الأحد، 22 يوليو 2012

"أوراق" عن أزواد /الخامسة/ موديبو: كما قَتَل قُتل

اغتالت القوات المالية أهم زعماء مالي السياسيين، و"انتصر على ثوار إفُوقاس في أزواد بقتل حاميهم الروحي"  فاكتملت للرئيس موديبو كيتا الزعامة الداخلية، وغادر باماكو بأيام قليلة بعد مجزرة 30 يونيه 1964 إلى القاهرة لحضور ثاني قمة قارية تحت مظلة، منظمة الوحدة الإفريقية الناشئة، واقتسم بذلك الأضواء المسلطة على الزعماء الأفارقة الثورين، إضافة إلى الهالة التي أحاطت به عن دوره في النزاع الحدودي الجزائري المغربي. فانعقدت القمة تحت رئاسة الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان في أوج سطوع نجمه المحلي والدولي، حيث استقبل في السنة نفسها القمة العربية وقمة عدم الانحياز.
  وقد انعقدت القمة في مقر جامعة الدول العربية، في جو من المظاهر الاحتفالية المبهرة، حيث صادفت إحياء ذكرى  ثورة 23 يوليه المصرية، التي بذلت فيها القاهرة طاقاتها لتظهر أنها أهم زعيمة للقارة والعالم العربي، ومع الهند ويوغوسلافيا إحدى الدول التي تقود حركة عدم الانحياز، الرافض لمنطق تبعية الغرب أو الشرق؛ كما وقع في هذه المناسبة ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية الذي كان مفكرون وكتاب قد انكبوا على إعداد مسودته، منهم محمد حسنين هيكل، ودعي القادة إلى حفل بهيج في نادي الضباط بالزمالك، غنت فيه أم كلثوم أول لحن لمنافسها الكبير محمد عبد الوهاب أنت عمري، بتقديم أشهر مذيع مصري جلال معوض، كما أقام عبد الناصر حفل عشاء في حدائق قصر القبة، غنت فيه فرقة رضا، المؤلفة من شباب الجامعات، وأقيم في مدينة نصر عرض عسكري وشبابي وعمالي دام عدة ساعات، ظهر فيه من الأسلحة ما اعتُبر ردعا لكل من يحاول التحرش بمصر.
  وقد جرت محاولة لتعكير جو القمة هي وصول رئيس وزراء الكنغو اليوبولدفيل موسى تشومبى إلى القاهرة فجأة ليحتل مقعد بلاده، غير أنه أعيد من حيث أتى لأن مصر والدول الثورية لا تعترف به، لكن حادثا آخر جرى بطريقة لم تكن في الحسبان، كان له وقع مؤلم على بعض الوفود، وخاصة مالي وغانا وغينيا.
  هذا الحدث هو الكلمة التي ألقاها رئيس جمهورية مدغشقر، فيلْبيرْ تْسيرانانا، في جلسة علنية بحضور جميع القادة، حيث كال سيلا من النقد اللاذع لمعظم الحاضرين وخاصة الزعماء الثوريين، تارة بروح مرحة وابتسامة عريضة، ومرات أخرى بجد وصراحة مفرطة، وأعلن منذ الوهلة الأولى أنه لا يشاطر الحاضرين تفاؤلهم بمستقبل القارة في ظل القمع وعدم التسامح، ضاربا المثل بكل من رؤساء غينيا وغانا ومالي بأسمائهم، حيث يتشدقون بالثورية والحرية، وهم يقتلون مواطنيهم، ذاكرا بالاسم زعيمي مالي الذين لم تجف دماؤهما بعد: سيسوكو وديكو. ثم هاجم النفاق السياسي، خاصة في العلاقات الدولية، قائلا "إن تماديتم في هذا النهج سأبقى في جزيرتي خارجا عن إفريقيا، ولن أكون مثلكم في النفاق، فرئيسي هو الجنرال دڴول، وسأذهب إليه مباشرة لأقدم له تقريرا عما جرى هنا، ولتكونوا مثلي وتعترفوا بأنكم تابعون لموسكو وپيكين". وقد ظل الحاضرون - بمن فيهم أعضاء الوفود والمدعون والصحفيون - مشدوهين بين غاضب مستنكر، ولاه مستمتع بهذا الخطاب الطويل، وهو ما انطبق على الرؤساء أنفسهم، خاصة موديبو ونكروما الذيْن كانا في أشد حالات العبوس، يلوح أعضاء وفديهما خلفهما بأيديهم استنكارا للحديث، أما عبد الناصر وبورقيبه وسنغور والحسن الثاني، وغالبية الرؤساء فقد تابعوا بإصغاء وكأنهم في مسرح، بينما لم يتحكم المختار بن داداه وأحمد بن بله، وعدد من الوزراء من كبت نوبة الضحك التي أصابتهم.
**
 مرت الأيام وسقط موديبو كيتا بانقلاب عسكري في 19 نونبر 1968، وأُرسل إلى كيدال، ليعيش في ظروف صعبة، وإن كانت أقل قسوة مما عرفه معارضوه السياسيون الذين اختارها لهم، ثم ينتقل إلى الجنوب الأكثر رطوبة، ويتقابل في أحد الأيام أمام المستشفى مع زعيم آخر ما يزال في السجن من بقايا ضحاياه، هو محمد آعلي آڴ الطاهر الأنصاري، الذي خاطبه "موديبو، هل عرفتني، أنا محمد آعلي الذي كنت أعطيك - وأنت تلميذ - البسكويت وغيرها من الأشياء التي تطلب". وكان أبشع إرث تركه موديبو كيتا لبلاده ما استنّه من نهج في القمع والتعذيب والتصفية الجسدية لمعارضيه، حيث اتَبعت ذلك الطغمة العسكرية التي أطاحت به، وأصبح النهج السائد، وكان هو ضحيته عندما مات مسموما في 16 ميه 1977، وكاد النهج هذا يقضي على طبقة الضباط الحاكمين، المتكالبين على السلطة والمال.

 

نهاية النقيب بازاني في تاودني

مما يستدل به الأزواديون على احتقارهم من قادة مالي جعل مدنهم التاريخية وبلداتهم الشهيرة أوكارا لأنواع الفجور والإجرام، ومراكز للتعذيب السياسي والقتل الممنهج خارج القانون، حتى اقترنت أسماؤها بذلك، بعدما كان صيتها كمواطن للعلم والذهب والملح، ملهم أطماع العالم منذ القرون الوسطى. ومن هذه البلدات سبخة تاودني التي يقع فيها مركز إداري وعسكري للحكومة المالية، على بعد 700 كلم شمال تنبكتو، في نقطة هي الأخفض عن سطح البحر في الكرة الأرضية، عوض البحر الميت. وحوض تاودني يطلق في المصطلحات الجيولوجية على مساحات شاسعة تشمل مناطق من أزواد وتمتد إلى داخل الشمال الشرقي الموريتاني؛ أما صحراؤها فهي قاحلة لا شجر فيها ولا نباتا، تُصليها شمس حارقة في غالبية أيام السنة، حيث تكون درجة الحرارة صيفا 50 درجة نهارا و40 – 45 ليلا، وفي الشتاء 20 – 30 درجة في النهار و10 – 0 ليلا. "يوجد عند السبخة بئر يدعى حاسي صالح نسبة إلي أحد الصالحين، ماؤه مالح، يقع على عمق 50 مترا، وهو في هذه البلاد القاحلة المعطشة هدية من السماء، غير أن الإنسان لا يستطيع شربه إلا بخلطه مع مواد تساعد على تحمله، مثل تجمخت، (دقيق ثمر شجر الدوم [التيدوم] الذي ينبت في الجنوب] أو دقيق الذرة أو اللبن الرائب، والاغتسال به يحتاج إلي مجهود وتقنية، حيث يمنع رغوة الصابون، ولا يزيل وسخ الجلد، مما يحتم خلطه بالحصى الصغير مع الدلك بقوة، ومع ذلك فلولا الماء المالح لمات الناس من الإمساك.
  يحكم مركز تاودني نهاية 1969 الملازم كانتاو الذي يجمع بين يديه كل السلطات، وقد أوكل إليه أمر مجموعة من السجناء العسكريين المحكوم عليهم بالمؤبد، وعلى رأسهم النقيب بازاني (ديبيى سيلاس جارا) الذي عرفناه فيما سبق قائدا للكتيبة التي أشرفت على سحق التمرد في أزواد، حيث أدين بمحاولة انقلاب بعد أن كان واليا لمحافظة موبتي.
 كان الملازم كانتاو الآمر الناهي، ومهمته الأولى هي إلحاق أشد أذي بالسجناء المحكوم عليهم بالإعدام أو السجن المؤبد الذين أرسلوا إليه في هذا الفضاء السحيق الذي لا صلة له بالعالم الخارجي. وللدلالة على الاستبداد الذي يفتخر به، أعطى لنفسه اسم إمبراطور قبيلة الموشي (مورو نابا) الذي بيده مصير شعبه حياتا أو موتا، لا يعرف قاماتهم إذ لا يراهم إلا راكعين له. وكان سجناء تاودني يسجدون لسيدهم الجديد حتى يغمسوا رؤوسهم في الأرض مقبلين جزماته، فيرد عليهم التحية بوضع قدمه بقوة على رقبة كل منهم حتى تندس في التراب. وإضافة إلي الأوامر التي تلقاها من قادته استعمل كل ما خطر بباله من بطش ليجعل نهايتهم الموت البطيء. وهكذا بدء بتحويلهم إلي عمال لقلع عدائل الملح الذي يتولاه عادة عمال محترفون يتوارثون المهنة، التي تعد قاسية جدا خاصة على من لا يعرفونها.
توجد في تاودني – كما سلف - سبخة غنية بالملح المتراص في حصائر منتشرة تحت طبقة رملية، يقوم عمال مهرة بتقطيعه في شكل قوالب لتكون جاهزة للنقل، لذلك اعتبر الضابط أنه العمل الأكثر مشقة والأنسب لسجنائه، وهو في الوقت نفسه فرصة لتطييب خواطر رؤسائه بإهدائهم ملحا وفيرا بلا ثمن. وقد فتح مقلعا بعيدا عن أمثاله ليفسح المجال أمام جنوده لإطلاق النار على السجناء في حالة محاولتهم الهروب، دون أن يعرض العمال العاديين للمخاطر.
كان المقلع الجديد يبعد 12 كلم عن المركز العسكري، يرغم السجناء على قطعها جريا على الأقدام المثقلة بالسلاسل في ذهابهم وإيابهم، يسبق ذلك ضرب مبرح عند الساعة الرابعة صباحا، موعد الانطلاق، وتكون العودة عند الساعة الخامسة مساء، تتخلل ذلك استراحة لمدة 5 دقائق لتناول الغداء المكون من حب الدخن الأحمر الغليظ نصف مهروس، لم يكتمل نضج طبخه، وهو عادة يحضر كعلف للماشية، لكنه هنا يخلط بالتراب والحصى ( أرارش).
ولم يكن للسجناء الحق بعد يومهم الشاق المنهِك في فسخ ثيابهم مما جعل أجسادهم مرتعا للقمل، مثل ثيابهم المتلبدة من شدة الاتساخ، والتصاق الحصباء المبللة بالعرق، والتي تتساقط قطعا بعد أن تيبس. وليس للمصابين منهم الحق في استراحة مرضية، بل يحملهم زملاؤهم إلي المقلع يوميا، ويتركون مرميين في الرمضاء، حيث تصل الحرارة 50 درجة في الظل. وكان الملازم كانتاو فخورا بما حققه من نجاح في استخراج عدائل الملح، وبما أصاب السجناء من ضعف وهزال.
وفي أحد أيام يناير، وكتهنئة للسجناء بالعام الجديد، أعادهم إلي المقر قبل الوقت المحدد، مما جعلهم يتصورون أنها لفتة رحيمة، خاصة وأنهم سقطوا على الأرض عند وصولهم لشدة الإرهاق. وعند مدخل المركز كانت هنالك عديلة ضخمة نقش عليها كانتاو "أول عديلة استخرجها الخونة يوم فاتح يناير 1970 " ثم غادر وهو يتضاحك قائلا "لقد أعدتكم باكرا اليوم حتى تقرؤوا في ضوء النهار هذا الإهداء المنقوش تكريما لكم، وسترسل في الغد إلي القيادة العليا كشاهد على إسهامكم الفعال والطوعي في الإنتاج الوطني في جنة الصحراء هذه.
واتهم الملازم السجناء بمحاولة رشوة أحد جنوده الذي فرض عليه شهادة زور، ثم أبلغهم أنهم سيعدمون في الصباح، مما كان له وقع لا يتصور عليهم، وعند بزوغ الشمس ساقهم مقيدين بالسلاسل ليجدوا أمامهم فرقة إعدام مؤلفة من 12 جنديا، مما صدق لديهم تهديده، وبادرهم: بأنهم لم يذكروا خلال استجواباتكم السابقة جميع شركائهم في المؤامرة، لذلك سيترك لهم حياتهم إن أقروا بهم اليوم، لكنهم رفضوا الرد عليه كرجل واحد، فكانت العقوبة الضرب بأعقاب البنادق والعصي حتى تقيئوا الدماء.
ثم جاءت للملازم فكرته السادية لبناء حصن في تاودني مساحته 2500م2، فأمر السجناء بحفر بئر بأدوات قليلة وصنع 100 طوبة من الآجر لكل منهم في اليوم، وهو رقم خيالي لهؤلاء التعساء الذين يُختم يومهم - في معظم الأحيان - بالضرب المبرح على كل الأعضاء دون أي سبب.
وكان البناء يسقط كل ما علا، لجهل السجناء بالمهنة؛ وعندما مات أحدهم من شدة التعذيب والجوع رفض دفنه في مقبرة السبخة لأن السجناء لا يستحقون ذلك، وأمر بإلقائه بعيدا عن الحصن، مما جعل زملاءه يعودون إليه في الصباح ليدفنوا ما أبقت بنات آوى من جثمانه.
وكان الملازم يتباهي بإنجازه ويقارنه بالأهرامات التي بناها الفراعنة في مصر [إنه إنجاز سيخلده له التاريخ] وهو ما تحقق بالفعل حيث بقي الحصن الذي أملته إرادة رجل مريض بجنون العظمة، وكلما هبت عاصفة رملية يكون صداها في الحصن كصياح وأنين كل من سكب دمه على طوب هذا البناء المنحوس. وقد تناوب على قيادة المركز العديد من الضباط وصف الضباط، لم يكونوا كلهم بقسوة الملازم كانتاوو إلا أن الأقل تشددا يلقون العقاب، وأقله الحرمان من ترفيع الرتب حتى التقاعد.
ورغم اكتشاف مؤامرة جديدة لإسقاط النظام في باماكو واعتقال القادة السابقين من قبل الرئيس إلا أن من حلّوا محلهم كانوا أشد قسوة من سابقيهم الذين نقل العديد منهم إلي تاودني ليعيشوا مع من لم يمت من السجناء الأولين.
وقد رفعت عن النقيب "بازاني" الرقابة، إذ لم يعد يشكل أي خطر، وأصبح من بين السجناء مجرد جثة متحركة، ، بلا لحم ولا أعصاب، مثل التمساح الجائع، يزحف في تنقله على يديه وركبتيه، تاركا خلفه خطوطا عميقة في الرمال الحارة، من السهل اقتفاؤها، ولم يعد له من العمل إلا جمع بعر الإبل حول البئر لغرض الطهي، وقد قيل إنه فقد ملكة النطق بسبب العزلة الطويلة التي يعيشها، لكنّ من نظر إليه عن قرب يرى بقية بريق، يشكل نوعا من التحدي لسجنائه. وأمام تعلقه بالحياة تجرأ الملازم كانتاو على اتخاذ قرار خطير العواقب أمام التاريخ وهو قتل هذا السجين الذي كان بلا شك الهدف النهائي، وطريقة التنفيذ متروكة له. وفي أحد الأيام استدعى الجندي الطارقي الشاب سالم آگ سالم ودار بينهما الحديث التالي:
-    سالم، هل صحيح أن أخاك قتل في التمرد (1963)؟
-    مع الأسف نعم، وما أزال أبكيه، يرد الجندي
-    هل ترغب في معرفة ظروف موته، وقاتله؟
-    إنني أجهل ذلك، لأنني كنت صغيرا. آه! نعم، وألف نعم! إنني أحب أن أعرف القاتل، وبالي لن يهدأ قبل أن أقوم بالواجب المقدس، وهو الثأر لدم أخي
-    اسمع جيدا. كان أخوك شجاعا بين الشجعان، عرفته قبل التحاقه بالتمرد، وأنتما تتشابهان كقطرتي ماء. لقد قاتل من أجل قضيته، لكنه فوجئ مع صحبه بسبب وشاية، خلال عملية تمشيط للجيش، دارت خلالها معركة دامت صبيحة يوم كامل. وبعد استنفاد ذخيرتهم استسلم أخوك ومن بقي معه من زملائه، ورفض بإباء الإدلاء بأية معلومات لمحققي شعبة مخابرات المكتب الثاني رغم التعذيب، بل بلغت به الجرأة حد البصق في وجه الضابط الذي يستجوبه، موقعا بذلك صك موته.   
كان أخوك يفضل الموت وسلاحه بيده، لكن ذلك لم يقع، بل أجبر على شرب قدح من البنزين، ثم صُب على جسده المتبقي وهو حوالي ثلاث لترات، وأشعلت النار فيه، لكنه قابل ذلك برباطة جأش ودون أن يطلب الرحمة أو يُصدر أنينا، حتى انفجر كالقنبلة. وكان الضابط يتوقف بين الحين والآخر ليرى وقع سرده التمثيلي للقصة على الشاب الطارقي، الذي انكسر قلبه وهو يبكي بدموع حارة، يرتعد جسمه من شدة الغضب والتأثر، منتظرا أن يكشف له اسم القاتل، إلى أن سمع: هل أنت مستعد لأخذ الثأر لأخيك، عندما أكشف لك عن اسمه؟
-    كيف لي بذلك؟ وكيف الوصول إليه؟
-    قل لي نعم، وسأقدمه لك في الدقائق الآتية
-    نعم! نعم! نعم!
-    حسنا، ياصغيري، إنه النقيب بازاني، الذي قتل أخاك الأكبر
-    لا، هذا غير ممكن!
-    إنها الحقيقة بعينها، وهو الآن نحو البئر، فهو لك ، سالم، افعل به ما تريد، اقت...
ولم ينتظر سالم إتمام الجملة فطفق يعدو مطلقا صيحة الحرب، كما يفعل أجداده عند الهجوم، وفي الطريق أخذ دبوسه متجها إلى البئر، مواصلا صيحاته. وفي هذا الوقت كان النقيب بازاني الذي يجهل أن مصيره قد تحدد، منبطحا على وجهه فوق الرمال الساخنة يضع يديه على رقبته ليقيها حر الشمس، بعد أن أنهى نوبته من جمع البعر حول البئر. وقد وصلت إلى مسامعه صيحات سالم كالصدى، ولم تكن غريبة عليه، لأنه سمعها من قبل في الجبل، ثم بدأت تقترب، غير أنه كان يجهل أنها موجهة إليه.
وقريبا من جسد النقيب بازاني المشوه توقف سالم، والنقيب رافع رأسه إليه ليتلقى في الوجه حثوة تراب أثارتها جزمات الجندي الطارقي الشاب، وعند فتح عينيه عرف دبوس الراعي البدوي المخيفة ذات الرأس المدبب كراس الثعبان، وتكشيرة في وجه سالم، ورغم حاله الضعيف حافظ النقيب على بعض الوعي، مدركا أن أجله قد حان، حيث نزلت العصا على رأسه ليلفظ أنفاسه الأخيرة. وبذلك فقد النقيب ديبيى سيلاس ﭽارا، "أسد الصحراء" سيد كيدال، قاهر التمرد، معركته ضمن صراع الحياة الفانية.  
  إن الإرادة الإلهية تسوقنا حتما – فرادى وجماعات – إلى مصيرنا، كما ساق النقيب بازاني معه إلى هذه النهاية المفجعة معظم الضباط وضباط الصف الذين شاركوا في حملة كيدال، خاصة الملازم سام الذي أشرف على قتل فيلي دابو سيسوكو وحامادون ديكو وقاسم تورى، فقد ظلت تربطهم سلسلة خفية حتى الرمق الأخير من حياتهم" . يتواصل 


الأحد، 8 يوليو 2012

"أوراق" عن أزواد /الرابعة/ موديبو كيتا: زعامة على جثث رجال الدين والسياسة


  كانت سنتا 1963 و1964 فاصلتين في تكريس النظام الاشتراكي نهجها لمالي، وموديبو كيتا قائدا أوحد له، وزعيما إقليميا، بعد أن صالح كلا من المختار بن داداه (بإغلاق مقرات "جيش تحرير موريتانيا" وإبعاد زعيمه) واليوبولد صينغور، وموريس ياميوڴو، الذين خاصمهما طويلا بسبب رفضهما الاستمرار في مشروع الوحدة بينهم، وظل يعتبرهم عملاء لفرنسا والدول الاستعمارية، بينما اختار هو التحالف مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية، ليصبح أحد أركان نادي الزعماء الثوريين في القارة السمراء (عبد الناصر، أحمد بن بله، كوامي نكروما، سيكو تورى).
  وساقت له الأقدار فرصة سطع بها نجمه، عندما اختارته منظمة الوحدة الإفريقية وسيطا - إلى جانب الإمبراطور هيلى سيلاسي – في النزاع الحدودي المباغت الذي اندلع بين الجزائر والمغرب في 8 أكتوبر 1963، وسُمي حرب الرمال، واستمر ثلاثة أسابيع. وقد نجح الوسطاء في جمع  الملك الحسن الثاني، والرئيس أحمد بن بلّه في باماكو مع نهاية السنة، وهو ما استغله الرئيس المالي دبلوماسيا وإعلاميا، حتى أصبح في أعين الكثيرين أحد حكماء المنظمة التي كانت في أمس الحاجة لكسب الصدقية بعد مولدها العسير، قبل ذلك بعدة أشهر في أديس أبابا؛ حيث كان على رأس أهدافها - مع استكمال تحرير القارة - تحقيق الاستقرار والنمو، الذي كان مستحيلا في ظل الحرائق التي تندلع هنا وهناك بين دولها، التي ترك لها الاستعمار حدودا، شكلت ألغاما كانت تفجر بين الحين والآخر نزاعات خطيرة.
  وكانت الثمرة المباشرة لهذا النجاح في الجمع بين الجارين توطيد علاقاته بهما، وكسبهما إلى جانبه في محاربته لثوار أزواد، حيث قبلتا التخلص من ثوار أزواد أو مناصريهم الموجودين في أراضيهما، فسلمت الجزائر مجموعة منهم برئاسة قائدهم انتالّه آڴ الطاهر، وسلمت المغرب محمد آعلي آك الطاهر، ليوضعوا في السجن طيلة حكم موديبو كيتا، وجزء من فترة موسى تراورى ؛ وتحقق لباماكو ما كانت تحتاجه من تأييد، خاصة من دول الشمال الإفريقي الأقرب إلى أزواد جغرافيا وعرقيا وثقافيا، واطمأنت إلى أنها قادرة على استئصال المعارضة السياسية في الداخل، والثورة الأزوادية، وبذلك تكون في مأمن من الضغوط الخارجية.
وهكذا واصلت كتيبة النقيب "بازاني"  في أزواد مطاردة الثوار في المناطق التي ينشطون فيها كثيرا بآدرار إيفوقاس والجبال المتاخمة للجزائر والنيجر، ونجح إلى حد كبير في عزلهم عن مصادر تموينهم الدائمة، وهي مخيمات البدو، التي حاصرها الجيش في مجال ضيق قرب دشرتي كيدال ومنكّه، أو أبعدها إلى ضفة نهر النيجر، حيث الكثافة السكانية وسهولة الرقابة، إضافة إلى ما زرعه في نفوس السكان المسالمين من خوف نتيجة القمع الوحشي.
  ظل "أسد الصحراء" في حيرة من أمره أمام العجز عن القضاء على المجموعات المتحركة الباقية من الثوار، والتي تحرمه من كسب المعركة وإعلان الانتصار، رغم التعزيزات التي أُرسلت له، فتلقى التوبيخ من قيادته العليا، مما زاده شراسة ووحشية في التعامل مع السكان. وخضع للرأي الذي ظل سحرته يحاولون إقناعه به، وهو أن مفتاح نصره يكمن في القضاء على شيخ دين ضرير تقيم حلته بين المخيمات البدوية التي ينتمي إليها معظم الثوار، وأنه مَنْ يمنع الجيش من الوصول إلى معاقلهم لأنهم محصنون بحكمة الاستتار التي يُرقيهم بها.

"يوم النصر العظيم"

أخذ "أسد الصحراء" بالنصيحة وقرر التخلص من الشيخ، فعبأ وحدة عسكرية مؤللة، ضمت أشد رجاله بأسا من ضباط وجنود، إلى حلة الشيخ فحاصروها، وجمع الرجال والنساء تحت تهديد السلاح، ثم اتجهوا إلى خيمته، التي وجدوا فيها بعض أبنائه بقيادة أكبرهم سيدْ مْحمد ومجموعة من المريدين، الذين تحفزوا لمواجهة المعتدين، لكن الشيخ نهرهم قائلا "لا طائل من وراء ما تريدون، هذه إرادة الله التي لا مرد لها، ولتعتنوا بأهلكم وعيالكم وحلّتكم"؛ وباشر الجنود نقله دون أن يشرحوا أسباب الاعتقال أو يتركوا لأحد من أفراد أسرته فرصة مرافقته، أو اصطحاب بعض متعلقاته.
  وبعد ساعات من السير وصلت القافلة إلى مقر القيادة، فأنزلوا الأسير، واحتجزوه في مكان ضيق، دون أن توجه إليه أية أسئلة، في انتظار الوقت المحدد لخروجه "حيث كان النقيب قد بعث رسله لإبلاغ سكان كيدال والأحياء البدوية المحصورة حولها بالتجمع في الساحة العمومية، في يوم موعود، لحضور حفل خاص" . وعندما اكتمل الحشد، تحيط بجنباته قوات مدججة بالسلاح خرج "أسد الصحراء" بلباس الميدان، يداعب بيده خيزرانة القيادة، ويحف به حراسه وأركان حربه. "وأمام الجمهور، وفي يوم مشمس (سنة 1963) أمر بوضع حبل المشنقة في رقبة الشيخ ليعلق على عمود منصوب وسط الساحة، يقابله مدفع رشاش من عيار 12.7، وخاطب النقيب الجمهور قائلا: [إن من ترونه اليوم هو الرجل الذي يدّعي القدرة على توفير الحماية لأزواجكم وأبنائكم وإخوانكم، ويعتقد فيه الكثيرون، مما يدفعهم إلى الموت كالعميان. وقد قررت اليوم امتحانه أمامكم جميعا، ولن أغشه، فأسمح له بلبس كل حجبه، وإن خرج منتصرا، فسأضع على صدره الأوسمة، وأُصبح أحد مريديه المخلصين] ثم أعطى إشارة لآمرِ بطّارية المدفع الرشاش، وانطلق أمر جامد [النار] فقذف الرشاشُ ثلاث دفعات [گوگوگ! [گوگوگ! [گوگوگ!] حيث اهتز في كل منها الشيخ، قبل أن يسقط على رؤوس أقدامه فوق الأرض  ثم صاح النقيب "بازاني" على الجمهور المذهول [صفّقوا] فانطلق التصفيق ومعه الزغاريد، غير أن النقيب لا يجهل أن الزغاريد كانت للشيخ حتى بعد موته.
  وكل من يعرف أوساط البدو المؤمنين، يدرك أن الغيب والأسرار جزء من حياتهم، (وعليه فقد) خسرت الثورة أكبر معركة وهي النفسية، حيث أن الشيخ الذي سقط تحت الرصاص قبل قليل، كان قوة معنوية لها، ولم يبق لقادتها بعد اليوم أي حظ في النصر، إلا بالاعتماد على الشجاعة والجسارة" .
  إن الشيخ المعني هنا هو سيدي حيبللّ (حبيب الله) بن الشيخ عابدين بن سيد مْحمد الكنتي بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي، وقد كان لاغتياله صدى مدو في أنحاء أزواد بل في جمهورية مالي وفي الدول المجاورة لها، خاصة موريتانيا التي تناقل الناس فيها الخبر بعد وقوعه بعدة أشهر، بسبب بعد المسافات وندرة الاتصال. وكان أول ما اشتهر به سيدي حيبللّ أنه في العشرية الأولى من القرن الماضي - وعند ما كان معتقلا في مدينة باسام بكوت ديفوار مع إخوته، لحملهم السلاح ضد الفرنسيين  – حقق إنجازا اعتبر خارقا، كان سببا في إطلاق سراحه، وهو تصديه لأحد الزواحف الذي يبتلع البشر والماشية، ظهَر قرب إحدى القرى القريبة منهم، والتي استنجدت بالإدارة المحلية، التي عجزت عن القضاء عليه، لاختبائه في الغابة كل ما حس بالخطر؛ وعند ما علم الشاب السجين بالحكاية أعلن أنه قادر على قتله، ولا يريد إلا تزويده بسيف، فأعطي له، وتمكن من القضاء على هذه الدابة ، مما كان سببا في إطلاق سراحه دون إخوته، الين مات منهم البعض في السجن.
   ومن المعروف أن والدهم الشيخ عابدين كان من أوائل من حمل السلاح وقاد عشرات الحملات الجهادية ضد الاحتلال من سنة 1894 حتى سنة 1916، فكبده خسائر فادحة، قبل أن ينتقل إلى جنوب المغرب، ويقيم  حضرته التي ظلت منطلق الغزوات على قوات الاحتلال في أزواد وضفاف نهر النيجر والشرق والشمال الغربي من موريتانيا، وهو ما واصله أبناؤه حتى الثلاثينات من القرن الماضي، هم الذين استشهد منهم في الجهاد ستة.
   وبعد إطلاق سراحه عاش سيدي حيبللّ في مضارب أهله بمنطقة آدرار إفوقاس التي ولد فيها سنة 1884. وقد أصيب في مقتبل العمر بمرض الجدري ففقد بصره، لكن ذلك لم يزده إلا حيوية ونشاطا وعلوّ همة. فكوّن حلة عامرة، وانكب عليه الناس من كل حدب وصوب، لما ظهر على يديه من كرامات، ولسريان الحكمة في يديه، ولكونه مرجع أزواد والمنطقة كلها في معرفة سر الحرف، كما اشتهر بالكرم والإنفاق في سبيل الله، وكان يوزع الطعام والحليب وأتاي والسكر مجانا على أسر حلته ، الذين يحظر عليهم اقتناءها بأموالهم الخاصة.

فيلي دابو سيسوكو


حامدون ديكو

 اغتيال زعماء المعارضة

أما الفعلة الشنيعة الثانية التي ارتكبها الرئيس المالي موديبو كيتا فكانت اغتياله في ظروف غير إنسانية لكل من فيلي دابو سيسكو وحامدون ديكو ورجل الأعمال قاسم تورى، الذين حمّلهم مسؤولية مظاهرات التجار الكبرى في باماكو في 20 يوليه 1962 ضد التأميم وإنشاء الفرنك المالي. فقد بعثهم بعد الحكم عليهم بالإعدام الذي خففه إلى المؤبد إلى كيدال ليعيشوا في ظروف شديدة القسوة، نفسيا وماديا فكانوا يقومون خلال النهار بتنفيذ أشغال شاقة لا تكاد أجسامهم تتحملها، وفي الليل يسقطون على حصير بال لا يكادون يتحركون من شدة الإرهاق، وهكذا دواليك خلال سنتين.
  وقد وصف العقيد آسيمي دنبلى مؤلف كتاب التحويل الأخير طريقة قتلهم: "في ليلة من ليالي كيدال الحارة تلقى النقيب "بازاني" رسالة مشفرة استدعى بعد قراءتها الملازم "سام" الذي يثق فيه، وخاصة لتأدية المهام العويصة، التي تضاهي أسرار الدولة، وذلك لكونه كتوما وفعالا ومتعلقا بشخصه؛ وكان فحوى الرسالة ثلاث كلمات [التحويل النهائي للطرود الثلاثة]  أي السجناء السياسيين الثلاثة إلى مكان آخر، حرصا على سلامتهم، كما أخبرهم رئيس المركز الذي تحدث إليهم. وعند ما أرادوا اصطحاب بقايا ملابسهم وفرشهم البالية أُفهموا أنهم سيتلقون أحسن منها في المركز العسكري القادم. وغادرت المجموعة في اتجاه تازيجومت مقر مركز عسكري أكثر أهمية. وكان الرجال المرافقون يعتبرون أنهم في مهمة عادية، ويجهلون تماما الطبيعة السرية لرحلتهم. والوحيد الذي كان على اطلاع على حقيقة الأمر هو ضابط الصف الذي يقود القافلة، الذي أُخبر بأنه سيلتقي في منتصف الطريق الملازم "سام" بأحد الأودية بين مركزي بوڴيسه وتازيجومت. وعندما وصلت القافلة إلى المكان المحدد كان الملازم "سام" في الانتظار، حيث توقفت السيارات وطُلب من السجناء ومرافقيهم التوجه إلى مرتفع حجري. وبما أن الثورة في أزواد لم تهزم بعد قام ضابط الصف بتوزيع جنوده في مواقع قتالية حول المجموعة، حتى لا يتعرض لمفاجأة غير سارة، وأبقى الملازم "سام" معه مجموعة من الجنود والڴوم المسلحين ببنادق كلاشنيكوف الرشاشة. وعندها بدأت الشمس تميل، وتنزل الغربان والنسور على شجرة شوك قريبة، كما لو كانت تنتظر حدوث شيء ما في هذا الموقع الضائع في الصحراء.
  ثم قام الملازم بوضع السجناء الثلاثة أمامه وأبلغهم بصوت متأثر بقرار القيادة العليا. إنها لحظة قاسية أن يسمع فيها إنسان أنه سيغادر هذا العالم بعد عدة دقائق!
  وكان الضابط سيترك الجثامين مرمية في الصحراء كالكلاب لو أن حمادون ديكو لم يطلب وضعهم في قبور، ومن الصعوبة بمكان أن يرى إنسان رجلا كالهيكل العظمي، وليس لديه ما يخاف عليه، مصمما على أن يبقى واقفا، مرفوع الرأس في وجه ضابط مخيف ذي دم بارد. وأمام هذا الطلب الجسور رد الملازم "فليكن! وليحفر كل منكم قبره بسرعة، فالوقت ضائع" ووحده ديكو حفر قبره بحجر حاد، كما كان يفعل الإنسان البدائي، رغم وجود أدوات لذلك في سيارات القافلة، أما سيسوكو وتورى فلم يفلحا في إنجاز المهمة، لتقدمهما في السن وشدة تعبهما. واعتبر الضابط أن الحُفر التي أنجزت بشق الأنفس، أحسن من خندق جماعي، وكافية كقبور، وعندها أمرهم بالتوجه إليها والنزول فيها، فساروا بهدوء وسكينة، رافضين مساعدة الجنود المشفقين عليهم، ودون أن تصدر منهم أي حركة تفسًّر على أنها من أجل البقاء في الحياة لثوان بائسة. وفي اللحظات الأخيرة خاطب فيلي دابو سيسوكو الضابط قائلا "أيها الملازم افعل واجبك كجندي، لكن واجبك كضابط لا يسمح لك بالغرق في الخزي، وكما أحُس لا تطلق الرصاص علينا من الخلف، وإلا فإن هذه الفعلة ستلاحقك طيلة ما تبقى لك من العمر".
  عندئذ، وجد الضابط نفسه في مواجهة ضميره، وأمرهم بالبقاء وقوفا، ينظرون أمامهم دون حراك فرقة الإعدام على بعد 15 مترا، دون أن يغمضوا أعينهم لحظة، أو يصدر عنهم صوت أو أنين، في مواجهة الأسلحة المصوبة إلى صدورهم.
صاح الملازم سام "الفرقة! استعداد! اشحنوا المسدسات
وسُمعت قعقعة الآلة المخيفة.
-    بزخَات
-    النار
ودوى الجبل كله لضجيج رصاص المسدس الرشاش الذي اخترق أجساد الرجال الثلاثة فحصدها. ولم ير الضابط أي ضرورة – عكسا للقاعدة – أن يطلق على كل منهم رصاصة الرحمة؛ مما يطرح التساؤل: هل كان هذا إعداما حسب الأصول؟. أليس هذا اغتيالا، بعد ما أُلغي حكم الإعدام، وحُوّل إلى المؤبد؟.
  صاح الملازم سام في الجنود قائلا [اطمروهم بالتراب] لكن الحُفر لم تكن عميقة لتغطي الجثامين، مما حتم ردمها بالحصى الخشن (أرارش) بينما كانت أكفانهم الدراريع الملطخة بالدماء.     
   ورغم أنهم مسلمون لم تُقرأ عليم {الفاتحة} ولم يصلّ عليهم، غير أنه في نهاية الفعلة المخزية رفع أحد الڴوم المسلمين – بدل تلاوة شيء من القرءان الكريم – صوته قائلا {الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!}؛ ثم أبلغ الملازم رؤساءه إنجاز مهمته في رسالة مشفرة، فحواها [تمدرس الأطفال]."  وكانت الرواية الرسمية أنه خلال نقلهم إلى موقع جديد، جرى اشتباك مع الثوار، فحاولوا الهرب مما اضطر الجنود إلى إطلاق النار عليهم. يتواصل

الأحد، 1 يوليو 2012

"أوراق" عن أژواد/ الثالثة/ النهج الاشتراكي: رفض في مالي وثورة في أزواد

فشل اتحاد مالي وإعلان الاستقلال


في 4 إبريل 1959 حدث تطور مهم هو قيام اتحاد باسم مالي بين سنغال والسودان وحدهما، بينما كان الطموح ضم مستعمرات فرنسا في الغرب الإفريقي، التي قبل البعض من زعمائها الفكرة في مؤتمر بماكو من العام نفسه، كفلتا العليا وداهومى، بينما رفضتها موريتانيا لأسباب وجيهة، تتعلق بتركيبتها السكانية وموقعها الجغرافي الذي يحتم عليها مراعاة التوازن في علاقاتها بشمال إفريقيا وغربها، وهو المنطق الذي أقنع به المختار بن داداه حليفه وصديقه سيد المختار بن يحيى انچاي، مما جر عليه غضب قادة الدولة الجديدة.  أما هوفويت بوانيى فكان ضد الفكرة أصلا، مما حدا بواغدڴو وكوتونو إلى التراجع باكرا عن موقفيهما، ويكونان مع أبدجان ونيامى مجموعة دول الوفاق. وقد أعلن استقلال الدولة الجديدة في 20 يونيه 1960، لكن عقدها أنفرط أقل من شهرين بعد ذلك، وأعلنت سنغال الانفصال، وأبعدت موديبو كيتا بطريقة مذلة، وكذلك الوزراء السودانيين في الحكومة الاتحادية والضباط وكبار الموظفين بالقطار إلى بماكو، يوم 21 أغشت، ثم يعلن استقلال السودان من جديد في 20 شتنبر 1960، باسم مالي. 
  لم يكن في أژواد أي أثر للاحتفال بهذه المناسبة، لأن الغالبية تعيش في عالمها المنعزل، أما القلة المتابعة للأحداث من الوجهاء فكان صدمة لهم، لأنهم كانوا يتوقعون إقامة المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية التي مُنّوا بالانضمام إليها والانفصال عن السودان، لتتحقق مطالبهم الوطنية في دولة خاصة بطوارق الصحراء الكبرى والمجموعات المهمشة ذات الأصول الأمازيغية في شمال تشاد.
  ومما يؤكد الاتهامات لفرنسا بأن مشروعها بتكوين موطن للأقليات الأمازيغية في الصحراء لم يكن إلا للإبقاء على الجزء الأكبر من الجزائر، كونها لم تحرك ساكنا خلال فترة الاحتلال، لتنصف تلك الأقليات وتعتني بأقاليمها التي تشكل أحيانا مساحاتها الجغرافية أغلبية أراضي الدول المعنية كأژواد، الذي ظل مربوطا بالسودان، لا يتمتع بما للأقاليم الأخرى من حظوة في التنمية والخدمات، ولا هو إقليم متميز بحكم إداري يضمن له تسيير شؤونه الذاتية، ويراعي خصوصياته الجغرافية والثقافية ونمط عيشه، ويعتني بتنمية موارده.
وفور قيام الدولة الجديدة تنمرت على أهل أژواد، في سعي واضح لتقتل في وجدانهم أي أمل في التميز عن بقية أقاليمها؛ فشددت قبضتها على الأرض والسكان، واستهدفت خصوصيتهم الثقافية، فشرعت في محاربة اللغة العربية، بمنع أي دعم حكومي لتعليمها في المدارس الرسمية، وضايقت المدارس الأهلية من كتاتيب ومحاظر، حتى التي تتمتع بشهرة إقليمية في جوامع ومساجد تنبكتو وڴاوو، أو في المراكز والبوادي، وبذلك كانت الحارس الأمين لمشروع فرنسا بالقضاء على اللغة العربية والحرف العربي، الذي كان أحد ركائز السياسة الفرنسية في مستعمراتها ، وكان ذلك سببا رئيسيا في التنافر بين السكان والأجناس الذين وحدهم على مدى التاريخ الإسلام واللغة العربية وحرفها. وقد ألغت السلطات الرسمية اسم أژواد من الأدبيات الإدارية والسياسية، ووزعت الإقليم إلى ولايتين ثم ثلاث، أسماؤها أرقام متسلسلة.
 
  
موديبو كيتا يستعرض شباب حزبه
 
 أصبح تطبيق القرارات التي اتخذها المؤتمر الطارئ لحزب الاتحاد السوداني الحاكم نهاية 1960 باعتماد الاشتراكية نهجا سياسيا، فتشكلت فورا شركات عمومية تسيطر على الاقتصاد والتجارة، فهيمنت الدولة على كل الأنشطة الاقتصادية من زراعة وتجارة وتنمية ماشية. وشرعت في تطبيق ذلك على البدو الرحل، فعبأت موظفي الإدارة المحلية وشباب الحزب لجمع مخيماتهم في أماكن قريبة من المراكز الحضرية، لتسجل في دواوينها المواشي وملاكها، بعد أن كان الأمر في العهد الفرنسي مجرد إقرار المالك بجزء يسير من مواشيه، يدفع عنه العشر، وتبع ذلك قرار أكثر غباءً، وهو إخضاع تجارة الماشية مع الدول المجاورة، وحتى مع بعض ولايات مالي الأخرى، لأذون خاصة، تحدد عددها ونوعها.
  وقد ظهرت على الفور معارضة بعض السياسيين والتجار والمزارعين لهذا النهج، ومن أبرزهم زعيما حزبين صغيرين يرأسهما اثنان من الزعماء السياسيين هما فيلي دابو سيسوكو، وحمادون ديكو، والتاجر قاسٌم تورى مما أدى بهم إلى الاعتقال، ثم الاغتيال، واشتد القمع مع اتساع المعارضة ليشمل التجار والمزارعين والمنمين، في مالي كلها، وكان لأژواد نصيبه، حيث تمت مضايقة تجار تنبكتو المنتشرين في المدن الرئيسية المالية، قبل أن تؤمم ممتلكاتهم أو تخضع للرقابة.
  وما أن حلت سنة 1963 حتى وصل أژواد ما حل بمالي الأخرى، من خنق للحريات السياسية والكساد الاقتصادي، وتدهور أوضاع البادية التي زادها حدة شح الأمطار الذي كان مقدمة لموجات الجفاف التي ضربت أژواد ومعظم مناطق الساحل والصحراء، مع تبخر مشروع المناطق الصحراوية نهائيا بعدما سكّن الخواطر فترة من الزمن، واستقلت دول الساحل ضمن حدودها الموروثة عن الاستعمار، وبسطت الجزائر سيادتها على صحرائها الشاسعة. وقد عبر عن حالة اليأس هذه بعض الزعماء الأژواديين الذين خاضوا معركة حصول أژواد على وضع سياسي وإداري يخرجه من محنته، ويضمن للسكان كل حقوقهم، معتبرين أن فرنسا قد خانتهم. وكان أبرز تلك الشخصيات محمد آعْلي بن الطاهر الأنصاري، وهو شخصية سياسية من الطراز الأول، ينتمي إلى قبيلة كلنصر، كرّس حياته لقضيته، فزار مع موريتانيا بعض الدول العربية، مثل الجزائر والمغرب وليبيا ومصر والسعودية، والتقى بزعمائها، مناشدا إياهم دعمه في حق أژواد في الخروج من قبضة الحكم المالي المتشدد، لكنه اصطدم بجدار من التحفظ والخوف لدى الأقربين، وجهل عرب المشرق بالقارة الإفريقية البعيدة عن مجالهم التقليدي كالسودان والحبشة وما جاورها .

ثورة في أزواد وقمع وحشي

  نتيجة للحالة المأسوية في الإقليم انطلقت احتجاجات عديدة في المدن والبوادي شارك فيها شباب ورجال، فواجهتها السلطات بالقمع والاعتقال الذي لاقوا فيه أنواع التنكيل، ولم تجد شفاعة رؤساء القبائل والوجهاء، لإطلاق سراحهم بل نقلوا إلى سجن كيدال سيئ الصيت، ليجدوا أمامهم معتقلين من سياسيي مالي البارزين، المعارضين للنظام، فعم الغضب ربوع أژواد، واندلعت ثورة 1963 التي قادها الطوارق، وخاصة أبناء قبيلة إفوُقاس المعروفة بقوة الشكيمة ورفض الضيم، وكان أحد رموزها انتالّه آڴ الطاهر سليل إحدى أهم أسرهم، فسيطروا على حاميات معظم مناطق الشمال الشرقي ذات التضاريس الجغرافية الوعرة كآدرار إفوقاس، وتلك الموجودة في الشمال الغربي من بوجبيه نحو تاودني حتى الحدود الجزائرية. وقد لقيت الثورة تعاطفا كبيرا من جميع السكان من طوارق وعرب، فانضمت إليها أعداد مهمة من الشباب، وأنهكوا خلال أشهر قليلة القوات المالية، باعتمادهم تكتيكات حرب العصابات، التي أبدعوا فيها، معتمدين على معرفتهم الجيدة للأرض وتعاطف السكان بشتى طوائفهم.
  واعتبر موديبو كيتا أن هدف ثورة أژواد هو انفصال الإقليم، بدعم من الخارج، لأسباب عنصرية أو لزعزعة النظام، فاعتبر من واجبه سحقها بدون هوادة، مما جعل المؤرخين يعتبرونها أكثر قسوة من تلك التي شنها الفرنسيون على مجاهدي المنطقة إبان احتلالها في القرن 19. وعلى الفور عبّأ موارد البلاد المالية، وشكل كتيبة تضم الوحدات المقاتلة الأساسية التي تركتها فرنسا وعلى رأسها القوات المحمولة (المظلات) التي صارت أفضل كتيبة ضمن جيش الدولة الوليدة، وقد أبلت بلاء حسنا في الكونغو عندما أُرسلت إليه سنة 1961 ضمن قوات الأمم المتحدة، رغم أنها فشلت في حماية پاتريس لومبا أحد قادة الاتجاه الثوري الاشتراكي الإفريقي، الذي ينتمي إليه موديبو كيتا.
  وقد تولى قيادة هذه القوة النقيب "بازاني" وهو ضابط شاب انخرط باكرا في قوات النخبة الفرنسية، وشارك سنوات عدة في حرب الجزائر ضد المجاهدين، حيث اعتبرته فرنسا من الأبطال ومنحته أرفع وسام للشجاعة، كما أنه يتمتع بخبرة كبيرة في القتال بالمناطق الجبلية والصحراوية مسرح تحركه الجديد؛ وقد اختار معه في قيادته مجموعة من الضباط وصف الضباط والجنود الذين خبرهم في القوات الفرنسية ثم في الكونغو، والذين لا يعصون له أمرا، وأُعْطي جميع الصلاحيات، بحيث لا يعود في قراراته إلى رئيس أركان الجيش ولا إلى وزير الدفاع، مما شكل سابقة قوبلت بتذمر من المؤسسة العسكرية .
  وكان أول قرار يتخذه القائد الجديد الذي تسمى بأسد الصحراء عزل المنطقة الشمالية التي تجري فيها العمليات بخط وهمي اعتبره أحمر، يلامس دشرة كيدال، ويمتد ف الجنوب الشرقي حتى حدود النيجر، وفي الشمال الغربي حتى حدود الجزائر وموريتانيا، وأمر السكان الرحل بإخلاء هذا الحيز خلال شهرين، والاستقرار جنوبه؛ ودخل في معارك طاحنة مع الثوار الذين انتصروا عليه في معظم المعارك، مما جعله يلجأ إلى التكتيك الذي خبره في حرب الجزائر، وخاصة منه التنكيل بسكان المخيمات؛ والتعذيب الممنهج الذي فاق في قسوته – أحيانا - ما تعلمه النقيب في قوات المظلات الفرنسية مع البدو والمزارعين الجزائريين. وأدت به الخسائر الفادحة التي تكبدتها قواته من جراء الكمائن، إلى ابتكار صنوف من العذاب لم تخطر ببال، منها "إرغام المتهمين بممالأة الثوار بالسير مسافات شاسعة على الأقدام، في لظى حر الصحراء وتحت شمسها اللافحة، حتى الإشراف على الهلاك من شدة الإنهاك والعطش، فيقدموا لهم أواني بها بنزين يتصورونه ماء، فيكرعون فيه حتى يبتلعوا جرعات منه، وإذا لم يعترفوا بالتهم تصب عليهم بقية البنزين، وتوقد فيهم النار، فيتحولون إلى عبوات شاردة، يطلقون الصراخ، في مشهد لا يمكن لبشر أن يتحمله"  وكان نصيب نساء أژواد المتهمات باستدراج ضباط الجيش حتى يتمكن منهم الثوار، ضربا آخر مبتكرا من الوحشية "فقد تلقى ضابط تهنئة أسد الصحراء على أنه غسل يديه بدم ساخن لسيدة متهمة بالتعاون مع الثوار، عندما وجدها في أحد معاقلهم ". يتواصل

الأحد، 24 يونيو 2012

"اوراق" عن أزواد: الثانية/ فشل مشروع المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية/محمد محمود ودادي



  كانت أزواد إلى جانب إشعاعها العلمي، مصدرا لأهم بضاعة تجارية في القرون الوسطى، وحتى نهايات القرن العشرين، باحتضان طرفها الشمالي الغربي لمعادن الملح في تغازة، ثم تاودني، وأجزائها الغربية لمعدن الذهب و كذلك الخرز" الحب الحر"المرغوب في الحيز الصحراوي والذي هو بقايا من حلي مواطني الحضارات القديمة حافظ على بريقه بفضل طمر الرمال، ويشكل حتى اليوم مصدرا مهما للتجارة البينية. واعترى هذه المكانة على امتداد القرون الأربعة الأخيرة مد وجزر، ارتبط بمآلات نهر النيجر، ومراكزه المؤثرة مثل ڴاوو، تنبكتو، وڴُندام حتى موبتي وچنى، فينزل استقرارها بردا وسلاما على الإقليم، والعكس صحيح. وقد شهد القرن التاسع عشر على الخصوص موجات اضطراب، بعد اضمحلال حكم الرماة شبه المركزي في تنبكتو، مما أدى إلى ظهور زعامات محلية دينية وسياسية،كان آخرها دولة ماسينا الفلاّنية بقيادة شيخُ أحمُد، التي بسطت سلطتها على عقفة النهر حتى تنبكتو، بمباركة زعماء الحضرة الكنتية وعلى رأسهم الشيخ سيدي البكاي بن الشيخ سيدي محمد، إلى أن أسقطها خلفاء الحاج عمر، قبل تعرض الإقليم كله للاحتلال الفرنسي، ليبدأ القهر الحضاري والاستلاب والثقافي.
وقد استخدم المحتلون القوة العسكرية المفرطة ضد المقاومة مما أدى إلى معاناة شديدة من أخطرها التشرد في المناطق المجاورة مثل النيجر قبل احتلاله، وتشاد وتونس وليبيا، حيث تجاوز المهاجرون الجزائر الخاضعة للقبضة الفرنسية الحديدية، وهكذا عانى أزواد أكثر مما عانت جل المناطق المماثلة، عقابا على مقاومة شرائح كثيرة منه، بقيادة زعمائه من التوارق والعرب، الذين امتشقوا السيف والبندقية ثلاثين سنة، فخلدوا الشجاعة والإيباء الذي عُرف عن أجدادهم الملثمين في الصحراء وفي فتوحات المرابطين في الغرب والشمال الإفريقي والأندلس، فكانوا نبراسا للأحفاد يضيء طريق مقاومتهم الدينية والثقافية، كما في الصنو الغربي: موريتانيا.

  ومع عشرينات القرن الماضي عاد معظم المهّجرين إلى وطنهم، واستأنفوا حياتهم الطبيعية، وأنشطتهم التقليدية في الرعي والتجارة، خاصة منها البضاعة التي خبروها طوال قرون وهي الملح، الذي يعتمد عليه سكان جنوب النهر حتى كوت ديفوار، واستعادوا مجالات ترحالهم التاريخية، يدخلون - دون أوراق أو مراقبة - الجزائر والنيجر وموريتانيا، ويقطعون النهر إلى فلتا العليا (بوركينا فاصو) وكوت ديفوار للتزود بحاجاتهم من الغذاء والمواد الزراعية والأقمشة، ليعودوا إلى عزلتهم في صحرائهم،هروبا بدينهم من المحتل القابع في المدن والمراكز الحضرية، والذي لا يعنيه من أمر البدو إلا ما يتصل بضرورات أمنه، واستيفاء إتاواته عن الماشية والتجارة، لا يدركون ما يبيّت من خطط حول مستقبلهم؛ باستثناء أفراد من التجار والوجهاء ممن توكل إليهم مهمة تسوية مشاكلهم في المراكز الحضرية، التي تعدّ على رؤوس الأصابع؛ حيث توجد إدارة لا يعرفون لغتها الفرنسية، ولا يشتركون مع أهلها في الكثير من العادات والتقاليد، رغم التعايش ضمن الحيز الجغرافي المشترك، ووحدة الدين.

   وعندما حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها بدأت الدول الأوروبية تعيد النظر في مستقبل علاقاتها مع مستعمراتها، لضرورات إستراتيجية مرتبطة بالتحولات التي يشهدها العالم، ولصيانة مصالحها وضمان مكانتها، فأعادت النظر في وضع المستعمرات، فألغت بعضها وضمته لأخرى، وقلصت من حجم البعض لصالح الآخر، وفي كل ذلك ارتكبت أخطاء فادحة،منها عدم مراعاة الأبعاد الجغرافية والإنسانية (الدين والثقافة) ولا الموارد التي يمكنها أن تضمن البقاء لهذه الكيانات، مما جعل العديد منها مصطنعا، ما لبث أن أصبح مصدرا دائما للاضطرابات والفتن، تدارك الاستعمار بعضه في الجزء الغربي من تراب البيظان – في الأربعينات - بالتراجع عن ضم الحوض للسودان وإعادة أجزاء كبيرة منه لأصله وفرعه موريتانيا.

  وفي خضم هذه التطورات بدأ الوعي يتسرب إلى النخبة من الشيوخ والوجهاء والتجار في أزواد، ومعه إدراك واقعهم كجزء من مستعمرة السودان، التي لم تعد تضم إقليم الحوض، الذي كان "يوسّع" عليهم،فأصبحوا أقلية لا وزن لها أمام الهيمنة الكاسحة لسكان الجنوب والغرب من الَكْور، الذين كان الاستعمار قد بذل جهوده لعزلهم عن إرثهم الحضاري والثقافي، بحربه على اللغة العربية  والحرف العربي الذي كان سائدا في القارة السمراء بأسرها وعلى الخصوص في الغرب الإفريقي، تكتب به أكثر من 30 لغة، منها اللغات الرئيسية كالفلانية والماندينڴية والهوساتية والزرماتية والسواحيلية واليوروباوية لتكون العربية رابطا بين الناطقين بهذه اللغات، وبينهم والمسلمين كافة، فكانت تلك أولى التحديات الذي جاء الاستعمار لرفعها، ولم يغادر إلا بعد أن انتصر فيها  وغرق الناس في بحر من التنافر، أذكى الصراعات المتصاعدة.
وقد عبر الوجهاء الأزواديون بما يملكون من جهد عن قلقهم على مستقبلهم للإدارة، التي كانت ما تزال تحت السيطرة المباشرة للفرنسيين، لكنهم كانوا غير مبالين كثيرا بما يصدر عن أفراد، لا تدعمهم تجمعات حضرية، ذات وزن ضاغط. وأقصى ما كانوا يفعلونه "طمأنتهم"  "بأنهم سيظلون أحرارا في بواديهم، كما كانوا، ولن تكون لأحد بعد الفرنسيين سيطرة عليهم" (إشارة إلى حكام الكور)!. إلا أن تسارع المسيرة إلى الاستقلال والتمهيد لها بالحكم الذاتي، بدأ يرسخ الأمر الواقع، وهي كون أزواد فضاءً مكمّلا لمستعمرة السودان، التي يقع ثقلها في الغرب، حول أعالي نهري النيجر والسنغال، بحواضره التاريخية ذات الكثافة السكانية، والمصادر الزراعة والمائية، والتي حظي سكانها بالتمدرس والخدمات، وأصبحوا السادة الجدد، بيدهم الإدارة والجيش والثروة. بينما أهملت فرنسا طوال احتلالها أزواد، رغم موقعه الاستراتيجي وثرواته المعدنية والنفطية والغازية، وتميزه الثقافي بلغاته ونمط عيشه،مما يؤله ليتمتع بحكم إداري يضمن تسييرا ذاتيا،ضمن مستعمرة السودان (مالي).

  وعوضت عن ذلك بإطلاق بارقة "أمل" بثتها في السكان سنة 1957، مرتبطة بخططها لوقف حرب التحرير الجزائرية، الذي تفتَقت عنه عبقرية ساستها وهو مشروع يقسّم الجزائر إلى شطرين: الشاطئ، حيث الكثافة السكانية، وجزء من الوسط والجنوب والشرق، فتَمنح للأول الاستقلال، ويبقي الآخر تحت الحكم الفرنسي، بواسطة كيان جديد سمته "المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية"O.C.R.S.)) تضم غالبية مساحة الصحراء الجزائرية، بمدنها الكبرى مثل بشار وتندوف، وحقول النفط ومناطق التجارب الذرية، والأراضي المأهولة بالطوارق والعرب في النيجر (طاوه وأزواڴ) ومالي (أزواد مع ريف مدينتي تنبكتو وڴاوو) ومواطن التوبُّو والقُرعان في شمال تشاد (جميع مقاطعة بلتيم، ومثلث بوركو– أنّدي- تيبستي) (قانون 10 يناير 1958) وعينت للكيان الجديد إدارة تنفيذية ومجلسا استشاريا، وتركت الباب مشرّعا للدول والمنظمات التي تريد التعاون مع الكيان الوليد؛ الذي سوقته للطوارق والتوبُّو والعرب، الذين يشكلون أقليات في مستعمراتها ذات الغالبية الْكَوْرية، فوجدت لدى الكثيرين من زعمائهم آذانا صاغية، على أمل أن يستعيدوا حقوقهم ومكانتهم التي فقدوها، في ظل الاستعمار؛ لكن الثوار الجزائريين رفضوا أي مساس بأرضهم، كما عارضه المختار بن داداه، وموديبو كيتا رئيس مالي، لكونه سيقتطع منه أزواد، أما رئيس النيجر هامني چوري وفرانصوا تنبلباي في تشاد، فقد انحنيا حتى تمر العاصفة، لأنهما لا يريدان إغضاب الجنرال دڴول، هذا في وقت أيدت المشروع دول في المغرب العربي وغرب إفريقيا أو تعاطفت معه، انطلاقا من حسابات ذاتية، لكن ذلك لم يَحلْ دون موت المشروع نهائيا (قانون تصفيته 26 مايه سنة 1963.).
المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية

وهكذا خاب الأمل الذي علّقه زعماء أزواد على المشروع، ولم تفلح محاولاتهم في ثني المختار بن داداه عن موقفه، الذي اعتبروه تقصيرا في حق شعب أزواد من صنوه المعوّل عليه، ولم تقنعهم حجة رئيس حكومة الاستقلال الداخلي الموريتانية بـ "أنه لن يؤيد محاولة فرنسا طعن الثورة الجزائرية من الخلف بإجهاض مشروعها عبر اقتطاع أجزاء من أرضها" في وقت يكاد الجزائريون يرون بالعين دولتهم الحرة تطل على العالم من الباب الواسع، بصحرائها وثرواتها؛ بينما بقي بصيص أمل وهو انضمام أزواد لموريتانيا، قبل أن يعلن استقلاها واستقلال مالي، وتعزز الأمل بتصريحات المختار باعتبار "أزواد والصحراء الغربية جناحي موريتانيا" (خطاب أطار 1957) التي استهجنها الفرنسيون والإسبانيون، وأغضبت موديبو كيتا وجعلته ينضم إلى المعسكر المناوئ لاستقلال موريتانيا،فاحتضن "جيش تحرير موريتانيا" في باماكو، وصوتَ ضد دخولها الأمم المتحدة؛ واستمر يضغط بكل الوسائل على نواكشوط، خاصة بترسيم الحدود المتداخلة بين الدولتين، التي تركها الاستعمار في وضع غامض كالعادة؛حتى قبل المختار في قمة خاَيْ مع موديبُو معظم مطالبه، مدركا أن لا قبل له بمواجهة جاريْه الشمالي والجنوبي في آن واحد؛وانكفأت موريتانيا على ذاتها تصارع من أجل البقاء، محتمية باعتراف ومؤازرة غالبية الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، (وتونس من المغرب العربي) ثم بمنظمة الوحدة الإفريقية التي جعلت من احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، قضية مقدسة. واتضح أن الدعوة إلى الوحدة مع أزواد لم تكن إلا تعبيرا عن فورة عاطفية لزعيم دولة البيظان الغارقين في أحلامهم بإعادة أمجادهم في مجالهم الجغرافي والثقافي، حتى ولو كان دون تحقيقها آنذاك خرط القتاد.يتواصل.

الجمعة، 15 يونيو 2012

"أوراق" عن أژواد: الأولى/ تعريف/ محمد محمود ودادي


جمهورية مالي


استقلت باسم اتحاد مالي في 20 يونيه 1960 ثم أعلن الاستقلال من جديد في 20 شتنبر 1960 بعد الانفصال عن سنغال. تبلغ مساحتها 1240190 كلم 2 ( منها 822000 كلم2  في أژواد) وسكانها حوالي 11 مليون نسمة (منهم مليونان في أژواد)، هذه الدولة وريثة جزء كبير من إمبراطورية غانة، التي تأسست في القرنين 4و5 م في موريتانيا وعاصمتها كومبي صالح، قبل أن تسقط في أيدي المرابطين في القرن 11م، وهي أيضا وريثة إمبراطورية ملّي (مالي) (القرن14) قبل سقوطها على يد إمبراطورية صونغاي (القرن 15) ثم دمر دمر هذه الغزو المغربي (نهاية القرن 16).

أژواد



  
 تحد الإقليم من الشمال الجزائر ومن الشرق النيجر ومن الجنوب والجنوب الغربي نهر النيجر، وأراضي مالي، ومن الغرب موريتانيا. ومدنه الرئسية: ڴاوو (العاصمة)  تنبكتو (العاصمة الثقافية) كيدال، والثلاث هي عواصم الولايات التي يتشكل منها الإقليم اليوم حسب التقسيم الإداري لجمهورية مالي. واسم الإقليم أمازيغي، ربما مشتق من اسم نهر "زواد" الناضب، ويطلق أژواد على القسم المالي من الصحراء الكبرى، وأزواڴ على الجزء النيجري بما فيه حواضر طاوه وأڴادس.
  وتسكن الإقليم مجموعات الطوارق المنتشرون في كل الإقليم، إضافة إلى العرب ، وهم أساسا البرابيش في الغرب، وكنته في الوسط والجنوب، والصونغاي والفلان في الجنوب والجنوب الغربي، ويتحدث هؤلاء خمس لغات هي تماشق (الطوارق) الحسانية (العرب) الصونغائية أو كوروبورو (الصنونغاي) الفلانية ( إفلان). أما الموارد فظلت على مدى التاريخ تربية الماشية التي اضمحلت في العقود الماضية بسبب الجفاف والحروب، التي أجبرت أعدادا كبيرة من السكان على الهجرة. ويوجد مخزون نفطي غير محدد الحجم، كما يوجد أورانيوم ومجموعة من المعادن المختلفة، لكنها غير مستغلة. ويعتمد السكان المجاورون للنهر في رأس الماء والعقفة وفي ضفته اليمنى في ڴورمه على زراعة القليل من أنواع الذرة والخضروات، والصيد النهري، لمن سكان المراكز الصحراوية يعتمدون أساسا على ما يبعثه أبناؤهم من الخارج وعلى موارد التهريب، الذي تمتهنه مجموعات جعلت من الإقليم معبرا أيضا لتجارة المخدرات، التي تدر عليهم موارد كبيرة.
لمحة تاريخية

  يُجمع المؤرخون على أن أول من أقام مدينة ڴاوو ثم تينبكتو هم قبائل لمطه وبعض من لمتونة، وقبيلة تارڴه، ومن هذه المجموعات يتألف شعب أژواد الأمازيغي، الذي تعرب البعض منه ليصبح في عداد القبائل المستعربه مثل كلنصر الغربيين، وبعض المجموعات في كنته والبرابيش. أما الهجرة العربية الحديثة فكانت في نهاية القرن 15 على أيدي البرابيش القادمين من شمال موريتانيا عن طريق آدرار والظهر، وهم في أغلبيتهم من قبائل بني حسان، حيث تنحدر الأرومة الرئيسية من حمُّ بن حسان، وعبد الرحمن بن حسان (الرحامنه). وتبعهم الكنتيون في سنة 1130هـ 1717م انطلاقا من الساقية الحمراء، عبر تْوات والحنك وأرڴشاش.
  تحدث الرحالة والإخباريون عن أژواد في بداية القرن 14م كإقليم يتمتع بحكم ذاتي تابع مع صحرائه لإمبراطورية مالي، لكنها فقدت السيادة عليه في  حدود 1433م؛ وفي عام 1591 احتل سلطان المغرب أحمد الذهبي الإقليم وحواضره بعد أن قضى على إمبراطورية الصونغاي المسلمة؛ ومن ذلك التاريخ لم يخضع أژواد لسيطرة مركزية منتظمة حتى وصول الاستعمار الفرنسي عام 1893، والذي حيث جوبه بمقاومة شديدة من الطوارق والعرب.

موريتانيا وأژواد


    ظل شعب البيظان على طول تاريخه يعتبر أژواد امتدادا له، فقبل دخول الإسلام كان موطنا لقبائل البربر التي يعود إليها  سكانه من التوارق، وبعض أطراف صنهاجة، التي ينتمي إلى فروعها المختلفة غالبية سكان غرب الصحراء وشمالها، ومع دخول الإسلام وانتشاره، انتمت أژواد أو أطراف واسعة منها لدولة الإسلام الكبرى "المرابطون" في الطرف الغربي، فانضوت قبائل هذه المنطقة الشاسعة، تحت لواء الإسلام، وازداد التمازج بين أبنائها، ووقعت الهجرات المتبادلة، فشرّق البعض وغرَب الآخر، لنرى في موريتانيا الحالية أقواما من أصول تارقية أژوادية، وأخرى لمتونية في الشرق.  ثم جاء الانتشار العربي في الصحراء الكبرى، ليعم كل أجزائها حتى أژواد، وتزداد الروابط قوة، ويتعزز التواصل، الذي بلغ أوجه بعلاقات حواضر موريتانيا القديمة بقواعد أژواد الكبرى.
  هذه العوامل، وغيرُها جعلت من أژواد وموريتانيا صنوان، يكمل أحدهما الآخر، على طول المساحة الشاسعة التي يحتلانها في الصحراء والغرب الإفريقيين؛ وحتى في عصور غياب الدولة المركزية، ظلت العلاقات قائمة، بل نشطة بين  الطرفين، ترجح كفتُها أحيانا لأژواد، خاصة بعدما تدهورت أوضاع مدن القوافل الغربية: ودان وشينقط وتيشيت وولاته لصالح تنبكتو وڴاوو، الأژواديتين، إذ أصبحت الأولى أشهر حاضرة إسلامية في الصحراء الكبرى وجوارها، بفضل مدارسها وعلمائها الأجلاء الذين كان من أشهرهم أحمد بابا بن محمد إقيت الصنهاجي، الذي انتشر صيته حتى بلغ الشمال الإفريقي، أيام محنته، عند سقوط دولة السونغاي في مستهل القرن 11 هـ (نهاية القرن 16م). ثم جاء القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان (18و19م) لتختطف أژواد الأضواء من جديد بظهور الشيخ سيدي المختار الكبير، وخلفائه، الذين صاروا قبلة للبيظان عامة، وللطامحين إلى الارتواء من العلم، وهديه في الغرب الإسلامي، حتى تشاد شرقا والمحيط الأطلسي غربا، ومن أدغال جنوب الصحراء جنوبا إلى تخوم الجزائر والمغرب شمالا، مما أعاد لهذا الحيز إشعاعه الثقافي والديني، وعزز اللحمة بين الصنوين الشرقي والغربي، فحُفرت أژواد في الذاكرة الجمعية، كامتداد لثقافة البيظان وجزء من تاريخهم. يتواصل

الخميس، 8 مارس 2012

8 مارس عيد المرأة


يحيي العالم اليوم 8 مارس عيد المرأة، الذي بدأ في موريتانيا الاحتفال به منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وهي مناسبة يجب أن نتذكر فيها مكانة المرأة في هذا الكون، وهي التي نشأنا في رحمها، واحتضنتنا في أحشائها، وعلمتنا مكارم الأخلاق.
فلننحني إجلالا لأمهاتنا ونكرس أنفسنا لبرورهن والرفق بهن، وبأخواتنا وبناتنا، وأن نؤازرهن في معركة الحياة القاسية التي يخضنها بشجاعة وصبر وجلَد، ونعاملهن باحترام دون منة أو تعال.
 ويكفي من إعلاء شأن المرأة وشأن الذرية الصالحة التي تفي للأم بحقوقها قوله عز وجل في سورة الأحقاف {ووصّينا الإنسانَ بوالديه حُسنًا حَملته أمه كَرْها ووَضعَـتْه كَرها وحَمْله وفِصالُه ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أَشُدَه وبلغ أربعين سنة قال ربِّ أوْزِعنيَ أن أشكر نِعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والِدَيّ وأن أعمل صالحا تَرْضَاهُ وأصْلِح لي في ذُرّيتي إني تُبتُ إليك وإني من المسلمين، أُولائك الذي يُتقبّل منهمْ أحسنُ ما عملوا ويُتجاوزُ عن سيّئاتم وعْدَ الصِّدق الذي كانوا يُوعدون}

الأحد، 5 فبراير 2012

بابا أحمد بن حمّه الأمين في ذمة الله


   انتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة عاشر ربيع الأول الأستاذ بابا أحمد بن حمَه الأمين في مكة المكرمة حيث كان يجاور المسجد الحرام منذ سنة 1995، بعد مرض عانى منه خلال السنوات الأخيرة، فدفن بجوار أمه التي جاورت في نهاية خمسينات القرن الماضي وضريح أخيه لأمه، رحمهم الله جميعا، وأسكنهم فسيح جنانه، وألهم الأهل والمريدين والأصدقاء الصبر وحسن العزاء. إنا لله وإنا إليه راجعون.
   لقد أُصبت كغيري بالحزن العميق لفقدان علم بارز كرّس حياته للعلم وخدمة الناس، منذ نعومة أظافره وحتى آخر أيامه. ولد الفقيد سنة 1936 في الكرباله من ولاية البراكنه، لأبيه البكاي بن حمّه الأمين حفيد الشيخ سيد المختار الكبير الكنتي، ولأمه فاطمه بنت أبنو عمر الأبييريه. وقد فقد أباه صغيرا، لكن ذلك لم يفتّ في عزيمة الأم الصالحة التي ربته أحسن تربية، فحفظ القرءان الكريم في سن مبكرة، ثم نهل من معين حضرة الشيخ المربي سيدنا بن حمادي بن زين العابدين بن الشيخ سيد المختار، ومن هناك انتقل إلى بوتلميت.
ذكرياتي مع الفقيد
في سنة 1957 التقيته لأول مرة في بوتلميت، عندما وفدت للدراسة في معهدها العربي الإسلامي، الذي أنشأه الشيخ المصلح والداعية الكبير عبد الله بن الشيخ سيديا رحمه الله، بدعم من حكومة مستعمرة موريتانيا، لاستقبال الطلبة الموريتانيين وأبناء مستعمرات إفريقيا الغربية، قبل أن يتحول إلى مؤسسة وطنية بعد الاستقلال. 
    وبما أنه سبقني في الانتساب إلى المعهد، استقبلني بكل حرارة وغمرني منذ الوهلة الأولى بالعناية، متفانيا في خدمة الجميع، خاصة نحن الوافدين الجدد إلى الحياة المدنية، والدراسة في مؤسسة تختلف عما عهدناه في المحظرة من قراءة متن واحد، بينما كان المنهج الجديد غاية في التكثيف والصعوبة، إذ تحرص الإدارة على أن يستكمل الطالب في أربع سنوات المتون التي كانت تدرس في المحظرة خلال عشر سنوات،  مثل الألفية والكافية ولامية الأفعال ودواوين الشعر المعتمدة والعروض ومختصر خليل، إضافة إلى الحديث والأصول وصحيحي البخاري ومسلم وبعض كتب العقيدة، وقبل ذلك القرءان الكريم لمن لا يحفظه. ولم يكن بالمعهد من المراجع ما يكفي للطلبة، وهنا برز دور بابا أحمد الذي أعطاه الله موهبة في نسخ الكتب، فكان يوفر لعدد من الطلبة نسخا من المراجع المقررة مثل احمرار ابن بونه على الألفية، وطرة الحسن بن زين على اللامية، وغيرهما من أنظام وفتاوى العلماء الموريتانيين التي لم تكن قد طبعت؛ فتكاد لا تراه إلا منكبا على درسه أو ناصبا ركتبه اليمنى لنسخ كتاب، وساقُه مخضَبة بالمداد الأسود والأحمر. ويعود له الفضل في انتشار العديد من النصوص النادرة التي لم تكن متوفرة إلا في مكتبة أهل الشيخ سيديا، مثل مؤلفات الشيخ سيدي المختار الكبير وابنه الشيخ سيدي محمد. ولم يكن ذلك يمنعه – كآخرين - من القيام بنوبته في خدمة المجموعة، التي كانت في سنوات المعهد الأولى تعتمد في بعض جوانب حياتها على العمل الذاتي.
   وكان بابا أحمد في الوقت نفسه أثيرا لدى الأساتذة المدرسين، فقدمنا لهم ووفر علينا كلفة التأقلم، فاحتضننا معظمهم كالمرابط محمد عالي بن عدود أستاذنا في المختصر وابنه محمد يحيى أستاذنا في الألفية، وأحمد بن مولود بن داداه الذي يدرّسنا الشعر العربي والبلاغة، وغيرهم رحمهم الله جميعا. ومن ذلك اليوم ظل بابا أحمد أخا ناصحا وصديقا وفيا، رغم الفرقة التي فرضتها ظروف العمل، وأدت أحيانا إلى الابتعاد عن الوطن.
المعلم الباني
   بقينا معا حتى سنة 1960، لأنضمٌّ إلى الإذاعة، ويلتحق هو في العام التالي بالتعليم، فيتنقل داخل البلاد، معلما في الحوض وكيديماغا والعصابة ثم تكانت، حيث أصبح مدير مدرسة حلّة أولاد سيد الوافي المتنقلة أيام الترحال، ثم مديرا للمدرسة الابتدائية عند انتقال المجموعة إلى الرشيد؛ وهي فترة في غاية الصعوبة على سكان الوادي بل على تكانت والبلاد بشكل عام، لأنها بداية موجات الجفاف الذي أصاب الزرع والضرع، وشرد السكان؛  وأمام هذه الظروف القاسية ظهر معدن الرجل على حقيقته، من همة وصلابة؛ تحت ثوب من الوداعة الفطرية وطيب المعشر؛ إذ لا تراه إلا ضاحكا أو مبتسما، وسيطا بين الناس لا يستعصي عليه حل معضلة. فكان المعلم المجتهد والمدير المتنور، والمساعد النافع لأهله وقومه، يسير في مقدمتهم في معركتهم ضد الجهل والفقر والعزلة، وفي عملهم لتشييد حاضرة الرشيد الحديثة، بعد النزوح من البادية، باذلا علمه وجاهه وماله ليس في عمله الرسمي فقط، وإنما أيضا في المسجد ومدرسة ابن عامر، وحلقات التوجيه والإرشاد الدورية، وفي العمل الطوعي. 
   وظل سيّدي – كما يحلو للسكان أن يخاطبوه – قطب الرحى، الأب والأخ والصديق، لم يسجّل عليه في أي يوم انحياز في خلافات أو تبني موقف ناشز، أو تقاعس عن مكرمة أو بذل في أعطية أو مداراة؛ صَالحَ بأخلاقه العالية بين السكان والحكومة. إذ أن أهل الرشيد الذين نُكبت دشرتهم سنة 1908 ببطش الاحتلال - الذي ضربها بمدافع الميدان في سابقة لم تُعرف لغيرها في موريتانيا – عاشوا كالمطارَدين طيلة عقود الاحتلال، ينظرون إليه كعدو داهم، يحرّمون منافعه والاختلاط بممثليه، شاردين بدينهم في الصحاري والجبال. ولم تبذل الإدارة بعد الاستقلال جهدا لتغيير الصورة، وظل الناس مرتابين من ماهيتها، وهل هي سلطة مسلمة خالصة، أم بها شائبة من النصارى؟. وبتدينه الراسخ وسلوكه الملتزم جسد سيّدي – مدير مدرسة الحكومة - أول دليل قوي على أن شيئا قد تغير، وأن "ولاّت انْصارَ" قد انسحبوا معهم. فكانت تلك بداية لنظرة إيجابية إلى السلطة القائمة، مما جعل الناس يُقبلون على تسجيل أبنائهم وحتى بناتهم في المدرسة الرسمية، التي أصبحت إعدادية ثم ثانوية، وتخرج فيها العشرات، المسلحون بالمعرفة في مواجهة وطأة المشاكل نفسها: الفقر والجهل والعزلة، وكلهم يدينون للرجل بأفضاله.
  وظل بابا أحمد في الرشيد حتى سنة 1984 لينتقل إلى نواكشوط كمراقب في الثانوية، ثم باحثا في المعهد العالي للدراسات الإسلامية، متفرغا لنشاطه العلمي، الذي غذى به جل مقتنيات زاوية الشيخ سيد المختار من الكتب، حيث كان أحد مؤسسيها، ضمن عشرات المبادرات الخيرية التي كان حريصا على أن لا يغيب عنها.
   إن رحيل الفقيد يترك فراغا كبيرا في موريتانيا، وفي الرشيد بصورة خاصة، وعزاؤنا في ما له من مئاثر خالدة، وفي وجود أسرته الكريمة، التي تربت في كنفه، وتحت رعايته، فهي إن شاء الله خير خلف لخير سلف. 
 
محمد محمود ودادي  11 ربيع الأول 1433 – 4 فبراير 2012