننكر ضرورة استعمال التاريخ المسيحي اليوم، لأنه أصبح ضرورة وجزءا من ثقافتنا، لكن علينا أن نضع معه التاريخ الهجري كما تفعل الدول العربية والإسلامية في الدواوين العامة والخاصة والمراسلات والكتب والمطبوعات، في حين ما يزال الهجري وحده المعتمد في بعض الدول كالسعودية. وقد سهّل عملية الازدواجية في التاريخ انتشار البرامج المعلوماتية التي لا تخلو أبدا من التاريخ الهجري.
إن وضعنا اليوم يتطلب وقفة جادة من الحكومة، المسؤولة عن مصير هذه البلاد، فعليها أن تنهي هذا الوضع الشاذ في معاملاتها الرسمية بإعادة إدخال التاريخ الهجري، وأن تقود الوزارات ـ وخاصة العدل والخارجية والداخلية والتعليم والثقافة والشؤون الإسلامية والإعلام والتلفزيون والإذاعة والجامعات والمعاهد ـ حملة توعية لموظفيها بهذا الشأن؛ وعلى الأحزاب والهيئات الوطنية والفاعلين الآخرين والنخب كافة، أن تتحمل مسؤوليتها، لتعود الأمور إلى نصابها.
والأمل معقود بصورة خاصة ـ للإسهام في عملية التوعية باستعمال التاريخ الهجري ـ على صحافتنا الوطنية العامة والخاصة، ضمن الرسالة التي تتحملها بكثير من الجد والمسؤولية، في توجيه الشعب والدفاع عن ثوابته الوطنية والدينية والحضارية. يتواصل


الجمعة، 11 يونيو 2010

نحن والتاريخ الهجري


اهتدى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام السابع عشر للهجرة إلى أن يجعل من هذا الحدث بداية تاريخ الدولة الإسلامية الوليدة.
   وكانت في هذا الاختيار ـ الذي أجمع عليه الصحابة بعد استشارتهم، ومن بعدهم الأمة ـ حكمة عظيمة، رغم وجود أحداث جليلة أخرى، كمولد الرسول عليه الصلاة والسلام أو بعثته أو نزول الوحي عليه. فالهجرة كانت الفتح الأكبر للإسلام كدين ورسالة سماوية، ثم إن القرار وضع أحد الأسس الراسخة للحضارة العربية الإسلامية، بعيدا عن التواريخ السائدة آنذاك لدى الفرس والبيزنطيين والهند والصين وجماعات اليهود، والتي أساسها جميعا ديني.
   وبذلك توحد المسلمون من عرب وعجم، وتحرروا من المرجعية الدينية الأجنبية، قبل أن يحرروا أوطانهم من الاحتلال في الجزيرة العربية والعراق والشام ومصر وشمال إفريقيا؛ وأصبحت دولتهم الأقوى إلى جانب بيزنطة ـ بعد إسلام فارس وسقوط السلالة الساسانية ـ تقود العالم إلى النور والنمو، في ظل العدل والمساواة
والاستقرار.
   وقد اعتمدت هذه الأمة في مواجهتها مع أعدائها على ثقتها في النفس وأنها صاحبة رسالة كونية، فامتلكت أسرار تفوق أعدائها، وطبقتها في انتصاراتها العسكرية وفي إدارتها واقتصادها؛ مما حولها إلى إحدى أعظم الحضارات في التاريخ.
ورغم عصور الانحطاط، ظلت الأمة محافظة على مقوماتها الأساسية من ثوابت دينية وخصوصيات حضارية، إلى أن تكالبت عليها الأمم الأوروبية في القرون الثلاثة الأخيرة، فاحتلت الأوطان وأثّرت على قلوب نفر من أبنائها وعقولهم؛ ومنهم خديوي مصر إسماعيل باشا الذي قرر ـ لأول مرة في بلد عربي مسلم ـ اعتماد التاريخ المسيحي الغربي، إلى جانب التاريخ الهجري، وذلك في أول شتمبر سنة 1875، واقتفت أثره فئات من النخب الحاكمة والتابعة لها بنشر هذا التاريخ ومحاولة ترسيخه، خاصة في البلاد التي كانت خاضعة للاحتلال الفرنسي، الذي يعتبر محو هوية الشعوب مطيته لنهب مواردها ، واستمرار الهيمنة عليها، حتى بعد الاستقلال. يتواصل