الخميس، 17 يونيو 2010

نحن والتاريخ الهجري 3


لم يعرف الموريتانيون في حياتهم تاريخا غير القمري الهجري، فاعتمدوا عليه في مناحي أنشطهم المختلفة، حيث لم يحدثنا التاريخ عن تقويم آخر غيره، عُرف في هذه البلاد من قبل، ولا في البلاد الملاصقة، باستثناء التاريخ المسيحي الروماني في الشمال الإفريقي، والذي اختلط بعضه عند السكان  ببعض التقاويم الأمازيغية التي لم  تصل إلينا.
   وقد أعطى الموريتانيون للأشهر القمرية أسماء اجتهد  البعض في تقديم دلالات سائغة لها، نورد بعضها للقاضي مْحمد بن أحمد بن ودادي حيث يقول:
1 – عاشور (محرم) رأس السنة الهجرية، سموه بذلك لوقوع عاشوراء فيه، وهي مناسبة يُحيِيها المسلمون بالعبادة من صوم ونافلة وصدقة، لأن فيها انتصر سيدنا موسى عليه السلام على فرعون.
2 – التْبيع (صفر) فتحاشوا ذكره  باسمه، لتشاؤم العرب به، سمي صفراً لوباء اعترى الناس فيه فاصفرت ألوانهم, أو لأنهم كانوا فيه يغزون القبيلة فيتركونها صفراً من المتاع, وكان الناس يتشاءمون منه لأن الحروب التي توقفت في الأشهر الحرم تعود فيه فينتشر الخراب والدمار. فسموه التابع: لما قبله.
3 – المولود (ربيع الأول) سموه بذلك لمولد الرسول صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر منه.
4 – الابيظ الاول (ربيع الآخرة)
5 – الابيظ الثاني أو الوسطاني (جمادى الأولى)
6 – الابيظ الثالث أو التالي بمعنى الأخير (جمادى الآخرة) وقد سموها هذه الأشهر البيض الثلاثة، لخلوها من حدث بارز.
7 – اﻟﮕصير (القُصيّر) الأول (رجب).
8 – اﻟﮕصير (القُصيّر) الثاني (شعبان) وقد سميا بذلك لوقوعهما قبل شهر رمضان، الذي يحتاج صومه وقيامه إلى إرادة ولوازم مادية، لذلك سُميا القصيران، ترقبا لتلك المعركة مع النفس.
10 الفطر الأول (شوال) وسمي بذلك لوقوع عيد الفطر المبارك فيه.
11 – الفطر الثاني (ذي القعدة) وقد أُتبِع لصاحبه، لخلوه من حدث خاص مميز.
12 – العيد (ذو الحجة) وسمي بذلك لوقوع عيد الأضحى فيه. ولم يسموه الحج، باسم هذا الحدث الكبير، لصعوبة تأدية هذه الفريضة عليهم، لبعدهم عن الحرمين الشريفين.
وقد قرأت لمحمد بن عبد الله الحمدان في "المجلة العربية" السعودية (عدد384 بتاريخ محرم 1430هـ ـ يناير 2009) أن أهل نجد كانوا يطلقون على بعض الأشهر القمرية الأسماء التالية: محرم: العُمر، صفر: سِفر بسين مكسورة، شوال: الفطر الأول، ذي القعدة: الفطر الثاني، ذي الحجة: الضحية.  
وجاء في المقال أن لبعض الأعراب (البدو) أسماء لبعض الأشهر مثل: رجب: غَراء،  شعبان: قُصيّر بتشديد الياء، لأنمها ينقضيان بسرعة، فيأتيهم رمضان الذي لا يريدونه، وأن أعرابيا قيل له: لقد جاء رمضان، فأجاب لأُبدِّدنَّ شمله بالأسفار. 
تتواصل الأوراق بعد اﻟﮕيطنه بإذن الله

الاثنين، 14 يونيو 2010

نحن والتاريخ الهجري 2



تواجه موريتانيا اليوم تحديا حقيقيا باستلاب هويتها وطمس وجهها العربي المسلم، واقتلاع ثوابتها الحضارية من لغة وتاريخ وثقافة وفن، بفعل الهجمة المتواصلة لقوى الهيمنة الاستعمارية بفرض ثقافتها وحضارتها، دون مقاومة ولا حتى شعور بالخطر، بينما نندفع كلنا ـ إلا ما رحم ربك ـ نحو هاوية المسخ.
ومن الثوابت التي في طريقها إلى الاقتلاع من التدوين وحتى من الذاكرة تاريخنا الهجري الإسلامي، الذي ظل مرجع الشعب والقيادات التقليدية من قضاة وأمراء في تعاملهم اليومي ومرجعيتهم، واستمر ذلك أيام الاحتلال ـ مع إضافة التاريخ المسيحي المفروض. أما اليوم ونحن نعيش الذكرى الخمسين لنيل الاستقلال، فلم تعد لنا صلة بهذا التاريخ إلا ببدء سنته، أو بمناسبة صوم رمضان والحج وعيدي الفطر والأضحى، وهي حالة ترسخت في المدن ، وتنتقل كالنار في الهشيم إلى البقية الباقية من السكان في الريف.
وقد بلغ الأمر حد أن الكتب المنشورة ـ حتى من قبل من هم معروفون بتوجهاتهم الدينية ـ لا تحمل سوى التاريخ المسيحي، مثلها عناوين الندوات، كتلك التي أشرف عليها الشيخ يوسف القرضاوي أخيرا في قصر المؤتمرات، وهو ما لم يسترع أي انتباه.
أما في المكتبات التجارية فلا توجد رزنامة (تقويم) واحدة تحمل تاريخنا الهجري، كما لا تجده في الرزنامات المطبوعة بأناقة وباللغة الأجنبية دون حرف واحد باللغة العربية، التي توزعها الوزارات والبنوك والشركات الوطنية بمناسبة رأس السنة المسيحية، وكأنها صنعت من أجل الدعاية للتاريخ المسيحي، ولفرنسا والدول الغربية، حيث تزخر بمعلومات وافرة عنها كالجغرافية الطبيعية والأنهار والمدن، وشبكات الطرق والقطارات، وشركات التأمين والبنوك، بينما لا تحمل إلا النزر القليل عن الجهات التي طبعتها، ولا عن موريتانيا والعالم العربي وإفريقيا.
أما الدوائر الرسمية بما فيها القضاء وكذا القطاعات الخاصة فهي بعيدة عن التاريخ الهجري بعد السماء عن الأرض.
إننا لا ننكر ضرورة استعمال التاريخ المسيحي اليوم، لأنه أصبح ضرورة وجزءا من ثقافتنا، لكن علينا أن نضع معه التاريخ الهجري كما تفعل الدول العربية والإسلامية في الدواوين العامة والخاصة والمراسلات والكتب والمطبوعات، في حين ما يزال الهجري وحده المعتمد في بعض الدول كالسعودية. وقد سهّل عملية الازدواجية في التاريخ انتشار البرامج المعلوماتية التي لا تخلو أبدا من التاريخ الهجري.
إن وضعنا اليوم يتطلب وقفة جادة من الحكومة، المسؤولة عن مصير هذه البلاد، فعليها أن تنهي هذا الوضع الشاذ في معاملاتها الرسمية بإعادة إدخال التاريخ الهجري، وأن تقود الوزارات ـ وخاصة العدل والخارجية والداخلية والتعليم والثقافة والشؤون الإسلامية والإعلام والتلفزيون والإذاعة والجامعات والمعاهد ـ حملة توعية لموظفيها بهذا الشأن؛ وعلى الأحزاب والهيئات الوطنية والفاعلين الآخرين والنخب كافة، أن تتحمل مسؤوليتها، لتعود الأمور إلى نصابها.
والأمل معقود بصورة خاصة ـ للإسهام في عملية التوعية باستعمال التاريخ الهجري ـ على صحافتنا الوطنية العامة والخاصة، ضمن الرسالة التي تتحملها بكثير من الجد والمسؤولية، في توجيه الشعب والدفاع عن ثوابته الوطنية والدينية والحضارية. يتواصل


الجمعة، 11 يونيو 2010

نحن والتاريخ الهجري


اهتدى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام السابع عشر للهجرة إلى أن يجعل من هذا الحدث بداية تاريخ الدولة الإسلامية الوليدة.
   وكانت في هذا الاختيار ـ الذي أجمع عليه الصحابة بعد استشارتهم، ومن بعدهم الأمة ـ حكمة عظيمة، رغم وجود أحداث جليلة أخرى، كمولد الرسول عليه الصلاة والسلام أو بعثته أو نزول الوحي عليه. فالهجرة كانت الفتح الأكبر للإسلام كدين ورسالة سماوية، ثم إن القرار وضع أحد الأسس الراسخة للحضارة العربية الإسلامية، بعيدا عن التواريخ السائدة آنذاك لدى الفرس والبيزنطيين والهند والصين وجماعات اليهود، والتي أساسها جميعا ديني.
   وبذلك توحد المسلمون من عرب وعجم، وتحرروا من المرجعية الدينية الأجنبية، قبل أن يحرروا أوطانهم من الاحتلال في الجزيرة العربية والعراق والشام ومصر وشمال إفريقيا؛ وأصبحت دولتهم الأقوى إلى جانب بيزنطة ـ بعد إسلام فارس وسقوط السلالة الساسانية ـ تقود العالم إلى النور والنمو، في ظل العدل والمساواة
والاستقرار.
   وقد اعتمدت هذه الأمة في مواجهتها مع أعدائها على ثقتها في النفس وأنها صاحبة رسالة كونية، فامتلكت أسرار تفوق أعدائها، وطبقتها في انتصاراتها العسكرية وفي إدارتها واقتصادها؛ مما حولها إلى إحدى أعظم الحضارات في التاريخ.
ورغم عصور الانحطاط، ظلت الأمة محافظة على مقوماتها الأساسية من ثوابت دينية وخصوصيات حضارية، إلى أن تكالبت عليها الأمم الأوروبية في القرون الثلاثة الأخيرة، فاحتلت الأوطان وأثّرت على قلوب نفر من أبنائها وعقولهم؛ ومنهم خديوي مصر إسماعيل باشا الذي قرر ـ لأول مرة في بلد عربي مسلم ـ اعتماد التاريخ المسيحي الغربي، إلى جانب التاريخ الهجري، وذلك في أول شتمبر سنة 1875، واقتفت أثره فئات من النخب الحاكمة والتابعة لها بنشر هذا التاريخ ومحاولة ترسيخه، خاصة في البلاد التي كانت خاضعة للاحتلال الفرنسي، الذي يعتبر محو هوية الشعوب مطيته لنهب مواردها ، واستمرار الهيمنة عليها، حتى بعد الاستقلال. يتواصل

السبت، 5 يونيو 2010

نواكشوط والإذاعة وخيي بابا شياخ / محمد محمود ودادي*



       كان ذلك في سنة 1962، وفي عاصمة موريتانيا نواكشوط، التي كانت عبارة عن قريتين، تدعيان: "العاصمة" و"القصر" يقطنهما أقل من ثلاثة آلاف نسمة، معظمهم موظفو وعمال الدولة الوليدة، حيث يوجد في الأولى مقر الحكومة، التي لم يكتمل بعد نقل إداراتها من مدينة اندرْ (سان لويس) السنغالية، ومساكن لرئيس الجمهورية والوزراء، الموزعين بين فلل صغيرة متواضعة، بنيت على عجل، وعمارات وشقق، في عشرة صفوف، للنواب والموظفين، حسب درجاتهم، مع حييْن مخصصين للحرس والعمال الصغار. والجميع قد بدأ بناؤه على تل رملي منذ وضع الحجر الأساسي سنة 1957.
  أما القرية الثانية، القصر" فقد أسسها الفرنسيون منذ سنة 1903، لتكون أحد مراكز انطلاق الوحدات العسكرية الأولى المكلفة باحتلال إينشيري والترارزة، ولكنها بقيت قرية صغيرة، لا يجذب إليها، إلا موقعها كمركز وحيد، يقع على الطريق الاستعماري رقم واحد (وهذا هو اسمه) الرابط بين اندر وأطار عبر روصو، لذلك لا يقطنها إلا بضعة عمال من الإدارة ومحطة شركة النقل البري الفرنسية "لاكومب" وبعض التجار الصغار الآدراريين، وعائلات قليلة من قبائل المنطقة الرحل.

السبت، 22 مايو 2010

القرضاوي في موريتانيا



هنيئا للموريتانيين باستقبالهم المنقطع النظير للعلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وهنيئا للعلامة الشيخ محمد الحسن بن الددو بدعوة هذا الطود الشامخ في وجه عوامل الانحطاط التي تنخر جسم الأمة، وهنيئا لهما معا بتنظيم لقاء ملعب نواكشوط لنصرة فلسطين والقدس الشريف، مسرى الرسول الكريم، وثالث الحرمين الشريفين.
لقد كان لي شرف حضور جزء من النشاط المكثف الذي انتظم لمدة يومين، خاطب فيه الضيف الكبير شرائح الشعب الموريتاني المختلفة، بما عبر عن غزارة علمه وبلاغة لسانه ووسطية فكره، وجرأته على قول الحق، ودعوة إلى الاجتهاد، ونبذ للانزلاق.
وكم كان مفخرة للحاضرين ما شهدته المناسبة من تنظيم محكم، على أيدي شابات وشباب مؤدبين صارمين، رغم هجمة آلاف المعجبين.
وكم سعدنا جميعا بتلك الأصوات الملائكية التي شنفت مسامعنا بتلاوات عطرة من آي الذكر الحكيم، لشباب في مقتبل العمر، يضاهون بحفظهم ورخامة حناجرهم كبار قراء المشرق والمغرب، كمحمد المصطفى بن الشيباني بن محمد أحمد.
وكم سعدنا بتقديم د. الشاب محمد محمود بن أحمد الشيخ، الذي لم ينس في تنشيطه لحفل الافتتاح الاستشهاد بمقتطفات من قصيدة الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا: أدمعا تُبقيان بغرب عينِ وقد عاينتما دار الكنينِ
فالمقدِّم يدرك أن القرضاوي شاعر ومضيفه شاعر، وأن في القاعة جمهورا يتذوقن الشعر ويطرب له.
وليت مثل هذه اللوحة تتكرر في اجتماعاتنا الكثيرة الرتيبة.

الخميس، 13 مايو 2010

العلاقات بين البيظان والكور بقلم محمد محمود ودادي


* لا يستخدم عرب موريتانيا كلمة الزنوج لمواطنيهم في فوته وﮔـيديماغه وإنما يسمونهم "الكور" المفرد (كوري) التي تعني في المدلول الأصلي باللغة العربية تجمُّع القرى، تمييزا لهم عن البدو الرحل الذين هم البيظان. فاسم الزنوج بعيد عن العلاقات الحميمة التي تربط مكونات الشعب الموريتاني، وهي تسمية تُطلق على الأفارقة السود، من قبل سكان آسيا العربية، في الوقت الذي نحن جميعا أفارقة؛ ويسمي الكور بدورهم العرب بالبيظان (البيض).
* إن الإسلام قد وحد بين الطرفين منذ القدم، حتى أن رباط المرابطين كان في (سان لويس) أندر التي معناها بالصنهاجية والعربية "رِجْل البحر" أو "كراع البحر" وهو تعبير يُطلق على مصب النهر، الذي هو هنا نهر سنغال (صنهاجة). وكان جزء من جيش المرابطين (الموريتانيين الآن) الذي فتح الشمال الإفريقي ثم الأندلس من "الكور".
* لقد سمى آباء موريتانيا المؤسسون البلاد بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، تعبيرا عن القواسم المشتركة بين الطرفين، وهي: الإسلام، واسم موريتانيا التي تعني في اللغة اليونانية ثم اللاتينية بعدها "أرض الملونين".