الأحد، 24 يونيو 2012

"اوراق" عن أزواد: الثانية/ فشل مشروع المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية/محمد محمود ودادي



  كانت أزواد إلى جانب إشعاعها العلمي، مصدرا لأهم بضاعة تجارية في القرون الوسطى، وحتى نهايات القرن العشرين، باحتضان طرفها الشمالي الغربي لمعادن الملح في تغازة، ثم تاودني، وأجزائها الغربية لمعدن الذهب و كذلك الخرز" الحب الحر"المرغوب في الحيز الصحراوي والذي هو بقايا من حلي مواطني الحضارات القديمة حافظ على بريقه بفضل طمر الرمال، ويشكل حتى اليوم مصدرا مهما للتجارة البينية. واعترى هذه المكانة على امتداد القرون الأربعة الأخيرة مد وجزر، ارتبط بمآلات نهر النيجر، ومراكزه المؤثرة مثل ڴاوو، تنبكتو، وڴُندام حتى موبتي وچنى، فينزل استقرارها بردا وسلاما على الإقليم، والعكس صحيح. وقد شهد القرن التاسع عشر على الخصوص موجات اضطراب، بعد اضمحلال حكم الرماة شبه المركزي في تنبكتو، مما أدى إلى ظهور زعامات محلية دينية وسياسية،كان آخرها دولة ماسينا الفلاّنية بقيادة شيخُ أحمُد، التي بسطت سلطتها على عقفة النهر حتى تنبكتو، بمباركة زعماء الحضرة الكنتية وعلى رأسهم الشيخ سيدي البكاي بن الشيخ سيدي محمد، إلى أن أسقطها خلفاء الحاج عمر، قبل تعرض الإقليم كله للاحتلال الفرنسي، ليبدأ القهر الحضاري والاستلاب والثقافي.
وقد استخدم المحتلون القوة العسكرية المفرطة ضد المقاومة مما أدى إلى معاناة شديدة من أخطرها التشرد في المناطق المجاورة مثل النيجر قبل احتلاله، وتشاد وتونس وليبيا، حيث تجاوز المهاجرون الجزائر الخاضعة للقبضة الفرنسية الحديدية، وهكذا عانى أزواد أكثر مما عانت جل المناطق المماثلة، عقابا على مقاومة شرائح كثيرة منه، بقيادة زعمائه من التوارق والعرب، الذين امتشقوا السيف والبندقية ثلاثين سنة، فخلدوا الشجاعة والإيباء الذي عُرف عن أجدادهم الملثمين في الصحراء وفي فتوحات المرابطين في الغرب والشمال الإفريقي والأندلس، فكانوا نبراسا للأحفاد يضيء طريق مقاومتهم الدينية والثقافية، كما في الصنو الغربي: موريتانيا.

  ومع عشرينات القرن الماضي عاد معظم المهّجرين إلى وطنهم، واستأنفوا حياتهم الطبيعية، وأنشطتهم التقليدية في الرعي والتجارة، خاصة منها البضاعة التي خبروها طوال قرون وهي الملح، الذي يعتمد عليه سكان جنوب النهر حتى كوت ديفوار، واستعادوا مجالات ترحالهم التاريخية، يدخلون - دون أوراق أو مراقبة - الجزائر والنيجر وموريتانيا، ويقطعون النهر إلى فلتا العليا (بوركينا فاصو) وكوت ديفوار للتزود بحاجاتهم من الغذاء والمواد الزراعية والأقمشة، ليعودوا إلى عزلتهم في صحرائهم،هروبا بدينهم من المحتل القابع في المدن والمراكز الحضرية، والذي لا يعنيه من أمر البدو إلا ما يتصل بضرورات أمنه، واستيفاء إتاواته عن الماشية والتجارة، لا يدركون ما يبيّت من خطط حول مستقبلهم؛ باستثناء أفراد من التجار والوجهاء ممن توكل إليهم مهمة تسوية مشاكلهم في المراكز الحضرية، التي تعدّ على رؤوس الأصابع؛ حيث توجد إدارة لا يعرفون لغتها الفرنسية، ولا يشتركون مع أهلها في الكثير من العادات والتقاليد، رغم التعايش ضمن الحيز الجغرافي المشترك، ووحدة الدين.

   وعندما حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها بدأت الدول الأوروبية تعيد النظر في مستقبل علاقاتها مع مستعمراتها، لضرورات إستراتيجية مرتبطة بالتحولات التي يشهدها العالم، ولصيانة مصالحها وضمان مكانتها، فأعادت النظر في وضع المستعمرات، فألغت بعضها وضمته لأخرى، وقلصت من حجم البعض لصالح الآخر، وفي كل ذلك ارتكبت أخطاء فادحة،منها عدم مراعاة الأبعاد الجغرافية والإنسانية (الدين والثقافة) ولا الموارد التي يمكنها أن تضمن البقاء لهذه الكيانات، مما جعل العديد منها مصطنعا، ما لبث أن أصبح مصدرا دائما للاضطرابات والفتن، تدارك الاستعمار بعضه في الجزء الغربي من تراب البيظان – في الأربعينات - بالتراجع عن ضم الحوض للسودان وإعادة أجزاء كبيرة منه لأصله وفرعه موريتانيا.

  وفي خضم هذه التطورات بدأ الوعي يتسرب إلى النخبة من الشيوخ والوجهاء والتجار في أزواد، ومعه إدراك واقعهم كجزء من مستعمرة السودان، التي لم تعد تضم إقليم الحوض، الذي كان "يوسّع" عليهم،فأصبحوا أقلية لا وزن لها أمام الهيمنة الكاسحة لسكان الجنوب والغرب من الَكْور، الذين كان الاستعمار قد بذل جهوده لعزلهم عن إرثهم الحضاري والثقافي، بحربه على اللغة العربية  والحرف العربي الذي كان سائدا في القارة السمراء بأسرها وعلى الخصوص في الغرب الإفريقي، تكتب به أكثر من 30 لغة، منها اللغات الرئيسية كالفلانية والماندينڴية والهوساتية والزرماتية والسواحيلية واليوروباوية لتكون العربية رابطا بين الناطقين بهذه اللغات، وبينهم والمسلمين كافة، فكانت تلك أولى التحديات الذي جاء الاستعمار لرفعها، ولم يغادر إلا بعد أن انتصر فيها  وغرق الناس في بحر من التنافر، أذكى الصراعات المتصاعدة.
وقد عبر الوجهاء الأزواديون بما يملكون من جهد عن قلقهم على مستقبلهم للإدارة، التي كانت ما تزال تحت السيطرة المباشرة للفرنسيين، لكنهم كانوا غير مبالين كثيرا بما يصدر عن أفراد، لا تدعمهم تجمعات حضرية، ذات وزن ضاغط. وأقصى ما كانوا يفعلونه "طمأنتهم"  "بأنهم سيظلون أحرارا في بواديهم، كما كانوا، ولن تكون لأحد بعد الفرنسيين سيطرة عليهم" (إشارة إلى حكام الكور)!. إلا أن تسارع المسيرة إلى الاستقلال والتمهيد لها بالحكم الذاتي، بدأ يرسخ الأمر الواقع، وهي كون أزواد فضاءً مكمّلا لمستعمرة السودان، التي يقع ثقلها في الغرب، حول أعالي نهري النيجر والسنغال، بحواضره التاريخية ذات الكثافة السكانية، والمصادر الزراعة والمائية، والتي حظي سكانها بالتمدرس والخدمات، وأصبحوا السادة الجدد، بيدهم الإدارة والجيش والثروة. بينما أهملت فرنسا طوال احتلالها أزواد، رغم موقعه الاستراتيجي وثرواته المعدنية والنفطية والغازية، وتميزه الثقافي بلغاته ونمط عيشه،مما يؤله ليتمتع بحكم إداري يضمن تسييرا ذاتيا،ضمن مستعمرة السودان (مالي).

  وعوضت عن ذلك بإطلاق بارقة "أمل" بثتها في السكان سنة 1957، مرتبطة بخططها لوقف حرب التحرير الجزائرية، الذي تفتَقت عنه عبقرية ساستها وهو مشروع يقسّم الجزائر إلى شطرين: الشاطئ، حيث الكثافة السكانية، وجزء من الوسط والجنوب والشرق، فتَمنح للأول الاستقلال، ويبقي الآخر تحت الحكم الفرنسي، بواسطة كيان جديد سمته "المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية"O.C.R.S.)) تضم غالبية مساحة الصحراء الجزائرية، بمدنها الكبرى مثل بشار وتندوف، وحقول النفط ومناطق التجارب الذرية، والأراضي المأهولة بالطوارق والعرب في النيجر (طاوه وأزواڴ) ومالي (أزواد مع ريف مدينتي تنبكتو وڴاوو) ومواطن التوبُّو والقُرعان في شمال تشاد (جميع مقاطعة بلتيم، ومثلث بوركو– أنّدي- تيبستي) (قانون 10 يناير 1958) وعينت للكيان الجديد إدارة تنفيذية ومجلسا استشاريا، وتركت الباب مشرّعا للدول والمنظمات التي تريد التعاون مع الكيان الوليد؛ الذي سوقته للطوارق والتوبُّو والعرب، الذين يشكلون أقليات في مستعمراتها ذات الغالبية الْكَوْرية، فوجدت لدى الكثيرين من زعمائهم آذانا صاغية، على أمل أن يستعيدوا حقوقهم ومكانتهم التي فقدوها، في ظل الاستعمار؛ لكن الثوار الجزائريين رفضوا أي مساس بأرضهم، كما عارضه المختار بن داداه، وموديبو كيتا رئيس مالي، لكونه سيقتطع منه أزواد، أما رئيس النيجر هامني چوري وفرانصوا تنبلباي في تشاد، فقد انحنيا حتى تمر العاصفة، لأنهما لا يريدان إغضاب الجنرال دڴول، هذا في وقت أيدت المشروع دول في المغرب العربي وغرب إفريقيا أو تعاطفت معه، انطلاقا من حسابات ذاتية، لكن ذلك لم يَحلْ دون موت المشروع نهائيا (قانون تصفيته 26 مايه سنة 1963.).
المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية

وهكذا خاب الأمل الذي علّقه زعماء أزواد على المشروع، ولم تفلح محاولاتهم في ثني المختار بن داداه عن موقفه، الذي اعتبروه تقصيرا في حق شعب أزواد من صنوه المعوّل عليه، ولم تقنعهم حجة رئيس حكومة الاستقلال الداخلي الموريتانية بـ "أنه لن يؤيد محاولة فرنسا طعن الثورة الجزائرية من الخلف بإجهاض مشروعها عبر اقتطاع أجزاء من أرضها" في وقت يكاد الجزائريون يرون بالعين دولتهم الحرة تطل على العالم من الباب الواسع، بصحرائها وثرواتها؛ بينما بقي بصيص أمل وهو انضمام أزواد لموريتانيا، قبل أن يعلن استقلاها واستقلال مالي، وتعزز الأمل بتصريحات المختار باعتبار "أزواد والصحراء الغربية جناحي موريتانيا" (خطاب أطار 1957) التي استهجنها الفرنسيون والإسبانيون، وأغضبت موديبو كيتا وجعلته ينضم إلى المعسكر المناوئ لاستقلال موريتانيا،فاحتضن "جيش تحرير موريتانيا" في باماكو، وصوتَ ضد دخولها الأمم المتحدة؛ واستمر يضغط بكل الوسائل على نواكشوط، خاصة بترسيم الحدود المتداخلة بين الدولتين، التي تركها الاستعمار في وضع غامض كالعادة؛حتى قبل المختار في قمة خاَيْ مع موديبُو معظم مطالبه، مدركا أن لا قبل له بمواجهة جاريْه الشمالي والجنوبي في آن واحد؛وانكفأت موريتانيا على ذاتها تصارع من أجل البقاء، محتمية باعتراف ومؤازرة غالبية الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، (وتونس من المغرب العربي) ثم بمنظمة الوحدة الإفريقية التي جعلت من احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، قضية مقدسة. واتضح أن الدعوة إلى الوحدة مع أزواد لم تكن إلا تعبيرا عن فورة عاطفية لزعيم دولة البيظان الغارقين في أحلامهم بإعادة أمجادهم في مجالهم الجغرافي والثقافي، حتى ولو كان دون تحقيقها آنذاك خرط القتاد.يتواصل.

الجمعة، 15 يونيو 2012

"أوراق" عن أژواد: الأولى/ تعريف/ محمد محمود ودادي


جمهورية مالي


استقلت باسم اتحاد مالي في 20 يونيه 1960 ثم أعلن الاستقلال من جديد في 20 شتنبر 1960 بعد الانفصال عن سنغال. تبلغ مساحتها 1240190 كلم 2 ( منها 822000 كلم2  في أژواد) وسكانها حوالي 11 مليون نسمة (منهم مليونان في أژواد)، هذه الدولة وريثة جزء كبير من إمبراطورية غانة، التي تأسست في القرنين 4و5 م في موريتانيا وعاصمتها كومبي صالح، قبل أن تسقط في أيدي المرابطين في القرن 11م، وهي أيضا وريثة إمبراطورية ملّي (مالي) (القرن14) قبل سقوطها على يد إمبراطورية صونغاي (القرن 15) ثم دمر دمر هذه الغزو المغربي (نهاية القرن 16).

أژواد



  
 تحد الإقليم من الشمال الجزائر ومن الشرق النيجر ومن الجنوب والجنوب الغربي نهر النيجر، وأراضي مالي، ومن الغرب موريتانيا. ومدنه الرئسية: ڴاوو (العاصمة)  تنبكتو (العاصمة الثقافية) كيدال، والثلاث هي عواصم الولايات التي يتشكل منها الإقليم اليوم حسب التقسيم الإداري لجمهورية مالي. واسم الإقليم أمازيغي، ربما مشتق من اسم نهر "زواد" الناضب، ويطلق أژواد على القسم المالي من الصحراء الكبرى، وأزواڴ على الجزء النيجري بما فيه حواضر طاوه وأڴادس.
  وتسكن الإقليم مجموعات الطوارق المنتشرون في كل الإقليم، إضافة إلى العرب ، وهم أساسا البرابيش في الغرب، وكنته في الوسط والجنوب، والصونغاي والفلان في الجنوب والجنوب الغربي، ويتحدث هؤلاء خمس لغات هي تماشق (الطوارق) الحسانية (العرب) الصونغائية أو كوروبورو (الصنونغاي) الفلانية ( إفلان). أما الموارد فظلت على مدى التاريخ تربية الماشية التي اضمحلت في العقود الماضية بسبب الجفاف والحروب، التي أجبرت أعدادا كبيرة من السكان على الهجرة. ويوجد مخزون نفطي غير محدد الحجم، كما يوجد أورانيوم ومجموعة من المعادن المختلفة، لكنها غير مستغلة. ويعتمد السكان المجاورون للنهر في رأس الماء والعقفة وفي ضفته اليمنى في ڴورمه على زراعة القليل من أنواع الذرة والخضروات، والصيد النهري، لمن سكان المراكز الصحراوية يعتمدون أساسا على ما يبعثه أبناؤهم من الخارج وعلى موارد التهريب، الذي تمتهنه مجموعات جعلت من الإقليم معبرا أيضا لتجارة المخدرات، التي تدر عليهم موارد كبيرة.
لمحة تاريخية

  يُجمع المؤرخون على أن أول من أقام مدينة ڴاوو ثم تينبكتو هم قبائل لمطه وبعض من لمتونة، وقبيلة تارڴه، ومن هذه المجموعات يتألف شعب أژواد الأمازيغي، الذي تعرب البعض منه ليصبح في عداد القبائل المستعربه مثل كلنصر الغربيين، وبعض المجموعات في كنته والبرابيش. أما الهجرة العربية الحديثة فكانت في نهاية القرن 15 على أيدي البرابيش القادمين من شمال موريتانيا عن طريق آدرار والظهر، وهم في أغلبيتهم من قبائل بني حسان، حيث تنحدر الأرومة الرئيسية من حمُّ بن حسان، وعبد الرحمن بن حسان (الرحامنه). وتبعهم الكنتيون في سنة 1130هـ 1717م انطلاقا من الساقية الحمراء، عبر تْوات والحنك وأرڴشاش.
  تحدث الرحالة والإخباريون عن أژواد في بداية القرن 14م كإقليم يتمتع بحكم ذاتي تابع مع صحرائه لإمبراطورية مالي، لكنها فقدت السيادة عليه في  حدود 1433م؛ وفي عام 1591 احتل سلطان المغرب أحمد الذهبي الإقليم وحواضره بعد أن قضى على إمبراطورية الصونغاي المسلمة؛ ومن ذلك التاريخ لم يخضع أژواد لسيطرة مركزية منتظمة حتى وصول الاستعمار الفرنسي عام 1893، والذي حيث جوبه بمقاومة شديدة من الطوارق والعرب.

موريتانيا وأژواد


    ظل شعب البيظان على طول تاريخه يعتبر أژواد امتدادا له، فقبل دخول الإسلام كان موطنا لقبائل البربر التي يعود إليها  سكانه من التوارق، وبعض أطراف صنهاجة، التي ينتمي إلى فروعها المختلفة غالبية سكان غرب الصحراء وشمالها، ومع دخول الإسلام وانتشاره، انتمت أژواد أو أطراف واسعة منها لدولة الإسلام الكبرى "المرابطون" في الطرف الغربي، فانضوت قبائل هذه المنطقة الشاسعة، تحت لواء الإسلام، وازداد التمازج بين أبنائها، ووقعت الهجرات المتبادلة، فشرّق البعض وغرَب الآخر، لنرى في موريتانيا الحالية أقواما من أصول تارقية أژوادية، وأخرى لمتونية في الشرق.  ثم جاء الانتشار العربي في الصحراء الكبرى، ليعم كل أجزائها حتى أژواد، وتزداد الروابط قوة، ويتعزز التواصل، الذي بلغ أوجه بعلاقات حواضر موريتانيا القديمة بقواعد أژواد الكبرى.
  هذه العوامل، وغيرُها جعلت من أژواد وموريتانيا صنوان، يكمل أحدهما الآخر، على طول المساحة الشاسعة التي يحتلانها في الصحراء والغرب الإفريقيين؛ وحتى في عصور غياب الدولة المركزية، ظلت العلاقات قائمة، بل نشطة بين  الطرفين، ترجح كفتُها أحيانا لأژواد، خاصة بعدما تدهورت أوضاع مدن القوافل الغربية: ودان وشينقط وتيشيت وولاته لصالح تنبكتو وڴاوو، الأژواديتين، إذ أصبحت الأولى أشهر حاضرة إسلامية في الصحراء الكبرى وجوارها، بفضل مدارسها وعلمائها الأجلاء الذين كان من أشهرهم أحمد بابا بن محمد إقيت الصنهاجي، الذي انتشر صيته حتى بلغ الشمال الإفريقي، أيام محنته، عند سقوط دولة السونغاي في مستهل القرن 11 هـ (نهاية القرن 16م). ثم جاء القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان (18و19م) لتختطف أژواد الأضواء من جديد بظهور الشيخ سيدي المختار الكبير، وخلفائه، الذين صاروا قبلة للبيظان عامة، وللطامحين إلى الارتواء من العلم، وهديه في الغرب الإسلامي، حتى تشاد شرقا والمحيط الأطلسي غربا، ومن أدغال جنوب الصحراء جنوبا إلى تخوم الجزائر والمغرب شمالا، مما أعاد لهذا الحيز إشعاعه الثقافي والديني، وعزز اللحمة بين الصنوين الشرقي والغربي، فحُفرت أژواد في الذاكرة الجمعية، كامتداد لثقافة البيظان وجزء من تاريخهم. يتواصل

الخميس، 8 مارس 2012

8 مارس عيد المرأة


يحيي العالم اليوم 8 مارس عيد المرأة، الذي بدأ في موريتانيا الاحتفال به منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وهي مناسبة يجب أن نتذكر فيها مكانة المرأة في هذا الكون، وهي التي نشأنا في رحمها، واحتضنتنا في أحشائها، وعلمتنا مكارم الأخلاق.
فلننحني إجلالا لأمهاتنا ونكرس أنفسنا لبرورهن والرفق بهن، وبأخواتنا وبناتنا، وأن نؤازرهن في معركة الحياة القاسية التي يخضنها بشجاعة وصبر وجلَد، ونعاملهن باحترام دون منة أو تعال.
 ويكفي من إعلاء شأن المرأة وشأن الذرية الصالحة التي تفي للأم بحقوقها قوله عز وجل في سورة الأحقاف {ووصّينا الإنسانَ بوالديه حُسنًا حَملته أمه كَرْها ووَضعَـتْه كَرها وحَمْله وفِصالُه ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أَشُدَه وبلغ أربعين سنة قال ربِّ أوْزِعنيَ أن أشكر نِعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والِدَيّ وأن أعمل صالحا تَرْضَاهُ وأصْلِح لي في ذُرّيتي إني تُبتُ إليك وإني من المسلمين، أُولائك الذي يُتقبّل منهمْ أحسنُ ما عملوا ويُتجاوزُ عن سيّئاتم وعْدَ الصِّدق الذي كانوا يُوعدون}

الأحد، 5 فبراير 2012

بابا أحمد بن حمّه الأمين في ذمة الله


   انتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة عاشر ربيع الأول الأستاذ بابا أحمد بن حمَه الأمين في مكة المكرمة حيث كان يجاور المسجد الحرام منذ سنة 1995، بعد مرض عانى منه خلال السنوات الأخيرة، فدفن بجوار أمه التي جاورت في نهاية خمسينات القرن الماضي وضريح أخيه لأمه، رحمهم الله جميعا، وأسكنهم فسيح جنانه، وألهم الأهل والمريدين والأصدقاء الصبر وحسن العزاء. إنا لله وإنا إليه راجعون.
   لقد أُصبت كغيري بالحزن العميق لفقدان علم بارز كرّس حياته للعلم وخدمة الناس، منذ نعومة أظافره وحتى آخر أيامه. ولد الفقيد سنة 1936 في الكرباله من ولاية البراكنه، لأبيه البكاي بن حمّه الأمين حفيد الشيخ سيد المختار الكبير الكنتي، ولأمه فاطمه بنت أبنو عمر الأبييريه. وقد فقد أباه صغيرا، لكن ذلك لم يفتّ في عزيمة الأم الصالحة التي ربته أحسن تربية، فحفظ القرءان الكريم في سن مبكرة، ثم نهل من معين حضرة الشيخ المربي سيدنا بن حمادي بن زين العابدين بن الشيخ سيد المختار، ومن هناك انتقل إلى بوتلميت.
ذكرياتي مع الفقيد
في سنة 1957 التقيته لأول مرة في بوتلميت، عندما وفدت للدراسة في معهدها العربي الإسلامي، الذي أنشأه الشيخ المصلح والداعية الكبير عبد الله بن الشيخ سيديا رحمه الله، بدعم من حكومة مستعمرة موريتانيا، لاستقبال الطلبة الموريتانيين وأبناء مستعمرات إفريقيا الغربية، قبل أن يتحول إلى مؤسسة وطنية بعد الاستقلال. 
    وبما أنه سبقني في الانتساب إلى المعهد، استقبلني بكل حرارة وغمرني منذ الوهلة الأولى بالعناية، متفانيا في خدمة الجميع، خاصة نحن الوافدين الجدد إلى الحياة المدنية، والدراسة في مؤسسة تختلف عما عهدناه في المحظرة من قراءة متن واحد، بينما كان المنهج الجديد غاية في التكثيف والصعوبة، إذ تحرص الإدارة على أن يستكمل الطالب في أربع سنوات المتون التي كانت تدرس في المحظرة خلال عشر سنوات،  مثل الألفية والكافية ولامية الأفعال ودواوين الشعر المعتمدة والعروض ومختصر خليل، إضافة إلى الحديث والأصول وصحيحي البخاري ومسلم وبعض كتب العقيدة، وقبل ذلك القرءان الكريم لمن لا يحفظه. ولم يكن بالمعهد من المراجع ما يكفي للطلبة، وهنا برز دور بابا أحمد الذي أعطاه الله موهبة في نسخ الكتب، فكان يوفر لعدد من الطلبة نسخا من المراجع المقررة مثل احمرار ابن بونه على الألفية، وطرة الحسن بن زين على اللامية، وغيرهما من أنظام وفتاوى العلماء الموريتانيين التي لم تكن قد طبعت؛ فتكاد لا تراه إلا منكبا على درسه أو ناصبا ركتبه اليمنى لنسخ كتاب، وساقُه مخضَبة بالمداد الأسود والأحمر. ويعود له الفضل في انتشار العديد من النصوص النادرة التي لم تكن متوفرة إلا في مكتبة أهل الشيخ سيديا، مثل مؤلفات الشيخ سيدي المختار الكبير وابنه الشيخ سيدي محمد. ولم يكن ذلك يمنعه – كآخرين - من القيام بنوبته في خدمة المجموعة، التي كانت في سنوات المعهد الأولى تعتمد في بعض جوانب حياتها على العمل الذاتي.
   وكان بابا أحمد في الوقت نفسه أثيرا لدى الأساتذة المدرسين، فقدمنا لهم ووفر علينا كلفة التأقلم، فاحتضننا معظمهم كالمرابط محمد عالي بن عدود أستاذنا في المختصر وابنه محمد يحيى أستاذنا في الألفية، وأحمد بن مولود بن داداه الذي يدرّسنا الشعر العربي والبلاغة، وغيرهم رحمهم الله جميعا. ومن ذلك اليوم ظل بابا أحمد أخا ناصحا وصديقا وفيا، رغم الفرقة التي فرضتها ظروف العمل، وأدت أحيانا إلى الابتعاد عن الوطن.
المعلم الباني
   بقينا معا حتى سنة 1960، لأنضمٌّ إلى الإذاعة، ويلتحق هو في العام التالي بالتعليم، فيتنقل داخل البلاد، معلما في الحوض وكيديماغا والعصابة ثم تكانت، حيث أصبح مدير مدرسة حلّة أولاد سيد الوافي المتنقلة أيام الترحال، ثم مديرا للمدرسة الابتدائية عند انتقال المجموعة إلى الرشيد؛ وهي فترة في غاية الصعوبة على سكان الوادي بل على تكانت والبلاد بشكل عام، لأنها بداية موجات الجفاف الذي أصاب الزرع والضرع، وشرد السكان؛  وأمام هذه الظروف القاسية ظهر معدن الرجل على حقيقته، من همة وصلابة؛ تحت ثوب من الوداعة الفطرية وطيب المعشر؛ إذ لا تراه إلا ضاحكا أو مبتسما، وسيطا بين الناس لا يستعصي عليه حل معضلة. فكان المعلم المجتهد والمدير المتنور، والمساعد النافع لأهله وقومه، يسير في مقدمتهم في معركتهم ضد الجهل والفقر والعزلة، وفي عملهم لتشييد حاضرة الرشيد الحديثة، بعد النزوح من البادية، باذلا علمه وجاهه وماله ليس في عمله الرسمي فقط، وإنما أيضا في المسجد ومدرسة ابن عامر، وحلقات التوجيه والإرشاد الدورية، وفي العمل الطوعي. 
   وظل سيّدي – كما يحلو للسكان أن يخاطبوه – قطب الرحى، الأب والأخ والصديق، لم يسجّل عليه في أي يوم انحياز في خلافات أو تبني موقف ناشز، أو تقاعس عن مكرمة أو بذل في أعطية أو مداراة؛ صَالحَ بأخلاقه العالية بين السكان والحكومة. إذ أن أهل الرشيد الذين نُكبت دشرتهم سنة 1908 ببطش الاحتلال - الذي ضربها بمدافع الميدان في سابقة لم تُعرف لغيرها في موريتانيا – عاشوا كالمطارَدين طيلة عقود الاحتلال، ينظرون إليه كعدو داهم، يحرّمون منافعه والاختلاط بممثليه، شاردين بدينهم في الصحاري والجبال. ولم تبذل الإدارة بعد الاستقلال جهدا لتغيير الصورة، وظل الناس مرتابين من ماهيتها، وهل هي سلطة مسلمة خالصة، أم بها شائبة من النصارى؟. وبتدينه الراسخ وسلوكه الملتزم جسد سيّدي – مدير مدرسة الحكومة - أول دليل قوي على أن شيئا قد تغير، وأن "ولاّت انْصارَ" قد انسحبوا معهم. فكانت تلك بداية لنظرة إيجابية إلى السلطة القائمة، مما جعل الناس يُقبلون على تسجيل أبنائهم وحتى بناتهم في المدرسة الرسمية، التي أصبحت إعدادية ثم ثانوية، وتخرج فيها العشرات، المسلحون بالمعرفة في مواجهة وطأة المشاكل نفسها: الفقر والجهل والعزلة، وكلهم يدينون للرجل بأفضاله.
  وظل بابا أحمد في الرشيد حتى سنة 1984 لينتقل إلى نواكشوط كمراقب في الثانوية، ثم باحثا في المعهد العالي للدراسات الإسلامية، متفرغا لنشاطه العلمي، الذي غذى به جل مقتنيات زاوية الشيخ سيد المختار من الكتب، حيث كان أحد مؤسسيها، ضمن عشرات المبادرات الخيرية التي كان حريصا على أن لا يغيب عنها.
   إن رحيل الفقيد يترك فراغا كبيرا في موريتانيا، وفي الرشيد بصورة خاصة، وعزاؤنا في ما له من مئاثر خالدة، وفي وجود أسرته الكريمة، التي تربت في كنفه، وتحت رعايته، فهي إن شاء الله خير خلف لخير سلف. 
 
محمد محمود ودادي  11 ربيع الأول 1433 – 4 فبراير 2012

الأحد، 6 مارس 2011

الذكرى الثانية لرحيل الطيب صالح


بسم الله الرحمن الرحيم

أشكر نادي القصة دعوته لحضور هذا اللقاء، المخلد للذكرى الثانية لرحيل الطيب صالح.
كان أول ما خطر ببالي عندما قررت الحديث في هذا اللقاء ثلاث محطات:
الأولى في الدوحة في ربيع 1975 حيث أقمت مع الطيب صالح علاقة استمرت طيلة العقود الأربعة الأخيرة. كانت المناسبة اجتماع اتحاد الإذاعات العربية، حيث كنت أرأس الوفد الموريتاني، بينما يرأس هو الوفد القطري، بوصفه مديرا عاما للإعلام في قطر أي المشرف على الوزارة قبل أن يكلف بها وزير، حيث كان الآمر الناهي في هذا القطاع الحيوي للدولة الناشئة، والمشرف الفعلي أيضا على الشئون الثقافية.
   خلال الجمعية العامة لاتحاد الإذاعات، وردتْ عدةَ مرات ـ في كلمات رؤساء الوفود ـ الدعوة إلى مدّ يد العون للإذاعات الفقيرة في اليمن والسودان والصومال وموريتانيا؛ وهو ما جعلني أتناولت الكلمة لأقول: إنني ـ نيابة عن نظرائي مديري إذاعات هذه الدول التي تصفونها بالفقيرة ـ أحتج على هذه الطريقة التي تعاملوننا بها، وأرجوكم الكف عنها، لأن مؤسساتكم ليست مخولة أصلا بتقديم العون، بل أنتم – كما يتضح من الوثائق المتداولة ـ بحاجة إلى موازنات تغطي احتياجاتكم الخاصة. وعلى كل فإن الحكومة الموريتانية – إن قررت طلب عون لإذاعتها ـ ستتوجه إلى من يعنيهم الأمر، وهم ملوك وأمراء ورؤساء الدول، وليس إلى مديري الإذاعات، الذين لا يملكون إلا تحسين الصورة أو تشويهها، وهو ما قد يكون وقع اليوم.
وقد ساد وجوم بين الحاضرين بسبب مفاجأة الرد، وبدأ رئيس الجلسة في الاعتذار، ومعه عدد من رؤساء الوفود منهم محمد سعيد الصحاف مدير عام الإذاعة والتلفزيون العراقي آنذاك، وقد اتجه نحوي الطيب صالح من مقاعد الوفد القطري فعانقني وقال بصوت مسموع ما معناه لقد أحسنت.
وفي اليوم الموالي سلّمته رسالة من وزير الثقافة والإعلام آنذاك أحمد بن سيدي بابا تعرب عن الرغبة في التعاون بين القطاعين، فاستفسر مني الطيب صالح قائلا: "هل باستطاعتي أن أسألك عن إمكانية دعمنا لقطاعات الإعلام والثقافة في موريتانيا؟" فضحكت وقلت له: إنكم مَن أعني، حيث تملكون الإمكانيات والصلاحيات عكس زملائنا أمس، ثم استقبل أميرُ دولة قطر رؤساء الوفود، فنبهه الطيب صالح إلى الخطاب الذي حملته، وهكذا زار الطيب صالح نواكشوط في أكتوبر من تلك السنة ليحمل معه مبلغا كبيرا من دولة قطر، موّل تأسيس المعهد الموريتاني للبحث العلمي، ودُعمت منه الوكالة الموريتانية للأنباء، والشركة الموريتانية للصحافة الناشئتان.
   المحطة الثانية كانت هنا في نواكشوط، بعد زيارته لموريتانيا التي قادته لعواصم ولايات الترارزه، وداخلة نواذيبو، وآدرار، ومدينتي المذرذره وشنقيطي، حيث قال: "لو أتيحت الفرصة لإعادة كتابة تاريخ اللغة العربية لقيل إن منبعها موريتانيا".
   ومن هذا التاريخ كسبتْ موريتانيا الطيب صالح، الذي أصبحت في مقدمة اهتماماته، يتحدث عنها في المهرجانات والندوات واللقاءات، حتى رحيله، فكان سفيرها المتجول الذي لا يوصد أمامه باب، ولسانَها في المنابر العربية والأجنبية، معوضا عن قصورنا في التعريف بأنفسنا، حتى أصبحت موريتانيا لدى محاوري الطيب صالح الموضوع الحاضر، ليس من باب الإلحاق، وإنما منبعا للثقافة العربية، ومصدرا رئيسا للتراث الإسلامي المشترك، ونصدر تسامح وإنصاف، يتجلى في أجمل حلله بما تحتله المرأة الموريتانية من مكانة سامقة، لا بالقوانين المستوردة ودعوات التغريب والمسخ.
  وقد بلغ حبُّ الطيب صالح لموريتانيا وأهلها حدا جعله يخرج أحيانا عن وقاره وهدوئه المعروفين، عندما يُخدش وجه موريتانيا العربي الإسلامي الناصع، حتى ولو كان ذلك من الموريتانيين أنفسهم.
 المحطة الثالثة، في خريف 1988 بباريس، حيث كان يقول "يجب أن تنتهي الحرب في السودان، لئن لا يفقد بلدنا أعز ما لديه، وهو استقلاله وهويته، حتى لو كان ذلك بالانفصال" وها هو السودان ينهي هذه الحرب بالطرق الحضارية، عبر المفاوضات وتقرير المصير لسكان الجنوب، الذين ظلت حركاتهم السياسية والعسكرية مصدر القلاقل وذريعة لتكالب القوى الخارجية على السودان وأمنه، راجين من الله أن نكون في بداية مرحلة جديدة من الاستقرار، ليتمكن هذا البلد الشقيق التوأم، والمفصلي في إفريقيا والعالم العربي من النهوض والتقدم.
   ويومها تحدثنا طويلا عن مستقبل أمتنا العربية والإسلامية وقارتنا الإفريقية وبلديْنا بصورة خاصة، وعن إشكالية العلاقة بين الشمال والجنوب. وكان رأي الطيب صالح أن مصر هي مفتاح الإصلاح في العالم العربي، وأن وضعها آنذاك كان مثبطا للعزائم، وخاصة للسودان، الذي يرتبط معها بعلاقات مؤثرة على حاضره ومستقبله أكثر من أي بلد عربي آخر.
   أما رأيته في العلاقات بين الشمال والجنوب، فتعبر عنها قصصه ومحاضراته وكتاباته الغزيرة في الصحف والمجلات، التي نرجو أن ترى النور حتى ينهل منها الجميع. ولم يتستر الطيب صالح ـ المقيم في لندن والمتشبع بثقافة الغرب ـ على التناقض بين الغرب والشرق، كما لم يجامل في وقوفه ضد الاستلاب والمسخ، الذي هو من تجليات صراع الحضارات، الذي يريد البعض إنكاره خوفا من تغوّل الغرب بعد أحداث 11 شتمبر. ألم يَـنفِـر الطيب صالح من أن توصف أعماله بالعالمية حتى لو ترجمت إلى لغات أجنبية؟ حيث يرى أن العبرة باحترام العمل الأدبي لثقافة الشعب وأصالته، وتعبيره بصدق عن همومه التي هي في النهاية إنسانية.
   ومن فلسفة الطيب صالح نستخلص أن أبناء الجنوب أنداد لأبناء الشمال، لكن الجهل والظلم قد قضى بأن يظلوا متخلفين، يتصارعون داخل حدودهم وبين دولهم، ضمن أنموذج مشوه لنظام فصّله الاستعمار، وأدى إلى عقم في  السياسة ومسخ في الثقافة وترد في الاقتصاد، وتدمير للبيئة، لا خلاص منه إلا بابتكار نموذج محلي أصيل، قد يلتقي مع تجارب الغرب وتجارب الشرق، على أن يوصل إلى حكم ديمقراطي، منبعه الشعب، وقاعدته التداول السلمي على السلطة، ومبتغاه الحكم الرشيد والشفافية، يضمن المساواة والعدل، واحترام التعددية وحقوق الإنسان.
   إنكم  أيها الشباب في نادي القصة مدعوون إلى حمل الرسالة التي تركها الطيب صالح، عبر آثاره الخالدة، لتعبروا ـ بصدق ـ كما فعل هو ـ عن هموم شعبنا، وأن تنيروا له الطريق في صور أدبية أصيلة حتى ندخل القرن الحادي والعشرين، قرن كسر قيود التهميش والظلم، حيث لا منّة على الشعوب من حكامها بل تسابق للحكام على إرضاء الشعوب.
   إن انتفاض قطاعات واسعة من شباب الأمة العربية، على رأسهم شباب تونس ومصر، ليبشر بالخير، خاصة وأنهم رسخوا قواعد جديدة هي أن التغيير ممكن دون إراقة الدماء، ودون الفتنة بين الأغنياء والفقراء، أو بين أتباع الأديان، وفوق ذلك أن التغيير يتم دون إذن من القوى المهيمنة في العالم، بل حتى دون علمها.
   لقد أثبت شباب تونس ومصر أن شباب الأمة بخير، ودحضوا ما كان يروج عنه  من ضياع ولهث خلف المال والمتعة.
ذلكم نتاج تراكم ما خلفته الرؤية الثاقبة لكتّاب ومفكرين وفلاسفة وأدباء وروائيين وقصاصين، ورجال دين وسياسة، في طليعتهم الأديب الزاهد المسلم الطيب صالح، رحمه الله




الجمعة، 4 مارس 2011

وضع اللغة العربية خمسين سنة بعد الاستقلال



   طُرحت في أول اجتماع لمجلس الوزراء في شهر يناير 1961، أي بشهر بعد إعلان الاستقلال يوم 28 نومبر 1960، ثلاث قضايا اعتُبرت أهم ما يواجه الكيان الجديد، وبحلها يمكن تفادي بعض المطبات المنتظرة، وهي:
•    مكانة اللغة العربية
•    مصير المشيخة القبلية
•    التعامل مع الكوادر الذين تركتهم فرنسا لتسيير الإدارة
  
وقد حُسم الموضوعان الأخيران بترك الشيوخ القائمين آنذاك على وضعهم، وامتناع الدولة عن تعيينهم في المستقبل، لأنه من خصوصية القبائل والعشائر، لا دخل للدولة فيه، أما المتعاونون الفنيون الفرنسيون فقد تقرر الاحتفاظ بهم كمستشارين لا يتحملون أعباء رئاسية تنفيذية.
   أما اللغة العربية، فلم يصدر بشأنها قرار حاسم، وتُرك الأمر إلى الهيئات السياسية المنتظر إقامتها، مما فاقم الجدل بين النخب السياسية حولها ونغّص من عيش الجميع، حتى إعلان ترسيمها في فبراير سنة 1968.
   فبعد المؤتمر التأسيسي لحزب الشعب في دجمبر 1961 كان المطلب الدائم لأقسام الحزب، وللناطقين باسم السكان ـ في الزيارات الرسمية وغيرها من المناسبات ـ الترسيم الفوري للغة العربية، وذلك باستثناء قسمين في ضفة النهر، رغم تأكيد السكان التعلق بها، لأنها لغة القرآن الكريم ، وقد تطور الخلاف في صفوف الحزب إلى أن عُلقت أعمال مؤتمره الأول في شهر مارس سنة 1963، حيث ظلت أقلية فاعلة، منها أعضاء في المكتب السياسي والحكومة، تتمسك بالوضع القائم وهو استمرار الفرنسية ـ كما في الدستور آنذاك ـ لغة رسمية واللغة العربية لغة وطنية، متحججين بأن غير ذلك سيثير الاضطراب، بينما قاد الدفاع عن اللغة العربية معلموها الذين كانوا قلة، مقارنة بنظرائهم المتفرنسين، والذين كانوا يعانون من ضيم صارخ، أدناه أن رواتبهم لا تمثل سوى نصف رواتب نظرائهم.
   ونتيجة للاحتقان المستمر اضطرت الحكومة إلى إصلاح التعليم  وإدخال اللغة العربية كمادة إلزامية في المرحلة الثانوية، على أن يُطبق ذلك  تدريجيا، وهو ما أثار أحداث 9  فبراير 1966 التي شهدتها نواكشوط وكيهيدي وأدت إلى موت ستة أشخاص.
   ونتيجة لهذه الأحداث، تسارعت وتيرة التوجه السياسي نحو ترسيم اللغة العربية ووضع خطة ازدواجية التعليم بعد مؤتمر الحزب في يونيه 1966 بالعيون، ضمن تعليم موحد، تتساوى فيه اللغة العربية والفرنسية بحلول سنة 1979، وهو ما أجهضه انقلاب 10 يوليه 1978.
   وينبغي التنويه هنا بأن مَن أعلن قرار مؤتمر العيون بترسيم اللغة العربية عبر الإذاعة هو وان بيران ممدو عضو المكتب السياسي وزير الخارجية نهاية سنة 1966.


وضع اللغة العربية عند الاستقلال


    عندما نعود إلى عهد الاستقلال، نلاحظ أن اللغة العربية كانت لغة جميع الموريتانيين سواء منهم البيظان أو لكور والذين يستعملونها في كتابة لغاتهم المحلية، وهو الأمر الذي كان سائدا حتى ذلك التاريخ، أو قريبا منه في جميع دول إفريقيا المسلمة، سواء كانت ناطقة بالفرنسية أو الإنجليزية؛ وقد ساعد نفور الموريتانيين بجميع مشاربهم اللغوية من المدرسة الفرنسية إلى استمرار احتفاظ اللغة العربية بمكانتها رغم محاربتها من المحتل الذي تفرد بهذا النهج عن الاستعمار الإنجليزي ضد اللغة العربية، بل الموروث الثقافي للشعوب الخاضعة له.
   وبما أن الإدارة في عهد الاحتلال كانت تُسيَّّر باللغة الفرنسية فقط باستثناء محكمة القاضي الشرعي، فإن الكوادر الذين ورثتهم موريتانيا المستقلة وشكلوا نواة الإدارة الجديدة كانوا من المتفرنسين، وكانوا يعتبرون أن إدخال الناطقين بالعربية ساحة العمل سيؤول إلى منافستهم في وظائفهم وحرمانهم من الامتيازات التي يتمتعون بها.         
   وفي هذا الجو الذي تسود فيه الفرنسية، فإن الناطقين باللغة العربية لم يكونوا مؤهلين لتولي مسئوليات إدارية، وهو الأمر الذي تجاوزته السلطات الرسمية بعد ذلك، عندما عينت بعض المسؤولين خارج دائرة التعليم العربي في مناصب عليا وآخرين في الإدارة الإقليمية، التي تغلغل فيها التعريب خلال العقدين الأخيرين.


ويشرّف هؤلاء ما كتب عنهم الرئيس المختار بن داداه في مذكراته "إن مثقفي اللغة العربية قد أثبتوا أنهم قادرون على تحمل أعلى المسؤوليات الوطنية على قدم المساواة مع نظرائهم من الأطر الناطقين بالفرنسية الذين كانوا يعتبرون الناطقين بالعربية "أطرا ناقصين".


   وحتى الستينات لم يكن من المألوف استعمال الفصحى لدى الموريتانيين وحتى غالبية الشعوب العربية إلا في الكتابة، قبل انتشارها عبر الإعلام وخلال المؤتمرات العربية ثم الدولية. وكان تدبيج الخطاب النثري بالعربية الفصحى في البلاد، وإلقاؤه عمليةً ندر من يتصدى لها، بينما كان نظم قصيدة فصحى أو عامية أمرا شائعا ومتداولا في المناسبات، وهي مفارقة تعود إلى ما يلاحظه المهتمون من أن أبناء الحيز الغربي من بلاد شنقيطي، قد نبغوا في الشعر واعتنوا به، بينما نبغ أبناء الحيز الشرقي أي أزواد في كتابة النص العربي النثري.
   ويروي الرئيس المختار ولد داداه في مذكراته أن معلما مساعدا قد ألقى أمامه في إحدى زياراته لتنبدغه في الحوض الشرقي خطابا بليغا في شكله ومضمونه، مما جعله يستدعيه ليتولى ـ بعد تكوينه في الخارج ـ أعلى المسئوليات في الدولة، وهو العلامة عبد الله ولد بيه. وقد أدرج طلاب معهد بوتلميت في مطالبهم سنة 1960 الرغبة في أن يخاطبهم أساتذتهم بالعربية الفصحى خلال إلقاء دروسهم ، ومن هؤلاء الأساتذة الأجلاء المرابط محمد عالي بن عدود وهو من هو.
   وقد سبب تهميش اللغة العربية في أوساط النخبة الحاكمة لجوء الكثير من المستعربين إلى تعلم اللغة الفرنسية سواء بالسماع أو بالكتابة والقراءة،  حتى لا يظلوا على الهامش، فأصبح عدد منهم لا يستهان به مزدوجي اللغة، وهو ما لم يقم به الطرف الآخر. 
   وبالتوازي مع هذا الوضع كانت الحكومة تعمل على قدم وساق لتكوين كوادر باللغة العربية في المجالات الاستراتيجة المتصلة بحياة المواطنين وهمومهم، كالقضاء والتعليم والإعلام، فأرسلت مجموعة من هذه القطاعات الثلاثة إلى تونس، لتنهض بعبء إدخال التعريب في هذه المجالات، لكن بقية قطاعات الدولة ظلت عصية على اللغة العربية بسبب انعدام الكوادر،  وعندما توفروا في الثمانينيات من القرن الماضي، غابت الإرادة لدى السلطة ولديهم هم، فاستكانوا ليكونوا مهمَّشين حتى في الإدارات التي يتحملون مسؤوليتها، معتمدين على كتبتهم المتفرنسين، وهو أمر ما يزال قائما إلى اليوم.


   ويعود للإذاعة الموريتانية الفضل الأول في انتشار اللغة العربية بين فئات الشعب كافة، حيث كانت برامجها المتنوعة في الإخبار والتوجيه والتسلية والخدمات، سببا رئيسيا في انتشار الصيغ العربية والمصطلحات، وفتح آفاق واسعة للمواطنين، لينهلوا من المعارف التي كشفتها وسائل الإعلام، وقربتها.


وقد أجهض انقلاب 10 يوليه 1978 مشروع التعريب وقسم أبناء موريتانيا إلى مدرستين عربية وفرنسية، مما كان له أثر خطير على اللحمة الوطنية، وعشنا تداعياته في أحداث 1989 المؤلمة وما تبعها، وكذلك على وضع التعليم بشكل عام والعربي منه بشكل خاص.


مكانة اللغة العربية اليوم


   يتميز المشهد الوطني بوجود وجهين للدولة الموريتانية، أحدها ناطق بالعربية يتمثل في الإعلام العام والخاص، وفي الحياة السياسية، حيث يحرص الجميع على مخاطبة الناس بلغتهم، أما الوجه الثاني فهو الإدارة المفرنسة حتى النخاع، وحتى في الوزارات التي كانت معقلا منذ الاستقلال للغة العربية، كالتعليم والعدالة والإعلام والشؤون الإسلامية، وذلك في خرق فاضح للدستور، الذي يجعل اللغة العربية لغة البلاد الرسمية.


   إنها مفارقة، أن تظل إدارة الدولة بعد خمسين سنة من الاستقلال معزولة عن المواطنين الذين يحاصرونها ليل نهار لحل مشاكلهم، في غيبة حتى للترجمة التي كان الاحتلال يوفرها، رغم أن أكثر من تسعين بالمئة من السكان كانوا يعيشون آنذاك في البادية.
  ومهما كابرنا وتشدقنا بالوطنية وتغنينا بالأمجاد وبالماضي المضيء،  فإننا نقوم اليوم بعملية انتقام للاحتلال من آبائنا الذين انتصروا عليه في رفضهم لثقافته وتمسكهم بلغتهم ودينهم وأصالتهم، طيلة ستة عقود من احتلاله، كما نقوم بهدم ما أنجزه جيل الاستقلال بعد نضال وتضحيات جسام حتى تعود للعربية مشروعيتها التاريخية ومكانتها كلغة ثقافة وحضارة وعلم وتنمية.


   إن الأمر من الخطورة بحيث يوجب على الحكومة الموريتانية أن تبادر قبل فوات الأوان بتـعريب الإدارة لتكون إدارة المواطنين، وتفعيل الترجمة لمن يحتاجها، مع الإبقاء على استعمال اللغات الأجنبية، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، والعمل الجاد على تُبوُّئِ اللغات الوطنية البولارية والسونينكية والولفية، مكانتها الوطنية.  
   إن ما نعيشه من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية يعود في المقام الأول  إلى محاولة إلغاء هوية هذه البلاد، بالتنكر للغتها، لسان دينها وركيزة توازنها ومصدر مكانتها في العالم، مما عرض للضياع الأجيال التي تعلمت بها، لتحقق العزة والعيش الكريم، ويعرض أيضا أجيال المستقبل للمصير القاتم نفسه. فهاهو أكثر من ستة وثلاثين ألف ملف لخريجي الجامعات، تنام في دهاليز الحكومة، تسعون في المئة منها لخريجي اللغة العربية، الذين عجزت الحكومة عن توفير العمل لهم، خاصة وأنهم ممنوعون رسميا من العمل في البنك المركزي  كما يحرمون من التوظيف في البنوك الوطنية والأجنبية والمؤسسات الاقتصادية والصناعية والتقنية والسفارات والهيئات الأجنبية المعتمدة في البلاد، لأن لغتهم العربية!. ومن هذا الوضع، وليس من الفهم المنحرف للإسلام فقط ـ كما يقال ـ وُلد التطرف واليأس، المفضي إلى الانتحار وحمل السلاح، وهو ـ مع عوامل التهميش الأخرى ـ  مصدر الثورات العربية الجارفة اليوم، في مغرب العرب ومشرقهم.
   وإن من المفارقات أن أبناء أهل السلطة والطبقات الميسورة، لم يعودوا يتعلمون إلا في المدارس الأجنبية وكأن ذلك سيضمن لهم مستقبلا أفضل! في انفصال عن المجموعة الوطنية، حيث أصبح تعليمنا الوطني خاصا بالفقراء والمهمشين الذين لا حول لهم ولا قوة! بينما تُجمِع مراكز البحث المعنية على أن أكبر عوامل كسب العلم واستيعابه والابتكار به، هو عندما يكون باللغة الأم.
   ومن المفارقات أيضا أن اللغة التي اخترناها هي الفرنسية، التي تقاتل من أجل البقاء، بعد أن تراجعت إلى المركز السابع عشر في لغات العالم، بعيدا خلف اللغة العربية، ومعها النفوذ الفرنسي والأوروبي بل الغربي أمام النهوض الشرقي الذي يلحق العرب به اليوم بعد ثوراتهم المباركة.
  
   ومن الدال أن نرى  أن عدد المتصفحين اليوم باللغة العربية للشبكة العنكبوتية (الإنترنت) قد وصل إلى خمسة وستين مليونا وأربعمئة ألف (65400000)  متجاوزين الناطقين بالفرنسية، الذين هم تسعة وخمسون  مليونا وثمانمئة ألف نسمة (59800000)، وليس الأمر بغريب، حيث  أصدرت المنظمة العالمية للفرانكفونية العام الماضي تقريرا يقول إن اللغة الفرنسية في تراجع مطرد، إلا في إفريقيا السوداء.
**
محاضرة لمحمد محمود ودادي ألقيت في احتفال جمعية المرأة للتربية والثقافة
بمناسبة إحياء يوم اللغة العربية


نواكشوط في ‏26‏ ربيع الأول‏ 1432 ـ 2مارس 2011

الثلاثاء، 21 سبتمبر 2010

أبيات لمْحمد بن الطلبة الأباتي

سأل الأستاذ حبيب بن أحمد في صفحته في "فيس بوك"بداية شهر يونيه الماضي عن قائل الأبيات التالية:
قد أيقظت دمن قفر مرابــــــــــــعها    تليد ماضي الهوى ونائم الشجن
يا عين جودي بما قد كنت صائنة     من الدموع على تذكار ذي الدمن
هذى منازلنا وذي مـــنازلنا وتي     منازلنا فــــــي سالف الزمـــــــن
العينَ فالنّيرَ فانجيْلاَنَ يا عجبًا     صــارت مراتع أهل البحر والســفن
إنه مْحمد بن الطلبه الأبّاتي (بتفخيم الباء) الذي عاش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حتى رأى موطنه محتلا من الفرنسيين (أهل البحر والسفن) الذين كانوا يحمون معظمه في الخريف والشتاء، لخصوبة مراعيه، وقربه من سبخة "أشاميم" من أجل "إبل المخزن" كما كان يقال.   
والمنطقة هذه تقع في أقصى جنوب آدرار في "ظلعة الشعرانية" على ضفة منخفض "الخط" الفاصل بين آدرار وﺘﮕﺎنت، التي ينتمي إليها الشاعر.
وما يزال الناس يرددون أشعار مْحمد لما لها من طلاوة، ورومانسية، حيث وجدت له قطعة لدى محمد بن سيدي بابا في الرشيد، الذي كان موطنا لأهل أبات المشهورين بعلمهم وتقواهم، والذين كانوا يملكون فيه حدائق نخيل غناء،  إضافة إلى موطنهم الرئيسي شرقي التامورت.
 تنــــــــــاءت بك الأيام أي تناءِ       وأثْوتك أرضٌ غـــــــير ذات ثواءِ
تجاوزتُ أمَّ البيض والقلبَ بعدها      وخلـَّــفتُ مَقْطيرَ العريضَ وَرائي
وأصبــــحتُ أرجوا لِوادَانَ أَوْبةً        وَوَادانُ عندي كان أرضَ جَلاء
ألا ليت شــــعري هل أبِيتن ليلةً        بخيْرانَ إذ هَضْبُ الظِّباء حَذائي
وهل تر عـــــيني لأﮔْشَــطَََ مَرةً       وفي رَمْل ﻟََﻌﮕﺎلِيَ كان شــــفائي
بلاد بها قَطّعتُ نَظْم تَمائمـــــي          وجرّبتُ فيها للشـــــباب رِدَائي
لياليَ يدعوني الهوى فأُجيبه      وحيث له أدعـــــــــو أجاب دُعائي