الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

أوراق عن أژواد/ الحادية عشرة/ قبائل أژواد العربية

أبدى عدد من المتابعين الرغبة في معرفة تفاصيل عن قبائل أژواد، لذلك سنخصص هذه الحلقة لاتحاديتي البرابيش وكنته التيْن يتوزع بينهما عرب الإقليم.

أ - البرابش

كما أشرنا إليه في الحلقة الأولى من هذه السلسلة فإن أولى الهجرات العربية إلى أژواد كانت البرابيش في القرن 15م، حيث قدموا من تخوم المغرب الجنوبية والصحراء وشمال موريتانيا عن طريق آدرار وتگانت والظهر، وهم البرابيش المنحدرون من حمٌّ بن حسان، والرحامنة المنحدرون من عبد الرحمن بن حسان، أو من رزق بن حسان، ويشكل الفرعان العمود الفقري للاتحادية إلى جانب مجموعات وأسر من أصول شتى منها من ينتمي إلى عرب المعقل، نعبر عنهم بالأصليين، بينما ينحدر الباقون من أصول مختلفة تدل عليهم أسماؤهم، انضموا للاتحادية وأصبحوا جزءا منها إما كحلفاء أو أتباع.

التقسيم

أولا - أولاد سْليمان: مؤلفون من: أولاد سْليمان الأصليين (أهل رحال، أهل مرزوق بن الشيخ، أهل يوسف الكبار، أهل يوسف الصغار) أولاد سْعيد، النهارات، الرتيبات، أهل النفع، أهل منصور، أهل السلام عليكم.
2 - أولاد غيلان:
 أولاد غيلان الأصليون (أولاد أحمد ولد إبراهيم)، أولاد عبد الله ولد إبراهيم، أولاد بوخْصيب (أهل المجيد، الخميرات).
3 - أولاد إيعيش: أهل القوني، أهل حمّ، أهل الحسن.
4 -  أولاد إدريس: أهل مْبارك، أهل عْماره، أهل حموداد، أهل بله، أهل اعلي موسى، عْريب.
5 - أولاد غنام: أولاد معريك، أهل الحسين، أهل حماد، أهل حدي، أهل بجه، أهل بده.
6- أولاد عمران: أهل الهادي، أهل الكوري، المحافيظ.
7 – الگوانين الكحل: أهل بلال، أولاد محمد ولد سيدي احمد، ياداس
8 – الگوانين البيظ: أهل دخنان، أهل الراحل، أهل اميلاه، أهل بو ابْعير، أهل هيمه، أهل اعلي ولد ماما، أهل عمر، أهل أحمدو.
9 – رگان: ياداس، الزريبة، أهل بكار.
10 – السكاكنة: أهل بوصْبيع، أهل الكنيبي، أهل كيجاجا.
11 – أهل أروان: بني سيدي احمد بن صالح (سكان القصر) بني احمد بن أيَر، الحيسة، أولاد بوهدة، النواجي، الوسرة، تجكانت وهؤلاء كانوا من سكان بوجبيهه.
12 – أهل بو جْبيهه
وكان أول مقر حضري لهم أروان حيث أقام به الجد المشترك للعديد من أسرهم: أبو مخلوف ذو الصيت الشائع في القيادة والتدبير والاستقامة ليرتبط بشيخ أروان المعروف الشيخ سيدي محمد آغ آدّه. وظلت سيطرة البرابيش قائمة على القرية حتى بعد وصول الفرنسيين، حيث  زارها كبولاني قادما من تنبكتو تمهيدا لمشروع إقامة مستعمرة "تْراب البيظان" لكن محمد بن مْهمد رئيس البرابيش رفض دخوله الدشرة فعاد خالي الوفاض إلى تنبكتو. 
وأرض نجعة البرابيش واسعة تشمل الشمال الغربي لأژواد من أروان حتى تنبكتو، وغربا حتى العكلة، وجنوبا إلى منطقة الأبيار ورأس الماء أحيانا. وبشكل عام يستخدمون آبار انغارن وإنبلاشا وتنغ الحي وإمراتن وتينتاكونت والحجيو ويشتركون فيها مع قبائل أخرى، أما الگوانين منهم فينتجعون عادة قرب تنبكتو.

ب - كنتة 

أشرنا في الحلقة الأولى إلى أن الهجرة الكنتية إلى أژواد كانت سنة 1130هـ 1717م انطلاقا من الساقية الحمراء، عبر تْوات والحنك وأرڴشاش.
التقسيمات
أولا – كنتة الصحراويون:
تنقسم كنتة الضفة اليسرى (لنهر النيجر) أو كنته الصحراويون (أژواد وآدرار إيفوقاس وتيمترين، إلخ) إلي أربعة أفخاذ كبرى هي الرگاگده وأولاد سيدي المختار والهمال وأولاد الوافي؛ وتتداخل مناطق نجعة هذه الأفخاذ الأربعة بصورة حميمة، كما أن معظم الآبار هي آبار عامة لهم. ويبلغ عمق الآبار عموما بين 50 و90 مترا وتحتوي غالبا على مياه غزيرة، وتكون المراعي بعلية جافة ووفيرة.
أ– الرگاگده : ينقسمون إلي ثمانية أفخاذ فرعية أصلية، يتبع كل واحد منها مخيمات تابعة سواء عربية أو طوارق (إيمغاد) وحتى من إيفلان، ويعرفون أيضا بالتلاميد.
والأفخاذ الفرعية الأصلية هي وحدها التي تعد من أصل كنتي، ويتألفون من حيث المبدأ من ذراري محمد الرقاد، الجد الجامع، المنحدر من سيد أعمر الشيخ بن الشيخ سيدي أحمد البكاي دفين ولاته (920 ه-1514 - 15م) بن سيد مْحمد الكنتي الكبير (القرن 8 هـ 14م) دفين فصك في تازيازت بن سيدي عْلي دفين تْوات في الجزائر، والأفخاذ هي:
  1 -  أهل سيدي الصديق    ( أصليون) 15 خيمة
      أهل عبد المؤمن20 خيمة
      تركزْ 10 خيام
      أولاد عمران 20 خيمة
      أهل لعليبات 14 خيمة
      أولاد البكاي 08 خيام
      أهل النهارات     06 خيام
2 – أهل سيدي علي بن أحمد ( أصليون) 14 خيمة
      الأمهار 16 خيمة
      أهل اگليله 10 خيام
      أهل آمينوكه 07 خيام
 3 - أهل سيدي بن 25  خيمة
      أهل بوزكري     14 خيمة
       أهل كومة 04 خيام
      أهل الطالب الأكحل 08 خيام
4 – أهل سيدي الشيخ ( أصليون) 10 خيام
      أهل خطري 18 خيمة
      أهل عبد الله 06 خيام
5 – أهل سيدي يحيى ( أصليون)20 خيمة
      أهل بيكن 06 خيام
6 - أهل سيدي المصطفى ( أصليون) 04 خيام
     أهل عُمر 07 خيام
7 – أهل الفيرم (أصليون) 05 خيام
8 – أهل لحبار ( أصليون) 07 خيام
وينتجعون إجمالا بين أروان إلى توزاي، ولهم مركز على مسافة 250 كلم شمال شرق تمبكتو، وبه آبار غزيرة المياه.
ثانيا – أولاد سيدي المختار

 ينقسمون إلي الأفخاذ الثانوية التالية:
1– أهل سيدي بادي (حمادي) 45 خيمة
2 – أهل سيدي بو هادي     11 خيمة
3 – أهل سيدي مينه ( سيدي عبدي) أصليون 16 خيمة
4 – أهل حمو صالح 20 خيمة
5 – أولاد زيد 13 خيمة
6 –لمازيّل 10 خيام
7 – أهل الطالب محجوب  وهم تلاميذ    10 خيام
وكانوا في الأصل تابعين لإلمدن، لكنهم يتحدثون تماشغ

ثالثا – الهمال
ينقسمون إلي الأفخاذ التالية:
1 – أهل علواته (بكل) 10 خيمة
2 – أهل سيدي موسى أصليون    15 خيمة
- التوابير 20 خيمة
أهل شيخنا 10 خيمة
النورات 10 خيمة
النهرات 07 خيمة
رابعا– أولاد الوافي
يؤلف أولاد الوافي حاليا أكثر أفخاذ كنتة عددا، أي حوالي 648 خيمة. وينقسمون إلي عشرة أفخاذ، ويطلق على الثمانية الأولى اسم أهل الشيخ ويؤلفون أول مجموعة، ويتألف التاسع من أهل محمد ول احمد، ويشكلون مجموعة ثانية، وفيما عدا هاتين المجموعتين، اللتين تؤلفان نوعا من مجموعة ثانية، هناك الفخذ العاشر، وهم أولاد ملوك، وهم حلفاء قدماء، منحتهم السلطة الفرنسية استقلالا كاملا.
التقسيمات
1 – أهل بادي ( أصليون) 05 خيام 
      الأمهار 25 خيمة
      مشظوف 25 خيمة
      لادم 07 خيام
      الطرشان07 خيام
      دورق 15 خيمة
      تاگاط 05 خيام
      تدابوكه     20 خيمة
      بْدوكن 17 خيمة
      أولاد بن عمار 14 خيمة
      إيفلان 10 خيمة
وينتجعون في عين أوكر وكرشول واتناسيت ويصلون ضفاف النهر.
2 – أهل عابدين ( أصليون) 05 خيام
     الأمهار 15 خيمة
     لادم 10 خيام
     لعريم وياداس والزخيمات والتوابير 25 خيمة
وينتجعون في كرشول وتاسيت وأغاروش وآمراس واسكنت وتابنويت وتيلمسي.
3 – أهل الشيخ سيدي البكاي ( أصليون) 04 خيام
      أهل التمري 25 خيمة
      ياداس 10 خيام
      أهل الأزرق 07 خيام
      أهل الفلاني 07 خيام
وينتجعون في كرشول واتناسيت وتاركنت وآمغاز وﻤﭽاگلت ومرزفال وأفايس.
4 – أهل بابا ولد سيدي بابا أحمد (أصليون في البدء) 25 خيمة
      أولاد زين العابدين ( أصليون في البدء) 15 خيمة
      أهل سيدي بادي ( أصليون) 10 خيام
      لادم 20 خيمة
      أوريلة ايمانيس20 خيمة
وينتجعون في وادي اكرر، وأصكان وتبنكورت.
5 – أهل باي ( أصليون)     20 خيمة
      إيفلان 36 خيمة
      لادم 05 خيام
      التلاميد     15 خيمة
وقد غادرهم إلى كنتة النيجر بسب الاحتلال أهل علوه (4 خيام) وأهل الركوه (6  خيام) وأهل بركه خيمتان وأهل عابدين آغ طالبي خيمة واحدة، أولاد سيدي أحمد (3 خيام) أهل الطالب عْلي (4 خيام). ويقصدون في نجعاتهم آدرار ايفوقاس ولا سيما تكلوت.
6 – أهل بابا ولد الشيخ سيدي محمد (أصليون) 05 خيام
      ترمز      (أصليون)45 خيمة
      النهرات (أصليون) 15 خيمة
      الحبوس (أصليون)20 خيمة
7 – أهل سيدي الأمين (أصليون) 03 خيام
      إيفلان 03 خيام
وينتجعون في تفاريست.
8 – أهل الشيخ سيدي أعمر  06 خيام
      تجكانت 10 خيام
     أهل توات 15 خيمة
     أولاد سْعيد 10 خيام
     دورق06 خيام
     أهل العطاري 06 خيام
     حرطان (حدادون)04 خيام
ينتجعون من غاروس إلى اسلاگ، ويقصدون في كثير من الأحيان آدرار إيفوقاس حيث يملكون أراض رعوية خاصة بهم.
9 – أهل محمد احمد ( أصليون) 20 خيمة
      أهل سيدي عبد الرحمن ( أصليون) 20 خيمة
ويدعى هذا الفخذ الفرعي أحيانا أولاد سيدي الوافي الأصليين، وينتجعون في اتناسيت وفي تفليست.
10 – أولاد ملّوك ( أصليون)  20 خيمة
        أولاد عمر  ( أصليون) 20 خيمة
        أولاد حديك  ( أصليون) 10 خيام
        أهل القبلة ( أصليون) 25 خيمة
ويوجد في إقليم دنك (النيجر) أكثر من ألف خيمة كنتية متمردة على الاحتلال، وينقسمون إلى مجموعتين حسب الأصل:
1-    فخذان رئيسيان: كانوا حلفاء سابقين لأهل بادي، الذين ردوا عليهم استقلالهم، وقد ذهبوا نحو الشرق في عام 1890 في فترة الحروب بين كنته وإيلمدن، وهم درمشاكة الذين يضمون حوالي 400 خيمة وياداس الذين يؤلفون 200 خيمة، وحدد الفرنسيون في القرن الماضي إقامتهم في طاوه .
2-    أربعة أفخاذ كبرى، واثنان صغيران:
الاتواج، (300) خيمة، ويتألفون من- مجموعة أولى 30 خيمة
2- مجموعة ثانية 40 خيمة
3- مجموعة ثالثة 20 خيمة
     وكانوا ينتجعون في أطلگ، وفي عين إيتيسان وآدرار.
-    تاگاط وهم إجمالا 90 خيمة، وينتجعون في آدرار إيفوقاس.
خامسا: الطرشان ثمانون خيمة.
وتضم كنتة الصحراء 2229 خيمة وعشرة آلاف نسمة (1915)
ثانيا – كنتة گورمة ويدعون أيضا كنتة أريبنده (الضفة اليمنى للنهر) فهم أقل عددا بكثير من أبناء عمومتهم الشماليين. وبما أنهم يعيشون في وسط أقوام زنوج ويختلطون بهم عن طريق زيجات عديدة، فيظهرون شديدي التهجين. وهم ينتجعون في بحيرات العقفه: كورسي، گادو، دو، نيانگاي، هاريبنگو. ويزرعون في حقول يملكونها الأرز والدخن ولهم سبع قرى على ضفتي بحيرتي گارو وهاريبنگو.
وينقسمون إلي مجموعتين:
أهل بادي: ومعهم زوايا وأتباع أو إيمغاد. والأفخاذ هي شريفن (كل السوق) ايمورامن، أهل كاهيدي (برابيش) إيدنان، الحراطين الحمر، ايكايماداين، ايكورشاتن.
أهل سيدي علواتة
أهل سيدي علواتة الأصليون، أولاد ملّوك حراطين أولاد ملوك، ايدوفان (بيلّة: طوارق) ايبغاف بغافن المستقلون. وتضم كنتة گرمه ألفي نسمة من ثلاثة آلاف (1915).
ج - قبائل لم ترد أسماؤها في المراجع المذكورة

توجد بأژواد داخل الاتحاديتين الكبيرتين(البرابيش وكنته) وخارجهما خاصة في المراكز الحضرية، خيام وأسر من قبائل موريتانيا مثل:  تكنه، تركز، حم صالح، أولاد الملات (أولاد دْليم) المصادفه، الرگيبات، تنواجيو، آمگاريج، أولاد سالم، أولاد عمني، الگواليل (تجكانت)الرماظين (تجكانت) إدگجملّه، أهل بوردّه، ادگاربن، أهل السيد (أولاد بالسبع) إدوعلي، أهل باريك الله، لمرادين، اتمدك، أهل الطالب مختار، إديبوسات.









السبت، 6 أكتوبر 2012

أوراق عن أژواد/ العاشرة/ خطر الانزلاق والفشل

رحب شعب أژواد في غالبيته الساحقة بتحرير إقليمه، واستبشر خيرا رغم ما عاناه جراء الاقتتال بين الثوار والجيش، الذي دفع فيه أثمانا باهظة، على رأسها النزوح الداخلي واللجوء إلى الدول المجاورة.
  وكان على القادة الجدد أن يتصرفوا كأبناء بررة لشعب مقهور ومشتت، لا بد من لمّ شمله وتضميد جراحه، وطمأنته على حاضره، وأن يسهروا على صون وحدته، وكسب ثقته، ويزنوا ما حملوه على عواتقهم من مسؤوليات جسام أمام الله والشعب والتاريخ والجيران  والعالم، حتى يثبتوا جدارتهم بما حققوا من انتصار.
ومن الغريب أن الثوار لم يضعوا في الحسبان ما بعد التحرير، إذ لم نر خططا جاهزة للسيطرة الفعلية على الأرض، وضمان استمرار المؤسسات الرسمية القائمة – على علاّتها – من إدارة ومصالح خدمية من طب وتعليم وزراعة ... وشرطة، لأن حياة الناس مرتبطة بها، وهي وسيلة الحاكم لضبط الأمور وصيانة الحقوق وبسط العدل والإنصاف، ثم العمل على إرجاع النازحين واللاجئين إلى أوطانهم، وطمأنة الجيران، وخلق جو من الثقة معهم سعيا وراء بسط السلم والأمن والاستقرار في المنطقة، والتعاون مع المنظمات الإنسانية والإغاثية، مما سيعتبر رسالة طمأنة إلى العالم، وبالتالي إزالة مسوغات العودة إلى الأوضاع السابقة، ونزع فتيل التدخل الخارجي.
لقد خاب أمل الكثيرين من أبناء أزواد والمتعاطفين مع قضيته ممن كانوا ينتظرون السير في هذا المسلك، رغم تفهم طبيعة تكوين الحركات الأژوادية والظروف التي انطلقت فيها للإجهاز على الجيش المالي، وكذلك الوضع داخل الإقليم، وعلى الخصوص إرث العقدين الأخيرين من الفوضى والتخريب. نعم ضاعت فرصة ثمينة خلال الأشهر الستة الماضية، وزاد الوضع تعقيدا. فقد ظهر إلى العلن الخلاف بين الحركتين الرئيسيتيْن التيْن قادتا الحرب وحققتا الانتصار: الحركة الوطنية لتحرير أزواد وأنصار الدين، بمآزرة بعض كتائب القاعدة في الغرب الإسلامي .
ولولا أن قادة الحركتين ينتمون إلى المجموعة التي ظلت رأس حربة النضال منذ الستينات: إفوقاس، بل يرتبطون بعلاقات قرابة مباشرة وتجمعهم المصاهرة لكانت عواقب الاختلاف مأساوية؛ وقد أُعجب المراقبون بأنهم وضعوا جانبا - منذ الوهلة الأولى - الاختلاف الإيديولوجي: العمانية والسلفية، وحافظوا على التشاور والتواصل الأُسري، واضعين نصب أعينهم قضية تحرير الإقليم. غير أن الصائدين في المياه الآسنة نجحوا في تعطيل سلاح أحد أجنحة النضال (حركة تحرير أزواد) بجرها إلى الدخول في مواجهة دامية مع مجموعة سلفية منشقة عن أحد فروع القاعدة في المغرب الإسلامي منذ العام الماضي (حركة التوحيد والجهاد) المكونة أساسا من عرب أزواد وموريتانيا وبعض أبناء دول الكور المجاورة، ومن بين قادها من هم متهمون بالضلوع في الاتجار بالمخدرات.
وحسنا فعل زعيم حركة أنصار الدين إياد آك غالي في البداية بنأيه عن هذا الصراع رغم أنه يقدّم كحليف لبعض الحركات الأصولية المسلحة، وفي الآن نفسه يعد أبرز قائد في إيفوقاس الذين يتزعمون - اليوم كما الأمس - قيادة الكفاح المسلح ضد حكومة بماكو، والذين إليهم تنتمي غالبية كوادر حركة تحرير أزواد أيضا.  وهذا التبصر قد يجعله الرابح من العملية بحيث استوعب دون عناء جميعَ مقاتلي الحركة التي فقدت قيادتها، فأضحت مجموعته الأقوى والأكثر تأثيرا في الإقليم، والأوفر صدقية لدى السكان بحيث أصبح أهم شخص يعول عليه لإيجاد حلول للأزمة عبر المفاوضات.
وقد لوحظ أنه بقي على مسافة من حركة التوحيد التي يصفها البعض بالجسم الغريب لا تهمها تطلعات السكان وهمومهم، خاصة أن غالبية الوسط الذي تتحرك فيه مؤلف من السونغي والفلان وغيرهم من السكان الكور في گاوو وادوينزا وبقية مراكز الضفة، فبدل الرحمة بالناس ومواكبتهم في حل مشاكلهم، وتقديم بديل أفضل عن السلطات السابقة، ساهمت في خلق فراغ في السلطة والأمن بعد تدمير الإدارة والمرافق الخدمية، وُأخذ عليها العديد من التصرفات غير المقبولة، كمضايقة الناس في حياتهم اليومية بل استعمال العنف غير المبرر. كل ذلك عزز الشكوك المثار حول دوافعها الحقيقية من وراء تنصيب نفسها "إمارة إسلامية" قيّمة على الدين الإسلامي وشريعته السمحة، مما دفع أعداءها إلى تحمليها مسؤولية تشويه صورة الأزواديين وحركاتهم الوطنية، في الوقت الذي هم في أمس الحاجة إلى تحسينها ليقبلهم العالم ويتفهم قضيتهم، ويساعدهم في توفير الطعام والماء والدواء للسكان. فبدل ذلك اندفعوا في خلق عداوات داخلية لا سبب لها و لا طائل من ورائها، ونجحوا في إثارة الكراهية والنفور منهم، عندما توجوا تصرفاتهم  بحملة تهديم أضرحة العلماء والصالحين اتسعت الهوة بينهم أيضا مع العالم الخارجي؛ الذي لم يتفادوا استثارته وخاصة الجيران مثل الجزائر.
وكما مر بنا في الحلقة الماضية فإن محللي مؤسسة كارنيغي يرون أن دوافع نفسية واجتماعية - من باب العلاقات الاجتماعية والتراتبية داخل النسيج الاجتماعي - من أسباب اندفاع أفراد في هذه الجماعة في نهجهم المتشدد ضد بعض المكونات الأخرى في المجتمع ورموزه الدينية، ذاكرين بالاسم الأمهار مع كنته وإيمغاد مع إيفوقاس؛ حيث يسعى هؤلاء الأفراد إلى الانتقام ممن يصورونهم المسؤولين عن "الغبن" الذي كانوا يعيشونه ضمن مجموعات قبلية، غير مدركين لقانون التشكل والانشطار، خاصة في المجتمعات الطارقية والعربية سواء في أزواد أو موريتانيا أو غيرهما. فالقبائل مهما كبرت تبدأ برجل يؤلف مع أسرته النواة الأولى، ثم يجتمع أناس من مجموعات أخرى حولهم، لحاجتهم إلى الحماية في ظل زعامة دينية أو نفوذ سياسي أو هما معا، فتتوسع الدائرة حتى تصير قبيلة، مع تباين في درجة الانصهار الداخلي بين قبيلة وأخرى.
وكما أشارت إليه الدراسة فقد وقعت إشكالات بين أفراد من إيمغاد وقبائل طارقية ذات شوكة، تجلت في بعض المواجهات، ووقع الشيء نفسه بين أفراد ينتمون إلى بعض أسر الأمهار وآخرين من أفخاذ إخوتهم في عشائر كنته الأخرى، بلغت حد الاقتتال بالسلاح، واستخدم فيها "المتظلمون" آنذاك شعارات تطالب "بالمساواة وانتهاء الهيمنة" لكن الأمر انتهى بالصلح، وتبين أن للحكومة ضلعا فيه. والواقع أن الأمهار - حاضرا وماضيا – هم أرومة عربية أصيلة، تحالفوا مع كنته واندمجوا فيها كعشرات الأفخاذ وآلاف الأفراد الوافدين، منذ عهود طويلة في موريتانيا وما يزالون كذلك، ومَنْ هم في أزواد يعيشون في تناغم كامل داخل عشائر كنته المختلفة، رغم ظهور إشكالات بين الأفراد بين الحين والآخر .
وفي زمن الشيخ سيدي المختار الكبير وقع خلاف بين الأمهار وأحمد بن محم بن بابا بوسيف رئيس أولاد بوسيف العام ، مما جعلهم ينضمون إلى مجموعات قبلية أخرى، فطلب أحمد من الشيخ التدخل، فأصلح ذات بينهم؛ بعد أن أعرب الأمهار عن استيائهم من الرئيس العام قائلين: إنه لا يعدّنا أحياء بل موتى، لا يستشيرنا في أمر ولا يدعونا إلى نائبة.. إلى آخر ما اعتذروا به، فلما قدم بهم الشيخ على أحمد قال له في استشارتهم وعرْض الأمور على رؤسائهم ما لفظه: الفردية لا تصح إلا للفرد الأحد، فأيُّّ قوم كنت فيهم، عَلوْا أو سفلوا، عقلوا أو جهلوا، اتخذ منهم رؤساء تستعين بهم على أمورك، وتأخذ بهم على مَن سواهم من سفهائهم، وربما أشار عليك منهم مشير برأي غاب عنك أو يطلعك على أمر خفي عليك، وأنشد قول الشاعر:
وأنزلي طولُ النوى دارَ غُربة    إذا شئتُ لاقيتُ امرُؤا لا أشاكله
فحامقْته حتى يقال ســـــجية        ولو كان ذا عقل لكنت أُعـــاقله
 وقد أنصفهم الشيخ أيما إنصاف في بقية هذه القصة التي أوردها الشيخ سيدي محمد في كتابه الطرائف والتلائد. يتواصل 

الأحد، 30 سبتمبر 2012

أوراق / التاسعة/ الانتصار العسكري والتركة الثقيلة


من نتائج سقوط النظام الليبي - التي فاجأت الجيران ودول حلف شمال الأطلسي - خروج تشكيلات أژوادية مدججة بالسلاح من رحم القوات الليبية، وقطع آلاف الكيلومترات عبر النيجر وربما الجزائر، لتأخذ مواقعها نهارا جهارا في أرض أژواد، وتباشر استعداداتها الحربية أمام أعين القوات المالية المرابطة في قواعدها المختلفة، وتحتل بسرعة البرق كامل إقليم أژواد، وتنهي وجود الحكم المالي جيشا وإدارة.
ومن الواضح في هذه الملحمة إحكام الخطة التي وضعت لتحقيق أهدافها المصيرية، دون خسائر تذكر، بفضل الكفاءة العسكرية، وانضمام غالبية المقاتلين الأژواديين العاملين والمسرّحين والمنخرطين في الجيش المالي، واختيار الوقت الأنسب، حيث كان الجميع منشغلا بما يجري داخل دول الربيع العربي، دون أن يرفعوا البصر صوب حزامه الجنوبي، حتى يروا حراكا ربيعيا آخر على يد فصيل من هذا النسيج الاجتماعي والبيئي العربي الإفريقي الإسلامي، الذي عانى منذ القرن الثامن عشر الغزو الاستعماري الصليبي والذي استعبد السكان ونهب الخيرات، وحارب الدين واللغة، ومسخ الهوية وحطم أسس المجتمع الأهلي، قبل أن يضطر كارها - في أحيان كثيرة- إلى الانسحاب تحت ضربات المقاومة التي لم تتوقف وإن تعددت أشكالها، ويغادر - في أحيان أخرى - بترتيب مرتب، يضمن استمرار النهج على يد أنظمة حارسة لمخلفاته.
لقد كان من الجلي أن الحركات الأژوادية قد استوعبت دروس نضالها الطويل الذي شاب فيه الولدان، والنكسات التي تعرضوا لها، خاصة ثورة 1990 التي قادتها حركة تحرير أژواد بزعامة إياد آڴ غالي، قبل أن تتفرق إلى خمسة فصائل موزعة الولاء - الكلي أو الجزئي - بين الدول المجاورة (الجزائر، ليبيا، المغرب، بوركنا فاصو، موريتانيا) لتكون ثمرةُ التضحيات الجسيمة التي قدمها المقاتلون والشعب الأژوادي في الداخل وفي المهجر، رزم من الاتفاقيات والالتزامات، التي صدرت عن مؤتمرات جُند لها عشرات الدبلوماسيين، وأظلتها منظمة الأمم المتحدة، بمشاركة المنظمات الإقليمية، والدول المجاورة والمانحة. وكل ما تحقق تظاهرات دعائية فولكلورية، أهم مشاهدها حرق السلاح، ووعد بماكو بإقامة حكم أقل مركزية، والتزام  المانحين بتقديم مساعدات اقتصادية لتنمية الإقليم وفك عزلته وربطه بمسيرة التنمية في مالي، غير أن كل ما نُفذ إنشاء ولاية جديدة على الورق في كيدال، بدون موارد ولا تجهيز، وضمِّ مجموعة من المقاتلين إلى الجيش المالي، واكتتاب بعض صغار وكلاء الإدارة، بينما استحوذت الحكومة المركزية على المساعدات المقدمة من المانحين، واكتتاب الأمم المتحدة بعض زعماء الجبهات المقاتلة. لذلك لم يكن أمام زعماء الحركات الأژوادية بعد عقدين من اتفاقيات تمنغاست ومماطلة الحكومة سوى الدخول في هذه المغامرة الكبيرة ورفع سقف مطالبهم هذه المرة إلى أقصاه، وهو الاستقلال (حركة تحرير أژواد) أو تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي كلها (أنصار الدين).
وكان من المنطقي – لو في مالي حكومة مسؤولة – أن تُقر بالأمر الواقع وتتعامل مع الوضع الجديد بحكمة وصدق في النيات، وتبدأ مفاوضات فورية بعد أن أعلن الطرف الثاني استعداده لها، لكن عادة السلطة المالية التعنت والاعتماد على العنف، وهو ما تغلب هذه المرة أيضا. في هذا الوقت دخلت على الخط فرنسا، الوصي المعتمد على مستعمراتها السابقة، فشجعت انقلابا عسكريا على الرئيس المنتهية ولايته، ودخلت في اتصالات علنية مع حركة تحرير أژواد، موحية بأنها خاضعة لها، عندما تدخلت بقوة لمنع تنفيذ اتفاق بين الحركة وأنصار الدين ينص على أن الدولة الجديدة ستطبق الشريعة الإسلامية.  وبذلك دقت إسفينا بين الحركتين، مما عجل بإبعاد حركة تحرير أژواد عن الساحة، وتوزيع النفوذ بين أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، وخلق حالة من الفوضى في بماكو بعد أن تبين أن قائد الانقلاب عاجز عن تحقيق ما كانت تعلق عليه من آمال، فتحملت بذلك مسؤولية في ما يجري اليوم في بماكو من فوضى سياسية وانفلات أمني، وإفلاس أخلاقي كان آخر تجلياته قتل الدعاة.
لقد كانت تصرفات فرنسا خلال سنوات ساركوزي في الإقليم عودة فجة لممارسات خلية "فرنسا - إفريقيا" التي حمت الأنظمة الفاسدة وضمنت لفرنسا الاستيلاء بأقل ثمن على خيرات تلك الدول، وخططت ونفذت معظم  الانقلابات التي أطاحت بكل من شب عن الطوق، وحاول الإصلاح في بلاده.
العلاقة بين السلطة والجريمة المنظمة
كان آخر رئيس لمالي هو الجنرال أمدو توماني توري، الذي قضى مأموريتين رئاسيتين، وهو قائد انقلاب 1991 على الجنرال موسى تراورى، حيث تفاهم مع زعماء الحراك المدني على أن يعود إلى السلطة بعد الرئيس المدني عمر كونارى، وظل مدلل الغرب لقبوله الانتظار حتى حلول فرصته، وارتبط بدوائر صنع القرار، ومنظماته المشرفة على ترسيخ أنموذج النظام الغربي للحكم في القارة، وترميم ما تهرأ منه، مثل مركز كارتر والمعهد الأمريكي للديمقراطية، وغيرهما من المراكز والمنظمات الممولة من مؤسسات الغرب، وأصبحت البلاد أحد أكبر متلقٍ للمساعدات الخارجية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بصورة فردية، لتكون واجهة في غرب إفريقيا، ومضرب مثل في الحكم الرشيد المسالم، الزاهد في السلطة! حيث لا يملك الرئيس حزبا وبالمقابل لا يواجه معارضة، وإنما الجميع في أغلبيته، مما خلق فراغا سياسيا: لا نقاش ولا جدل ولا حوارا، الكل حر في الانهماك في شأنه الخاص، على حساب قضايا الوطن. وفي هذا الجو انتشرت الجريمة المنظمة: التهريب والاتجار بالمخدرات والسلاح واختطاف الرهائن والهجرة السرية، وكلها شكلت أنشطة مربحة للمتنفذين في الحكم.
كان التهريب قد انطلق ابتداء من تسعينات القرن الفائت من الدول المجاورة ذات المنافذ البحرية: موريتانيا وسنغال وغينيا وساحل العاج وغانة وتوغو وبنين ونيجيريا والجزائر، أو البعيدة كليبيا والمغرب، وشمل في مراحله الأولى السلع المختلفة من مواد غذائية مدعومة (في ليبيا والجزائر) ومحروقات (جزائرية) وأدوية، وملابس وسيارات ... وخاصة السڴائر التي ساهم تهريبها إلى حد كبير في ظهور شبكات المخدرات. وقد ازدهر في أسواق شمال أفريقيا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بسيطرة قلّة من اللاعبين الكبار. وزوّدت تلك المستوردة منها عبر موريتانيا جزءاً كبيراً من الأسواق الجزائرية والمغربية، في حين تم توجيه تلك المستوردة عبر كوتونو في بنين ولومي في توغو، عبر النيجر وبوركينا فاسو، إلى ليبيا والجزائر. وأطراف هذه التجارة الفاعلون هم موزّعوها القانونيون، الذين يستوردونها من مناطق التجارة الحرّة مثل دبي، بدل الدول المصنعة لها مباشرة .
إن دوافع تهريب السلع وتجارتها فروق الأسعار بين الدول وتجنّب الرسوم والضرائب، وجرت بتواطؤ من فاعلين في المؤسسات الجمركية، قبل أن تنتشر في مختلف الإدارات المعنية، وتتغلغل في أجهزة الأمن والرقابة وفي قوات الجيش، وتصعد إلى الصفوف العليا في المؤسسات الحاكمة لبعض هذه الدول.
و ما أن حلت الألفية الجديدة حتى حلت المخدرات محل البضائع القانونية، وتدفقت بسرعة من مصدريْن رئيسييْن: جنوب أمريكا عبر موانئ دول غرب إفريقيا: الكوكايين، وصمغ الحشيش من المغرب عبر موريتانيا أساسا، وأصبحت مالي أكثر الدول المتلقية لهذه السموم، وفي منطقتها الحدودية مع الجنوب الشرقي الموريتاني أقيم أشهر مركز لهذه الأنشطة هو أمگدي.
ومع قيام تمرد ضباط طوارق في الجيش المالي في كيدال سنة 2006 ضد الحكومة المتهمة بعدم الوفاء بالتزاماتها المتكررة، ظهرت على السطح الصراعات بين شبكات تهريب المخدرات، وبينهم والمجموعات المهيمنة على المنطقة التي تسعى لفرض إتاوات على المهربين، الذين تفاحش غناهم ومعه بطرهم. وهكذا أصبح الإقليم وما جاوره بؤرة بؤرة لتجارة المخدرات وتوزيعها الذي يغطي المشرق حتى السودان ومصر والسعودية ودول الخليج، وأنحاء من أوروبا.
وقد دخلت حكومة بماكو على الخط بعد تمرد 2006 "فحرضت قادة بعض الجماعات ضد جماعات أخرى، واعتمدت على قبائل محددة للإبقاء على منطقة الشمال تحت السيطرة. ولمواجهة قبيلتي إيفوقاس وإيدنان اللتين ينتمي إليهما المتمردون تحالفت القيادة المحيطة بالرئيس أمادو توماني توري، مع المتمردين المنافسين، وخاصة منهم القيادات المنتمية إلى قبائل البرابيش والامهار العربيتين، وكذلك إلى قبائل إيمغاد الطارقية.
في بعض الأحيان كان المسؤولون في الدولة يتدخلون بشكل مباشر، كما فعل المقدم لمانه ولد ابوه (ولد محمد يحيى) - وهو ضابط في جيش مالي له علاقات وثيقة مع رئيس جهاز أمن الدولة - خلال اشتباك وقع في أغشت 2007 بسبب شحنة كوكايين، حيث رتّب عملية إعادتها مقابل مبلغ مالي كبير، كما شجعت الحكومة شخصيات عربية بارزة من مناطق تنبكتو وگاوو على تشكيل مليشيات لحماية مصالحها التجارية، وذلك ضمن تعبئة الزعماء العرب لمحاربة المتمرّدين؛ وترأس هذه القوات مؤقتا ضباط من الجيش المالي، هو العقيد محمد ولد ميدو.
ويمكن ملاحظة العلاقة بين الوجهاء المحليين والدولة ورجال الأعمال، وتجارة المخدرات في شحنة الكوكايين الضخمة المفترضة، التي تم نقلها في نومبر 2009 إلى شمال مالي على متن إحدى الطائرات، التي هبطت في منطقة تاركنت، شمال گاوو. ويعتقد أن وجهاء الأمهار على الأرجح – كما يقول صحفي جزائري على صلة بدوائر الأمن - هم الذين تعاملوا معها، وعلى رأسهم عمدة البلدة.
وقد وصلت التوتّرات إلى ذروتها في يناير 2010، عندما استولت مجموعة مسلحة مكونة من أفراد من قبيلتي إيفوقاس وكنته على شحنة كوكايين كبيرة كان ينقلها مهربون متحالفون مع الحكومة من قبيلتي إيمغاد والأمهار، الذين ردوا بخطف زعيم كنتي في منطقة گاوو.
كان لمثل هذه الصراعات المرتبطة بالتهريب بُعد سياسي أوسع أيضاً. فشقّة الخلاف التي كشفها الحادث الأخير ترتبط بالانقسام بين حلفاء القيادة في مالي وأعدائها. وعلاوة على ذلك، كانت قبيلتا الأمهار وإيمغاد تابعتين تاريخياً لقبيلتي كنته وإيفوقاس، على التوالي. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تندلع فيها صراعات تنطوي على تنافس بشأن علاقة التبعية. فقد اندلعت اشتباكات خلال التسعينات، حتى بعد انتهاء تمرّد الطوارق.
وقد وقعت عملية مشابهة في منطقة تنبكتو، ونجحت الشخصيات المرتبطة بتهريب المخدرات في الضغط على قيادة مالي لإنشاء منطقة إدارية منفصلة (تاودني) وعدة مناطق جديدة في سياق عملية إصلاح إداري تم اعتمادها قبل اندلاع التمرّد الأخير مباشرة. وبالإضافة إلى ذلك، تم في كثير من الأحيان استثمار الأرباح المتحققّة من التهريب في الماشية والبنية الأساسية المرتبطة بها، مثل الآبار، ما أفضى إلى تأجيج التوتّرات بين المجتمعات على الموارد" .
وكان المراقبون الخارجيون وخاصة المسؤولين في الدول المانحة يغضون الطرف عن علاقات المسؤولين في الدولة والقادة السياسيين بالشبكات الإجرامية حتى لا يضعوا النظام في ورطة، وهم يعولون عليه في مواجهة الحركات المسلحة، التي يوليها صنّاع القرار في الغرب كل اهتمام بوصفها منظمات إرهابية. يتواصل

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

كلمة محمد محمود ودادي رئيس لجنة منسقية المعارضة الديمقراطية المكلفة بالقضايا الدبلوماسية في ندوة المنسقية حول الوضع في مالي


انطلاقا من مسؤوليتها في الدفاع عن قضايا الوطن والمواطنين وهمومهم، والسهر على مصالح موريتانيا الداخلية والخارجية، وأمنها واستقرارها، ومن ثم علاقاتها الخارجية خاصة مع الدول الشقيقة والصديقة، أحرى المجاورة- تابعت منسقية المعارضة الديمقراطية باهتمام وقلق عميق الأزمة التي اندلعت بداية العام الحالي في جمهورية مالي الشقيقة، وآلت إلى فقدان الحكومة المركزية السيطرة على ولايات إقليم أزواد الذي تشكل مساحته أكثر من ثلثي مساحة مالي.
وقد ارتأت المنسقية أن تنظم ندوة، تقدم فيها رؤيتها حول الأزمة وأبعادها وتداعياتها على موريتانيا والجوار بل الإقليم كله، إذ لا ننسى أن لنا مع جمهورية مالي علاقات متشعبة قلّ نظيرها بين الجيران، حيث نرتبط معها بحدود تبلغ حوالي 2 237  كلم، معظمها مع إقليم أزواد، أما الروابط التاريخية الضاربة في أعماق الزمن، فحدث ولا حرج، حيث انتمينا كلانا إلى إمبراطوريات وممالك عظيمة كغانه والتكرور التين كان مهدهما موريتانيا، وجزئيا: ملي (مالي) فيما بعد، ثم جمعتنا دولة المرابطين التي امتدت شرقا وجنوبا حتى النهر، كما تبعت أطرافٌ من الحوض الحالي لنفوذ إمبراطورية السونغي، وفي الزمن المعاصر خضع البلدان معا للاستعمار، وشكلا مع آخرين اتحاد غرب إفريقيا، بل ظل الحوض جزءا من السودان الفرنسي، حتى سنة 1944.
وتتشعب العلاقات، لتغطي نواحي الحياة كافة: من تمازج عرقي واجتماعي وترابط ديني وثقافي، وتشابك مصالح: تجارية وزراعية وتنموية، سواء بين المواطنين أو بين الحكومات، خاصة بعد إقامة منظمة استثمار نهر سنغال التي تُعد أنجح مشروع مشترك في الإقليم بل في القارة؛ ورغم خلافات عابرة ظلت العلاقات مع مالي في جميع الحقب، وتحت مختلف الأنظمة مثالية، لما يُسندها من روح محبة حقيقية وتقدير متبادل.
ولكل من ولايات ڴيديماغا، والعصابة والحوضين الغربي والشرقي، وحتى ولايات الوسط والشمال علاقات ذات خصوصية مع مثيلاتها المالية المقابلة، ومن ضمنها ولايات أزواد، بسبب الانتماء إلى الفضاء الصحراوي الواحد الذي يجهل الحدود، ليظل مهدا للهجرات القادمة من موريتانيا وإليها، منذ أكثر من عشرة قرون، فتشكلت وشائج قربى، لم تؤثر فيها التقلبات المختلفة ولا المسافات البعيدة.
وخلال الأزمات المتعاقبة من سنة 1963 التي عاشها إقليم أزواد، وحتى تلك التي انفجرت في التسعينات ثم بداية الألفية الجديدة، كان الحضور الموريتاني بارزا سواء على صعيد إيواء المتضررين من تلك الأزمات، أو  في المساعدة على الوصول إلى حلول سلمية برغبة الطرفين: الحكومة، والحركات المنتفضة؛ وفي المقابل كان لمالي دورها المشهود في تطويق الأزمة بين موريتانيا وسنغال سنة 1989، إضافة إلى إيوائها للاجئي موريتانيا.
ستتناول هذه الندوة اليوم جوانب رئيسية من الأزمة في مالي، بشقيها المتعلقين:
 أولا: وضع إقليم أزواد الذي هو مشكلة داخلية لجمهورية مالي، يجب على الماليين أنفسهم التصدي لها - عبر الحوار - بما يضمن تسويتها بشكل دائم، وحسبما ترتضيه الأطراف المعنية، التي تتقاسم: الدين والثقافة والمصالح المشتركة، وفوق كل شيء الانتماء لوطن واحد، عريق في حضارته، وذي تاريخ مجيد. أما دورُ موريتانيا فهو الاستعداد لتقديم كل العون للطرفين، بما يسهل الوصول إلى الحل المنشود.
أما الشق الثاني فهو الإرهاب، الذي عشّش في الإقليم بعد أن مهدت له شبكات التهريب المختلفة التي بلغت أوجها بدخول أنواع المخدرات المغذية لإفريقيا والشرق الأوسط وأوربا، فتغلغلت بنفوذها في المجتمعات المحلية والمجاورة، وحتى في مكامن السلطة في بعض دول الإقليم، ومن ثم التحمت بالمجموعات الإرهابية الوافدة، بعد التقاء مصالحهما، فأصبحت مصدرا جديا لتهديد أمن واستقرار الدول المجاورة، وفي طليعتها موريتانيا، مما يتطلب معالجة حكيمة واستعدادا يضمن الدفاع عن الحدود على الحدود والداخل، بعيدا عن الأجندات الخارجية، وصراعات القوى الأجنبية ومصالحها.
وستعالج الندوة الأزمة في أربعة محاور:
الجذور والأطراف،
الرهانات والآثار
موريتانيا والأزمة،
الدروس المستخلصة لموريتانيا،





نواكشوط في ‏19‏ شوال‏ 1433/ 5 شتنبر 20012

السبت، 1 سبتمبر 2012

أوراق عن أژواد/ الثامنة/ الترابط مع ليبيا


طاب المقام في ليبيا مع بداية ثمانينات القرن الماضي لطوارق مالي والنيجر وعربهم وبعض الموريتانيين، حيث وجدوا قواسم مشتركة مع المواطنين الليبيين، الذين عاملوهم بكرم وتسامح، وهو دين اشتهروا به على مدى التاريخ، حيث اكتشف الطرفان بعضهما البعض، فالوافدون بحاجة إلى العناية والاستقرار، وبعض القبائل الليبية متعلقة بأصول تربطها بالساقية الحمراء والصحراء، من هجرات مرتدة من تلك الأصقاع بعد ما وصلت مع الهجرة العربية (الهلالية) الشهيرة التي تشكل معظم عرب ليبيا.  وفي ظل النظام القبلي الذي هو أساس الحكم في ليبيا آنذاك، كانت القبائل تتبارى في تعزيز مراكزها ضمن التنافس على السلطة والنفوذ، حيث اكتشفت أن للكثير منها صلات "قرابة" مع قبائل البيظان، وأرادت أن تعزز وضعها حتى ولو لم يتحقق من ذلك – في النهاية - الشيء الكثير. ويتكئ بعضهم في ذلك إلى روايات قديمة عن وجود صلات قرابة، كما الحال بين أولاد سْليمان في فزان وعشيرة أولاد سْليمان البربوشية، بينما يرى معظم الباحثين أن الأمر لا يعدو تشابها في أسماء القبائل العربية على طول أوطانها من الجزيرة العربية إلى الصحراء الكبرى. ومن ذلك في ليبيا وموريتانيا: البحيحات، أولاد إبراهيم، البريكات، الجعافرة، أولاد موسى، اليعاقيب (إيديقب) أولاد خْليفة، بنو داوود (أولاد داوود) بنو رزق (أولاد رزق) أولاد عطية، أولاد سالم، الشويخات، أولاد الشيخ، الطرشان، الفقرة، أولاد عبد الله، العبيدات، أولاد عْلي، العيايشة، القواسم، القرعان (الڴرع) أولاد مبارك، أولاد ناصر (أولاد الناصر) أولاد وافي (أولاد الوافي) الهماملة (الهمال) أولاد يونس... ومن هذه القبائل مَن اسمه واحد لكنه يختلف في الأصل إذ البعض عربي والآخر أمازيغي.  أما بالنسبة للطوارق فالأمر أسهل، لأن الرابطة لم تنقطع بين مَنهم في شمال الصحراء وفي جنوبها.
 وساهمت القرابة هذه في اكتساء هجرة الطوارق الماليين والنيجيريين وعربهم في الثمانينات طابعا جديدا شجع على التحاق العديد من أسرهم بهم في ليبيا، حيث فُتح لهم باب التجنيس كبقية المواطنين العرب، باسم "الجنسية العربية" وهي غير الجنسية الليبية، التي اقبل عليها الكثيرون من مواطني الدول العربية الذين لم يجدوا فرصا في التمتع بالإقامة وحق العمل، فتوفرت لهم الخدمات نفسها التي يتمتع بها الليبيون: التموين ومجانية التعليم، ومزاولة بعض المهن، ولكن مع التجنيد في القوات  وقوات الأمن، الذي يؤمن نظريا الحماية والنفوذ، لكن هذا الوضع لم يشمل في الحقيقة من الأژواديين والأژواڴيين سوى من ليست لهم أوراق ثبوتية تخولهم الإقامة أو البطاقة القنصلية، التي كان الليبيون يتحاشون مضايقة حمَلَتها. إلا أن هناك البعض الذي حصل على الجنسية الليبية، منهم مجموعة الطرشان النيجيرية ذات الأصول العربية الحسانية المهاجرة من موريتانيا إلى أژواد ومنه إلى النيجر، فقد التحمت بالمجموعة الليبية التي تحمل الاسم نفسه واستقرت في سرت إلى اليوم.


الدخول إلى ساحات المعارك


 مع استمرار أوضاع مالي والنيجر في التدهور اقتصاديا واجتماعيا، ازدادت الاضطرابات والتناحر على السلطة في باماكو ونيامى وتوالت الانقلابات العسكرية أو محاولاتها، فتفاقمت أحوال العرب والطوارق بصورة أكثر، واستفحل البؤس، واتسعت الهوة بينهم وحكومتيْهما، التين لم تثق يوما في ولائهم، وظلت على مدى عقود من الزمن تتهمهم بتربص الدوائر بها، حتى قبل انخراطهم في عملية التجنيد. وقد تسارعت الأحداث ليتحقق ما كان مجرد اتهام، عندما دخلت طرابلس في حلبة الصراع الإقليمي والدولي المعقّد، ضمن طموح العديد من القوى الناشئة إلى ملء الفراغ، الذي تركه لاعبون كبار في الساحة، بعد أن ظلوا مهيمنين عقودا من الزمن، كمصر والهند ويوغوسلافيا (على رأس كتلة عدم الانحياز) وتزامن ذلك مع انفجار صراعات دامية في المشرق العربي بسبب محاولة إسرائيل القضاء على الثورة الفلسطينية، التي كانت في أوج عنفوانها، حيث نجحت في إرغامها على الانغماس في الشؤون الداخلية للدول المجاورة الضعيفة، فدخلت في صراعات دموية جانبية مع الأردن الذي كادت تطيح بنظامه، ثم مع لبنان الذي كانت فاعلا رئيسيا  في حربه الأهلية، ثم المشكلة الأفغانية مع غزو الاتحاد السوفيتي لها، وتفجر الثورة الإيرانية، التي كانت مقدمة للحرب المدمرة العراقية الإيرانية.
وقد أغرى هذا الوضع ليبيا التي كانت في أوج انفتاحها على العالم الذي جعلها قبلته، لما لها من ثروات نفطية هائلة، واستعداد لوضعها في خدمة أهدافها السياسية الطموحة، وخاصة محاربة السياسات الامبريالية، فانجرت إلى الدخول في مواجهات مسلحة مع مصر (سنة 1977) والسودان (1976) وتونس (قفصة 1980) وتشاد، وانخرطت في العديد من بؤر الصراع: جزر مورو بجنوب الفلبين، وباناما ونيكاراغوا، وأيرلندا الشمالية، مع أنها طرف – بشكل أو آخر - في حرب الصحراء الغربية.
  في هذه الظروف كانت طرابلس في حاجة ماسة إلى العنصر البشري، لاستعمال ترسانتها الضخمة من الأسلحة، فاتجهت إلى تجنيد الكثير من المواطنين العرب – كما سلف - الذين جذبتهم الحملة الدعائية الكبيرة التي تقدم ليبيا كقلعة للحرية والمقاومة ضد الاستعمار والامبريالية والصهيونية والميز العنصري، بديلا لمصر جمال عبد الناصر، وهو ما استجاب له في بداية الأمر الكثيرون، وغالبيتهم تنتمي إلى منظمات سياسية معارضة لأنظمة قائمة في الدول المجاورة، مما عرّض طرابلس لضغوطٍ وتشهيرٍ إعلامي، أدى في النهاية إلى تسريح غالبيتهم، أو وضعهم مباشرة تحت تصرف منظماتهم، كما الحال في السودان وتشاد. وكان ممن بقي في جيشها من المجندين مجموعات من شباب أژواد وأژواڴ عربا وطوارق، شاركوا في عمليات خارجية، من أهمها الانضمام إلى مقاومة الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982؛ ضمن قوات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، حيث دخلوا في مواجهة مع الإسرائيليين في الجنوب اللبناني، الذي قاتلوه ببسالة، فسقط منهم عدد من الشهداء، ثم اتجهوا إلى الشمال لينسحبوا مع الجيش السوري إلى دمشق، لكنهم لم يلبثوا أن لجؤوا إلى السفارة الموريتانية - على رأسهم إياد آڴ غالي - لتؤمّن لهم الحماية والعودة إلى وطنهم. وقد حاول مبعوث من أمين الجبهة العام أحمد جبريل أن "يستعيدهم" لكنهم رفضوا الاستمرار في التعامل مع هذه الجبهة، التي اتهموها بالخَوَر، وأفرادَها بالفسوق، وهم الذين جاءوا "دفاعا عن الإسلام والمسلمين"، وقد رتبت السفارة سفرهم إلى الجزائر، الأقرب إلى وطنهم.
ومع اشتداد الصراع بين ليبيا وتشاد سنة 1987، ووقوع قوة ليبية كبيرة في أيدي التشاديين في "فايا لارجو" و"وادي دوم" وشلل قوات الدروع والدبابات، وبروز فاعلية القوات الخفيفة المشكلة من سيارات الدفع الرباعي، المجهزة بالرشاشات والمدافع، اتجهت ليبيا إلى هذا السلاح، وإلى تكوين كتائب سريعة الحركة، كان فرسانُها بلا منازع الأژواديين، مثل الصحراويين قبل ذلك بسنوات. وقد شارك العديد منهم في معارك منطقة آوزو محل النزاع بين ليبيا وتشاد، قبل أن تعود إلى الأخيرة في تسعينات القرن الماضي بقرار من محكمة العدل الدولية التي أنيط بها الملف؛ كما شارك عدد محدود من رجالهم في العمليات المسلحة في أزواڴ وخاصة أژواد من سنة 1990 – 2006 ضد حكومتيهما، مع العلم أن السلطات الليبية ظلت حريصة على منع انتقال أعداد مؤثرة من الرجال والسلاح إلى الدولتين، التين ارتبطت معهما بعلاقات قوية، وجعلتهما حجر الزاوية في سياستها بإفريقيا التي استثمرت فيها طاقات سياسية واقتصادية كبيرة، فألجمت أي محاولة جادة تنطلق من أراضيها لتهديد الحكومتين، إلى جانب معطى آخر هو احترام تفاهما مع الجزائر بأن لا تتعدى حدودا معينة في نشاطها داخل الإقليمين، حتى أنها أغلقت قنصليتها في كيدال بعد فترة قصيرة من فتحها بضغط جزائري.
وقد أثبتت الأحداث اليوم أن أژواديي ليبيا كانوا يحضرون أنفسهم من زمن طويل لانتهاز أول فرصة تتاح، للعودة إلى صحرائهم وتحقيق حلم الأجيال بإقامة كيان ينعمون فيه بما حُرموا منه خلال نصف قرن:الحرية والكرامة، واستعادة الهوية الثقافية والدينية، وقد توفرت هذه الفرصة بعد اندلاع ثورة فبراير الليبية سنة 2011، وقيام حلف شمال الأطلسي بشن غاراته المدمرة، حتى سقط النظام، مما قلب الموازين في الإقليم وفي المنطقة بأسرها. فانتقل الأزواديون دون عناء إلى وطنهم ليطردوا الجيش المالي بسهولة مذهلة، وبتنسيق كامل ومحكم بين الفصيليْن الرئسييْن حركة تحرير أزواد، وحركة أنصار الدين، ويحكموا سيطرتهم على الإقليم المترامي الأطراف، ومدنه وبلداته، وذلك رغم التباين في الأهداف المعلنة، فالأولى علمانية لا ترضى بغير الاستقلال بينما تعلن الثانية أن مطلبها تطبيق الشريعة الإسلامية ولا تتحدث عن الانفصال. يتواصل

السبت، 25 أغسطس 2012

أوراق عن أژواد/ السابعة/ الهجرة إلى ليبيا

ما أن حلت سنة 1973 حتى بدأت الهجرة الأژوادية تتدفق على ليبيا، قادمة من النيجر التي يشاطرها الحدود، والتي ظلت ملجأ سكان الإقليم، كلما ألمت بهم المحن، مثل الاحتلال الفرنسي، الذي هرب الناس في وجهه من أژواد فضاعفوا عدد العرب والطوارق الأصليين فيه، وازدادت اللحمة والترابط، حتى تحول النيجر رغم ظروفه الصعبة إلى ملجإ ومنفذ لهؤلاء المشردين.
إن الوجهة الليبية لسكان جنوب الصحراء ليست سوى استمرار لصلات تاريخية قطّع أوصالها الاحتلال وحدُوده المصطنعة، فجنوب الصحراء يرتبط بعلاقات صمدت طيلة عصور الصحراء المناخية والسياسية الضاربة في أعماق التاريخ، من أبرزها في العصر الحديث، ما ارتبط بفتوحات الإسلام على يد عقبة بن نافع الفهري لفزان بجنوب ليبيا، في العقد الثالث من القرن الهجري الأول، حيث استقر الإسلام في بواديها وواحاتها وكَوَرها، فتشكل من سكانها العرب والكور أول الدعاة التجار إلى جنوب الصحراء: النيجر ونيجيريا ومحيط بحيرة تشاد، وذلك قبل انتشار الإسلام في أجزاء من غرب الصحراء بقرنين. يضاف إلى هذه الصلة روابط الدم بين طوارق جنوب الجزائر وأزود وأزواڴ، الذين هم امتداد لإخوتهم في ليبيا، كما لم تنقطع جسور التواصل بين مدن القوافل الليبية المتاخمة للصحراء كغات وغدامس المرتبطة بتادمكت وتغازة وتنبكتو، إلى حد أن لبعضها مضافات تستقبل قوافل الأخرى. كما انتقلت قرونا بعد الفتح من ليبيا إلى نهر النيجر وبحيرة تشاد، مجموعات من القبائل العربية المصاحبة للهجرة الهلالية، واستقرت بها، وهي اليوم موزعة بين الدول المحيطة بالبحيرة بفعل تقسيم الاستعمار: النيجر وتشاد والكاميرون ونيجيريا.
ومع بداية التسرب الاستعماري إلى نهر النيجر والصحراء الكبرى ونهر شاري ووسط إفريقيا مع نهاية القرن 19 وبداية 20 اصطدمت قواته بأتباع الحركة السنوسية المنتشرة في النيجر وتشاد وشمال السودان، حيث حملت زعامة الحركة في بلدة الجغبوب بالشرق الليبي (بعد انطلاقها من موطنها الأول في الجزائر) لواء الجهاد، فأرسلت النجدات المعززة بالسلاح والعتاد والمؤن إلى تلك المناطق، التي تحالف فيها السكان المحليون من أتباع السنوسية أو زعماء العشائر الطارقية والعربية والكورية الغيورين على دينهم، فخلد التاريخ ذكر رجال منهم قادوا الجهاد ضد القوات الفرنسية والإيطالية وكبدوها خسائر فادحة، من أمثال محمد كاوصن أحد أبطال قبيلة أولَمدَنْ الطارقية الشهيرة بقوة الشكيمة، ورباح بن فضل الله الذي استشهد في تشاد.
وجعل هذا الوضع الفرنسيين يعبئون طاقاتهم لمواجهته عبر قواتهم الغازية من غرب إفريقيا، وبعض الوحدات المرابطة في الجزائر ومخابراتهم (قنصلياتهم) في طرابلس وتونس واسطنبول، في خضم  حملةِ دعايةٍ وتشهير ضد الطريقة السنوسية، حتى أن من يقارن بين الحرب على ما يسمى الإرهاب اليوم يتخيل أن التاريخ يعيد نفسه.

ليبيا ترحب


  كانت غالبية هؤلاء من الشباب، جزء منها من مواطني النيجر، حيث دخلوا جميعا بدون صعوبة، سواء من له أوراق ثبوتية أو بدونها، وهم الأكثر، ونزلوا وسط ترحاب من المواطنين والسلطات في ولاية فزان التي ظلت تحتضن العدد الأكبر منهم في مراكزها الحيوية كعاصمتها سبها، ومدن بْراك وأُباري وغات ومرزڴ، قبل أن ينتقل منهم البعض إلى مدن الغرب: طرابلس والزاوية وغيرها في الجبل الغربي، بل انتشروا في الأرض الليبية وصحرائها الشاسعة، حيث تعمل شركات الإنشاءات ومشاريع الزراعة. وبشكل عام، ورغم بداوتهم، تكيف أكثرهم مع العمل اليدوي في المرحلة الأولى، لكن مشكلة تحويل الأموال إلى أهلهم في الصحراء شكلت مفاجأة غير سارة، إذ تشترط الشركات إقامة رسمية، لتسليم الرواتب ورسائل التحويل إلى البنوك، وهو أمر بالغ الصعوبة، إذ لم تكن أكثرية الأژواديين تحمل جوازات سفر، فأصيب الكثيرون بخيمة الأمل، وزهدوا في العمل، وتحولوا إلى أنشطة طفيلة أقل تعبا ومن ثم أقل مردودية، كرعي الماشية أو "الحجاب" أو التيفي" على هامش الحواضر العمالية وبعض المراكز الحضرية، قبل أن يتولى معظم ذلك النشاط فيما بعد، صغار تجار البيظان من موريتانيا ومالي الذين انتقلوا من دول إفريقيا الغربية طمعا في الربح في السوق الليبية الواعدة.

  موريتانيا: تعاطف في الداخل وحماية في الخارج


عبّر العديد من الموريتانيين بمن فيهم المسؤولون عن عواطف جياشة تجاه الأژواديين في محنة الجفاف المشتركة، لكن من لجأ منهم إلى موريتانيا في السبعينات كان محدودا، وكان ينتمي في الغالب إلى المنطقة الغربية الجنوبية للإقليم المتاخمة للحوضين، وقد شاطرهم الموريتانيون عيشهم واستقروا كمواطنين لا يتميزون إلا للضرورة، منهم شباب متعلمون – على قلتهم – وُظّفوا رسميا في الإدارة، ووجوه سياسية وتجار ورجال دين من حفظة القرءان ونسّاخ مصاحف وكتب يكسبون من هذه المهنة العريقة التي كانت في طريق الانقراض في موريتانيا، بعد الاتصال بمراكز الطبع والنشر في العالم. أما الغالبية فكانوا مواطنين عاديين تحللوا في النسيج الاجتماعي المحلي.
   وفي هذه الفترة أقيمت علاقات دبلوماسية بين موريتانيا وليبيا، في خضم الانفتاح الليبي الجديد على العالم العربي، وفتح الحدود لاستقبال مواطنيه للدراسة والعمل، وبصورة خاصة أعطت طرابلس عناية كبرى للموريتانيين الذين انبهرت بثقافتهم العربية الإسلامية، وبسياسة الحكومة الموريتانية، خاصة في التقارب والتعاون العربي الإفريقي، فاعتبرتها الأكثر أهلية لتكون بوابتها إلى إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما جنت طرابلس ثماره على الفور بفتح سفارات في أغلب عواصم المجموعة الناطقة بالفرنسية بتدخل من الرئيس المختار بن داداه، بينما دعمّت طرابلس نواكشوط اقتصاديا بفتح مصرف تجاري على الفور وتقديم وديعة إلى البنك المركزي، ومواكبة خطوات تأميم ميفرما، في وقت كانت وطأة الجفاف قاسية على البلاد، وعُقدت اتفاقيات في مجالات عدة، إحداها تنظّم العمالة والإقامة، ليفتح الباب أمام الطلبة والعمال وحركة التنقل المختلفة.
  وشمل الاهتمام الليبي بيظان أژواد والصحراء الغربية، وتصادف ذلك مع مولد حركة تحرير الصحراء الغربية ضد الاحتلال الإسباني التي تحولت فيما بعد إلى جبهة بوليزاريو، فاغتنمها الليبيون فرصة ليكونوا أول من يقدم لها الدعم العسكري الذي استخدمته في عملياتها الأولى ضد المحتل، وكان ذلك انطلاقا من نواكشوط، حيث ظل المسؤولون الليبيون يتندرون ب"الطيبة  الموريتانية التي مكّنتهم من توريد أسلحة في صناديق مخصصة لكتب المركزين الثقافيين الليبيين في نواكشوط وأطار"!.

وما أن حلت سنة 1975 حتى أصبح وجود الموريتانيين وبيظانهم خاصة مع إخوتهم من الصحراء الغربية ومالي والنيجر وطوارقهما ظاهرة ملفتة في ليبيا، مشكلين جالية واحدة، بعد ما فُتحت المعاهد الوسطى الليبية والجامعات للطلبة من جنوب الصحراء، ووصل عدد من معلمي القرءان الكريم وأئمة المساجد، ثم العمال وصغار التجار، وجاء الصحراويون في مجموعات من تلاميذ المدارس الابتدائية ثم الإعدادية، وبعض المتمرنين على السلاح (1975-1976) أما غالبية الجالية فتنتمي إلى أژواد وأژواڴ وجلها من العمال اليدويين. وبالإضافة إلى الترابط الثقافي والعرقي واللغوي بين هذه المجموعة، زادت اللحمة عبر العمل في الورشات والسكن ضمن التجمعات العمالية في المناطق الصحراوية، يعيشون المشاكل نفسها، فتوحدت المواقف إزاء المطالبة بالحقوق لدى الشركات، ومنها بصورة أساسية قضية تحويل ريع عملهم المضني، وكذلك الدفاع عن النفس خلال الاحتكاكت مع مجموعات أخرى أو مع أرباب العمل.  
وقد تمكنوا جميعا في المراحل الأولى من المحافظة على الصورة المشرّفة التي يحملها الليبيون عنهم، حسب توزيع صدر عن بعضهم: "الموريتانيون مسالمون، حملة علم وحفظة قرءان، والصحراويون أصحاب قضية، والماليون والنيجيريون – بعربهم وطوارقهم – مطارَدون، وهم  رجال، لا يكذبون ولا يخافون".
  ولأسباب عديدة تعيّن على موريتانيا أن تكون الوصية على هذه الجالية، من ذلك وجود سفارة في طرابلس، والارتباط بعلاقات قوية مع ليبيا، من ضمنها الامتيازات المخولة لمواطنيها بموجب اتفاقية قنصلية، ثم لانعدام أية حماية لمواطني مالي الغائبة عن الساحة، والمتبرئة من مواطنيها عمليا، وتوتر علاقات حكومة النيجر مع مواطنيها العرب بعد محاولات انقلابية اتهمتهم بالمشاركة فيها، بينما ظلت مرجعية الصحراويين موريتانيا، إلى أن اندلعت حرب الصحراء في بداية 1976.
وقد سهل الرعاية الموريتانية لهذه الجالية كون السفراء معتمدين لدى الدول المجاورة (النيجر وتشاد) وكذلك بوجود قنصلية عامة في مدينة سبها (1978) قبل أن تحول لاحقا إلى نْيامى، إلى جانب الشُّعبة القنصلية في السفارة بطرابلس، وتوفير الإمكانيات لموظفيهما بالتجوال في أماكن وجود العمال في الداخل ومتابعة قضاياهم مع الجهات المعنية، كما وفرت أسباب الإقامة لهم والتمتع بريع عملهم، وتحويله إلى بلادهم عبر البنوك التجارية، بعد ما عانوا من تغوّل الشركات الأجنبية، كما حمتهم من أخطار التجنيد، المخيمة على المقيمين العرب وبعض الأفارقة المجاورين ومن كل من ليست له حماية قانونية، وذلك في أوج حروب تحرير، أو صراعات داخلية في عدة مناطق من القارة وفي العالم العربي (فلسطين، لبنان، تشاد، السودان، جنوب إفريقيا، الصحراء الغربية). وكانت بداية الإقبال على الأوراق الموريتانية ما توفّر لعمالها من تسهيلات بفضل الاتفاقية القنصلية، التي على أساسها أصدرت السفارة بطاقة، أجازتها دوائر الأمن والجوازات ووزارة العمل، فزالت – إلى حد كبير – العديد من العقبات، رغم الجو المضطرب الذي تمر به الإدارة المحلية آنذاك نتيجة التغيرات السياسية والاجتماعية المستجدة.
وعندما علم أهل أژواد وأژواڴ بالأمر اتجهوا صوب السفارة، على اعتبار أنهم موريتانيون، خاصة منهم البيظان، فاشتُرط في المرحلة الأولى حملهم لأوراق ثبوتية موريتانية كالجواز، الذي كانت غالبيتهم تحصل عليه ـ في فترة زمنية قياسية - من إدارة الأمن في نواكشوط، التي تسلمه لكل من يقدم الملف المعهود الذي يحصل عليه الناس دون عناء، عبر وسطاء من الأقارب أو السماسرة؛ وهكذا بدأت عملية انتشار الأوراق الموريتانية الثبوتية، وتحددت أثمان كل منها (جواز السفر، قيد الازدياد، شهادة الجنسية، البطاقة الشخصية، شهادة الإقامة، شهادة الخلوّ من السوابق، رخصة قيادة السيارة). وكانت التعليمات الدائمة إلى السفارات – التي بحوزتها بعض الجوازات قبل أن تُنزع منها صلاحيات الإصدار- تأمر بتسليمها لكل من يقدم ذلك الملف.
وبعد سنة 1978 تفاقمت الظاهرة، التي كانت مقتصرة على الراغبين في العمل بليبيا، حيث لم تكن مسألة الهجرة إلى أوروبا قد بدأت، مما جعل العديد من السفارات تنبّه إلى خطورتها، ومنها بعثة طرابلس مصطحبة مع الرسائل – أحيانا - نماذج من وثائق رسمية موقعة ومختومة  من جهات عدة تابعة للإدارة الإقليمية، دون ملء خانات الأسماء الشخصية أو العائلية - للتحذير من مخاطر العملية وضرورة وقفها. وعلى كل كانت موريتانيا في تلك المرحلة من أواخر الدول التي "طُرحت" أوراقها في "السوق" وأقلها عددا، ضمن منظومة إفريقيا الناطقة بالفرنسية التي ظلت جوازاتها إلى عهد قريب تباع بمبالغ زهيدة، وفي طليعتها مالي وزائير ونيجيريا، عكس دول لها خصوصيات تحافظ عليها، كالكاميرون والغابون وأنغولا ورواندا وبوروندي، أو الدول العربية الإفريقية أو معظم تلك الناطقة بالإنڴليزية، ولم تول الحكومات المعنية أهمية بالموضوع إلا مع تنامي الجريمة العابرة للحدود، واندلاع الحروب ضد ما سمي الإرهاب. 
 

البطاقة القنصلية (بناءً)


   انتشرت بين الموريتانيين والماليين والنيجيريين – كما سلف - البطاقة القنصلية، سواء كانوا من حملة الأوراق الموريتانية، أو من غيرهم، ممن تقطعت بهم السبل، فشوهد العديد من حملتها – مؤشّرة - في جدة، إذ كان بعض السفراء السعوديين يُغمضون أعينهم حتى "لا يَرُدّوا الموريتانيين عن زيارة الحرمين الشريفين".
وترسخت أسطورة "بناءً" - كما سُميت - دون مثيلاتها التي تُصدرها سفارات الدول المرتبطة باتفاقيات مشابهة بليبيا، ولم تعد حكرا على من أنشئت لهم، بل وُجدت لدى بعض الجنسيات الأخرى، حيث تُنتزع صورة صاحبها وتوضع محلها صورة المالك الجديد، وطبقت شهرتها آفاق ليبيا وحيزها.
وَوَجدت جميع الأطراف ضالتها في البطاقة، حيث وفرت على السلطات الرسمية الليبية الجهد، بوجود مرجعية قانونية مسجلة عليها، وأصبحت تضع عليها الإقامة بدل الجواز أحيانا، وذلك بلا شك رغبة في تسهيل أمر حملتها، ومساعدتهم؛ هذا في وقت لا تشكل فيه البطاقة وثيقة دولية معترفا بها، تكون لها تبعات قانونية محرجة، حيث لا تضم سوى النص التالي:
"بناء على الاتفاقية القنصلية الموقعة بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والجمهورية العربية الليبية بتاريخ 13 شعبان 1393 هـ الموافق 10 سبتمبر 1973م والتي صدرت بقانون ليبي رقم 99 لسنة 1973م والتي تنص على حق مواطني الدولتين في مزاولة كل المهن والأعمال الحرة في كلا البلدين والدخول بدون تأشيرة - دخول وإقامة بدون حدود- إذا كانوا يحملون وثائق سفر معترف بها.
ترجو السفارة الموريتانية بطرابلس من السلطات والهيئات في الجمهورية العربية - كل في ما يخصه – السماح بالإقامة والعمل لحامل هذه البطاقة".


وقد استمر الإقبال على "بناء" إلى عهد قريب، رغم جميع المحاولات التي قامت بها السلطات الموريتانية، خاصة بعد انتفاء جل الأسباب التي ساهمت في انتشارها مثل وقف حرب الصحراء سنة 1978، وفتح سفارة لمالي في طرابلس سنة 1980.  يتواصل
 









السبت، 28 يوليو 2012

"أوراق" عن أزواد/ السادسة/ سنوات التيه

لم ينته عهد موديبو كيتا في نونبر سنة 1968 إلا بعد أن دمر أزواد اقتصاديا واجتماعيا وسلبه أغلى ما يملكه أهله: العزة والكرامة، فأذلّ كبراءه واستباح حرماته، ليحل الغضب محل الكبرياء الذي عرف به الأزوادي بين جيرانه، وساد اليأس ربوع أرض موسى آگ أمستن وفيرهُن والميون بن حمادي، ومحمد بن رحال. وكادت الحِلَلُ العامرة بمخيماتها الكثيفة المتراصة تختفي، ومعها قطعان الإبل البيضاء والشقراء البديعة، والأغنام الوافرة، كما اختفت سباقات الهُجن الذلولة التي لا تحتاج سوى تحريك الخطام، دون عصى أو نسعة، المزينة بالرواحل ذات القرابيس العالية، المبطنة بالأحزمة الجلدية والشعرية المتدلية، بألوانها المزركشة الأصيلة، تحت رجال أشداء ذوي قامات فارعة، بدراريعهم السوداء والبيضاء، وعمائمهم الطويلة، الممتشقين بعزة وكبرياء سيوفا قهرت الطامعين على مدى التاريخ، وضاعت مكتبات عريقة غنية بنفائس الكتب، في خضم هذا التشتت غير المسبوق.
وأصبح مصير الإقليم بيد الضباط والجنود الذين كانوا يد الناظم البائد الباطشة، بعد أن استولوا على السلطة، التي لم تغير في شيء، اللهم تفكك النظام الاشتراكي الذي ظل يحسب على الناس أنفاسهم ويقيد تصرفهم بأموالهم. وسار الجديد على خطى القديم باعتبار أزواد منطقة أمنية، أهلها محل اتهام دائم بالإرهاب والتمرد.
وصادفت هذه الفترة موجة الجفاف الماحق التي ضربت منطقة الساحل والصحراء سنوات متتالية، في سابقة لم يعرفها السكان المعتادون على دورة القحط لا تدوم إلا سنة أو سنتين، يتبعه الغيث والخصب، كما تبينه  حوليات المراكز الحضرية. فلم يكن السكان إذن مؤهلين لمواجهة الكارثة، وتصرفوا كما كانوا يفعلون، ينتقلون بمواشيهم إلى المناطق الرطبة وضفاف الأنهر، ليقايضوا منتجاتهم بالمواد الغذائية، لكنهم وجودوها منكوبة، إذ لم يكن أحد يدرك أبعاد الظاهرة ولا مداها.
ومن هنا كان على الحكومة المالية أن تتصرف بسرعة وفعالية كما في الدول المجاورة: موريتانيا وبوركينا فاصو وبنسبة أقل النيجر. ففي موريتانيا مثلا أُعلن النفير العام وسخرت الحكومة ما لديها من إمكانيات لمواجهة الجفاف، فنشطت الإدارة والحزب الحاكم ووسائل الإعلام لمؤازرة السكان وتنويرهم بأبعاد ما حل بهم، وطلبت العون الخارجي، ثم اتخذت على الفور إجراءات عملية، تمثلت في إلغاء العشر نهائيا عن الماشية، ووضع برنامجي عرف بخطة التدخل السريع، اضطلع بتوزيع المواد الغذائية والدوائية وحفر الآبار، تحت إشراف وزير الصحة والشؤون الاجتماعية د. عبد الله بن ابّاه، الذي وضعت تحت تصرفه تجهيزات القوات المسلحة والحرس ورجالهما، فأضافوا الفعالية على هذا الجهد الوطني، خاصة بإشرافهم على أسطول السيارات الذي جاب المناطق المتأثرة، المنتشرة في غالبية أرض الجمهورية، حيث تحقق المطلوب في الوقت المناسب، رغم انعدام الطرق المعبدة في تلك الحقبة. وكانت تلك بدايات إقامة مفوضية الأمن الغذائي، التي اعتبرت تجربة رائدة استنسختها عدة دول.   
أما في أزواد فكانت وطأة الجفاف أشد لأن الحكومة لم تكن مبالية به، فتركت السكان يواجهون مصيرهم وحدهم، لا مرشد ولا معين، واستمرت في جباية الضرائب على الماشية، ومتابعة الرقابة على تنقل السكان بحيث لا يحق لهم الاقتراب من ضفاف النهر إلا بمسافات معينة؛ ولم تصل سنة 1973 حتى نفق جل الثروة الحيوانية، وانتشرت المجاعة في أصقاع الإقليم، وأصبح الناس عاجزين عن توفير ضرورات الحياة الأساسية من مأكل وشرب وملبس وسكن، فتشتت الرجال لا يلوون على شيء في الاتجاهات كافة بحثا عن وسيلة لإنقاذ من تركوا خلفهم من نساء وصبوة وعجائز في مخيمات قرب الآبار، والتي أصبح جلب مائها غاية في الصعوبة بعد نفوق الماشية؛ وكان الرجل يصحب معه في رحلة الميرة تلك كل ما بقي له من دواب صالحة للبيع، وبقايا الأثاث: من زرابي وطنافس ومصنوعات جلدية وخشبية، كما جلبوا معهم كتبا مخطوطة نفيسة وحلي النساء ومقتنياتهن،  بل إن البعض اضطر أن يترك عياله في العراء ويأخذ الفروة ليقايضها بمواد غذائية.
ومع طول الوقت أصبحت أكثرية الأسر معدمة، لا تملك ما تقايض به الطعام،  فمات الآلاف من الناس جراء الجوع وتبعاته، غالبيتهم في مخيمات، ذكر شهود عيان أنها كانت مسكونة بأناس شديدي الهزال، لا يقدرون على الخروج إلى الزائر، خوفا من الظهور في أوضاع غير لائقة، منها العري، مما يذكّر بما مرت به العديد من المناطق الموريتانية إبان الحرب العالمية الثانية، تحت الاحتلال، حيث لبس الناس الجلود وقطع الوبر المحاكة للخيام، حتى أن بعض الأحياء البدوية كانت لا تملك إلا دراعة واحدة يتعاقب عليها رجاله، عندما يتعين على أحدهم الخروج للقاء زائر؛ وقد قيل في السبعينات إنه لو لم تكن لموريتانيا حكومة مركزية لمات جل سكانها الذين كانت نسبة البدو منهم – حينها - تزيد على 70% .
  وكنا في منكبنا البرزخي نسمع بعض الأخبار عن مأساة أهل أزواد التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام الغربية المكتوبة، من بينها صحيفة "لموند" الباريسية التي نشرت سلسلة مقالات للكاتب الصحفي الشهير "فيليب دَكْرينْ" عن الجفاف في مالي،  نقل فيها صورا مخيفة عن حالة السكان في أزواد، متهما الحكومة المالية باستخدام الجفاف لتصفية حساباتها السياسية والأمنية مع السكان، وانتقد سكوت العالم عن هذا الوضع البشع.
 وقد قامت مجموعة من الشباب في نواكشوط بتكثير هذه المقالات وتوزيعها على الرئاسة والوزارات، مطالبين بوقفة تضامن مع الأشقاء الأزواديين، ومستنكرين الصمت على أفعال باماكو. لكن  أحدا لم يتحرك، لإنقاذ هذا الشعب أو التخفيف من محنته، لا في الدول الغربية ولا الأمم المتحدة أو التجمعات الإقليمية،  حيث لم تكن الصحوة العالمية لمؤازرة حقوق الإنسان وحماية الأقليات التي شاهدناها مع بداية انهيار الكتلة الشيوعية قد ولدت بعد؛ وذلك رغم وجود حركة تكاد تكون كونية يقودها اليسار، تدافع عن حركات التحرير في إفريقيا وفلسطين وفيتنام.
  والّفتة الوحيدة للدول الغربية ومنظماتها الإنسانية، كشركات الصليب الأحمر، كانت إرسال بعض المواد الغذائية والأدوية إلى حكومة باماكو، دون مراقبة على تصريفها، فاستحوذ عليها الضباط القابعون في السلطة، واستمرت المعاناة وتشعبت، ولم يلتفت أحد إلى أن جوهر المشكلة السياسي،  حيث تصر حكومة على ممارسة التمييز على جزء من شعبها، والتخلي عن مسؤوليتها اتجاهه، مما يتنافى وواجباتها الدستورية وما يفرضه القانون الدولي والشرائع السماوية وتقاليد التعايش والمساكنة.

بداية التشرد

   اكتملت هجرة سكان البادية إلى المدن والمراكز القريبة من مصادر المياه، وانتشرت الفروات وأقفاص الحشائش، على أطرافها، بينما أصر قسم منهم على البقاء في الأرض التي ألفوها، حيث بقيت على الألسن مآثر بعض رجالهم من تجار ووجهاء وزعماء قبائل بذلوا أموالهم وجاههم لمد يد العون لهم حتى تحسنت الظروف مع الثمانينات، ومن هؤلاء السلطان بادي بن حمادي.
 ولم تحرك السلطات الرسمية الحضرية ساكنا لتخفيف وطأة المجاعة على الواصلين الجدد، فآثر عدد من أرباب الأسر مواصلة الرحلة إلى الجنوب داخل مالي وإلى الدول المجاورة لها في الجنوب، وهكذا ظهرت في شوارع لاگوص وكوتونو ولومى وأكرا وأبدجان مشاهد غير مألوفة، وهي تسول صبية غرباء، بنين وبنات، بزي غير مألوف وبشرة بيضاء ينتشرون على قارعة الطريق، وعند إشارات المرور، لإعالة ذويهم الذين اختاروا أشجار الشوارع مأوى لهم.
واتجهت أعداد من سكان المناطق الوسطى والشمالية مثل أُولمدَنْ والهگار وإفوقاس وكل السوق إلى مدن الجزائر الجنوبية كتمنغاست، وعشائر الاتحادية الكنتية إلى آدرار، حيث يرتبط هؤلاء وأولئك مع سكان الجنوب بوشائج القربى، فاستقبلتهم السلطات الجزائرية برحابة صدر، وآوتهم ووزعت عليهم بطاقة التموين التي انتشرت بين الأزواديين إلى عهد قريب، إضافة إلى ذلك لقي هؤلاء الترحاب من أبناء عمومتهم الجزائريين، فشكلوا جسرا للتواصل، وانتعشت التجارة وتبادل المنافع مع الإقليم وبدأ الاطمئنان يعود إليه بعد أن أصبحت أجزاء منه في حكم التابع للجزائر، التي ظلت على مدى سنوات لاعبا لا غنى عنه بالنسبة للمناطق المتاخمة لجنوبها، ونجحت في إقامة علاقات متميزة مع أولائك الجيران، رغم تربص الدوائر الغربية وإعلامها للصيد في المياه العكرة بين دول شمال إفريقيا وجنوبها. يتواصل